حين تبتسم القلوب بلغة الإشارة… مخيم الكتبية الصيفي يرسم الأمل في شمال المملكة

كش بريس/التحرير (مالكة العلوي) ـ

ليس الصيف مجرد فصلٍ تتوهج فيه الشمس، بل قد يتحول إلى نافذة واسعة تُطل منها الأحلام على واقعٍ أكثر إشراقًا، وإلى مساحةٍ رحبة تُزرع فيها بذور الثقة، وتُروى فيها أغصان الأمل، وتُصاغ فيها أجمل الحكايات الإنسانية. ومن هذا المنطلق، ووفاءً لرسالتها النبيلة في احتضان الأطفال وتمكينهم من حقهم في الفرح والاندماج، واصلت جمعية أمل لرعاية المرأة في وضعية صعبة، في شخص رئيستها السيدة نورة فيتزجيرالد، مسيرتها الإنسانية، ساعيةً إلى توفير فضاءات آمنة ودافئة للأطفال الصم، حيث يجدون الرعاية، ويعيشون متعة الاكتشاف، ويصنعون ذكريات لا تمحوها الأيام.
وفي إطار تعزيز الشراكة مع جمعية الكتبية للصم بمراكش، في رعاية الأطفال الصم، تم التنسيق لتنظيم مخيم صيفي تربوي وترفيهي بمنطقة شمال المغرب، إشراف مشترك بين الطاقم الإداري لجمعية أمل في شخص السيد محمد علي إفولس، والسيد كريم أوتاغزوت، والطاقم التربوي والإداري المرافق في شخص رئيس جمعية الكتبية للصم بمراكش الأستاذ جمال موحد، وخبيرة لغة الإشارة الأستاذة والإطار التربوي لالة حفصة العلوي آيات سيدي، والمرافقين السيد إدريس الزوهيري، ومهيار غلمان. ليحمل المخيم الكشفي والصيفي والتربوي (13 – 24 يوليوز2026) بين طياته رسالة سامية مفادها أن الإعاقة السمعية لا يمكن أن تكون حاجزًا أمام الفرح، ولا عائقًا دون الإبداع، ولا جدارًا يحول دون الاندماج الكامل في المجتمع.


كانت الانطلاقة في الساعات الأولى بعد منتصف ليلة الأحد 12 يوليوز 2026، حيث امتزجت مشاعر الشوق بالحماسة، وارتسمت على الوجوه ابتسامات بريئة تنبئ بأن رحلة استثنائية على وشك أن تبدأ. ومع بزوغ فجر يوم الاثنين 13 يوليوز، انطلقت فعاليات المخيم على أرض مدينة الشمال عروس الأندلسي تطوان، لتتحول الأيام إلى لوحة نابضة بالألوان، تتعانق فيها التربية مع الترفيه، ويتآلف فيها التعلم مع المتعة، وتتناغم فيها القيم مع البهجة.
وقد تنوع البرنامج اليومي،14/ 15/ 16/ 17/ 18/ 19/ 20 يوليوز، بين أنشطة تربوية وفنية هادفة، صُممت بعناية لتنمية القدرات الذهنية والحركية للأطفال، وتعزيز روح التعاون والعمل الجماعي بينهم. فكانت المسابقات الثقافية والترفيهية لحظاتٍ تتبارى فيها العقول بقدر ما تتقارب فيها القلوب، فيما شكلت ألعاب تجميع الصور (Puzzles) مساحةً لإطلاق العنان للتركيز، وتنمية مهارات التفكير، وغرس ثقافة الصبر والإصرار.
ولأن السفر ليس انتقالًا بين الأمكنة فحسب، بل هو عبورٌ نحو المعرفة واكتشاف الذات، كان للمشاركين موعد مع عبق التاريخ داخل المدينة العتيقة لتطوان، حيث جابت الأقدام الأزقة المتعرجة والدروب العتيقة، فيما راحت العيون تتأمل الجدران البيضاء والأبواب الزرقاء والنوافذ المزخرفة التي تروي بصمتها حكايات قرونٍ من الحضارة والأصالة. هناك، امتزجت دهشة الأطفال بجمال المكان، وتحولت الزيارة إلى درس حي في التاريخ والتراث والهوية المغربية.


