‏آخر المستجداتلحظة تفكير

د إياد البرغوثي: الدولة “الوطنية” تواجه سؤال المصير

نشأت الدولة الوطنية العربية مع أزمة بنيوية منذ التكوين لأنها تشكلت على الأغلب في ظل الاستعمار، وغالبا بفعله. سياق النشأة حدد علاقتها “الملتبسة” بالأمة التي قامت على أنقاضها، وبشعبها، وحاكت في ضوئه “روايتها” عن السيادة والاستقلال، وبررت استنادا إلى تلك الرواية سياساتها واصطفافاتها اللاحقة.

بسبب ذلك، رأت الدولة في المشاريع العابرة للحدود تهديدا لبقائها. وبذريعة الحفاظ على الوجود والسيادة، تصدت للحركات القومية والإسلامية والاشتراكية. واعتبرت البعد عن أي مشروع “وحدوي” مشروعها الوحيد، وتنصلت من كل ما يذكرها بالأمة أو يقربها منها. من هنا كانت العلاقة الحذرة والمتحسبة بفلسطين، وبالدول “الشقيقة”، وهذا يفسر علاقتها بالغرب وبأمريكا ثم بإسرائيل، كإعلان صريح عن موقف لا رجعة فيه مع الأمة.
يبدو هذا “الموقف” الذي اتخذته الدولة الوطنية من أجل الحفاظ على ذاتها “مفهوما”، كونها تعاني من “تشوه” جاء مع نشأتها في ذروة الاستعمار واختلال كبير في موازين القوى لصالحه، لذلك اعتبرت نفسها عنصرا “خالدا” في مشروعه. لم يدر في ذهنها أبدا أن يأتي ذلك اليوم الذي يتبدل فيه الوضع فيبدأ نفوذ الاستعمار وسطوته بالتراجع، وتكف الدولة “الوطنية” عن أن تكون أمرا مطلوبا لمشاريعه الجديدة، بل على العكس تصبح تلك الدولة عقبة أمام تحقيق تلك المشاريع.
آمنت الدولة الوطنية أن بقاءها مرتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والغرب عموما ومن ثم بإسرائيل. وبناء على ذلك صنعت مفهومها الخاص للسيادة يستثني العلاقة مع الغرب من أية ارتدادات سلبية على ذلك المفهوم، بل على العكس ربطته بالارتباط به وبالتماهي معه والاستجابة لمتطلباته.
لذلك تبنت تلك الدولة السياسات الغربية سواء في مجال السياسة أو الاقتصاد وفي المحافل الدولية، واعتبرت عدو الغرب عدوها، ووافقت على إقامة قواعد أمريكية وغربية في أراضيها، وعملت إلى جانب الغرب بإخلاص أثناء الحرب الباردة بل حتى أثناء الربيع العربي حيث كانت هي نفسها الضحية في بعض الحالات، وأخيرا ذهبت لتبني التطبيع مع إسرائيل وإقامة علاقات أكثر من طبيعية معها، رغم إدراكها أن ذلك يتعارض مع إرادة شعبها.
لكن ربط أمن الدولة الوطنية العربية ووجودها وسيادتها بالعلاقة مع الغرب وإسرائيل، أخذ يواجه تحديات جدية في أعقاب طوفان الأقصى والحرب الإسرائيلية على غزة. وبات ذلك أكثر وضوحا بعد أن امتدت تلك الحرب لتشمل لبنان وسوريا وإيران وإن بصورة مختلفة.
صحيح أن اتفاقيات “التطبيع” بين الدول العربية وإسرائيل بشكليها، تلك التي حملت عنوان اتفاقية سلام، كتلك التي عقدتها كل من مصر والأردن ومنظة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل، أو تلك التي سميت الاتفاقيات الإبراهيمية وشملت الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، قد حدثت كلها قبل الطوفان، لكن تلك الحرب كشفت جوهر تلك الاتفاقيات وأوضحت معانيها المختلفة لدى أطرافها.
أثبتت وقائع الحرب على غزة وارتداداتها، أن أي شيء ترتكبه إسرائيل بما فيه ذلك الذي يكون بحق الدولة الموقعة معها، لن يؤثر في مدى التزام تلك الدولة بالاتفاق، في الوقت الذي أظهرت أن أية اتفاقية توقعها إسرائيل لن تمنعها من القيام بما تراه “مناسبا” بما فيه تهديد أمن تلك الدولة التي وقعت الاتفاقية مع إسرائيل أساسا كي تحفظ أمنها وللحيلولة دون تهديده.
كل الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في غزة وغيرها، لم تغير موقف الدولة العربية من اتفاقيات السلام التي وقعتها معها، في حين قامت إسرائيل بتهديد مباشر لأمن تلك الدولة. في هذه الحرب ضربت إسرائيل