وامتدت الرحلة إلى منطقة بوعنان الساحرة، حيث توقفت القافلة أمام إطلالة بانورامية آسرة، تتعانق فيها زرقة السماء بزرقة البحر، ويهمس النسيم بحكايات الجبال الممتدة في الأفق، في مشهدٍ يخطف الأبصار ويمنح الأرواح فسحةً من السكينة والجمال.
ولأن البحر رفيق الصيف الأول، فقد كان للماء موعد مع الضحكات، وللأمواج موعد مع البراءة، حيث استمتع الأطفال بالسباحة والفسحات الشاطئية بين شواطئ مدينة تطوان، وكورنيش مارتيل، ومضيق باب سبتة، وأمواج مدينة طنجة، في أجواء غمرتها الحيوية والمرح، وامتلأت بروح الصداقة والتآلف، لتتحول كل لحظة إلى ذكرى نابضة بالحياة. وتزداد البهجة عمقا بين التواءات وحماسة وروعة الإحساس، بروح الانطلاق في رحاب المرح والفرح في مدينة الألعاب بطنجة.
ولم تغب الورشات التطبيقية عن البرنامج، إذ احتضن رياض الفخار Riyad M’TaMAR geust House بمدينة تطوان، لقاءً إبداعيًا مميزًا، أشرف عليه ثلة من الفاعلين والمتخصصين، لرعاية حكيمة للمشرف على تداريب صنع الفخار الفنان المبدع عثمان، حيث أتيحت للأطفال فرصة تشكيل الطين بأيديهم الصغيرة، وتحويله إلى تحف فنية تنطق بخيالهم الواسع. وهناك، لم تكن قطع الفخار مجرد مجسمات جامدة، بل كانت تجسيدًا حيًا لقدرة الأطفال على الإبداع، ورسالةً تؤكد أن الأيادي التي تصنع الجمال قادرة دائمًا على صناعة المستقبل.
كما احتضن مركز التربية والتكوين والتأهيل لجمعية حنان 2 سلسلةً من الورشات والأنشطة الرياضية، توزعت بين حصص السباحة والألعاب الجماعية، خاصة كرة القدم وكرة اليد، في أجواء سادها التنافس الشريف وروح الفريق الواحد، وأسهمت في ترسيخ قيم التعاون والانضباط والثقة بالنفس، إلى جانب تنمية المهارات البدنية والاجتماعية للمشاركين.


ولم يكن المخيم مجرد برنامج ترفيهي عابر، بل كان مدرسةً للحياة، تعلّم فيها الأطفال الاعتماد على الذات، واحترام النظام، وتقاسم المسؤولية، وفسحةً للعناية بالنفس، حيث تتحول لحظات غسل الملابس مثلا، وتنظيفها إلى درسٍ جميل في الاستقلالية والنظام. كون النظافة لغة اهتمامٍ بالنفس، وتتواصل الدروس بتنظيم الأسرة، وترتيب الأطباق، وتنضيد مائدة الطعام.. علاوة على تنظيم وقت النوم والاستيقاظ، رسالةُ ثقةٍ تُترجمها الأفعال قبل الكلمات، ليعود أطفالنا الصم أكثر إشراقًا، وثقةً، واعتزازًا بأنفسهم… كما أن التواصل الفعال، وبناء الصداقات، والانفتاح على الآخر. شكل فرصة حقيقية لتعزيز اندماج الأطفال الصم داخل الفضاءات العامة، وإبراز قدراتهم وإمكاناتهم، بعيدًا عن كل الصور النمطية والأحكام المسبقة.
وها هي قافلة الفرح تواصل رحلتها، وما تزال أجنحة السعادة ترفرف فوق رؤوس الأطفال، ونحن اليوم الثلاثاء 21 يوليوز، في طريقنا نحو مدينة شفشاون، لؤلؤة الشمال وعروس الجبال، حيث تنتظر أطفالنا الصم محطات جديدة من الاكتشاف، وتجارب أخرى تزهر فيها الابتسامات، وتُنسج فيها خيوط الذكريات الجميلة…
إن ما تحقق خلال هذا المخيم يؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن إسعاد طفل واحد قد يضيء مستقبل أسرة بأكملها، وأن توفير فضاءات دامجة للأطفال الصم ليس مجرد نشاط موسمي، بل رسالة إنسانية عميقة تُجسد قيم التضامن، والكرامة، والمواطنة، وتفتح أمامهم نوافذ واسعة نحو غدٍ أكثر إشراقًا.
وهكذا تتقدم جمعية الكتبية للصم بخالص الشكر والتقدير لكل الشركاء، والمؤطرين، والمتطوعين، والفاعلين التربويين، ولكل من أسهم في إنجاح هذه المحطة الإنسانية المتميزة، إيمانًا منها بأن الابتسامة التي تُرسم على وجه طفل هي أجمل استثمار، وأن لغة الإشارة، وإن كانت صامتة، فإنها أبلغ اللغات حين تنطق بالمحبة، والأمل، والإنسانية.

Exit mobile version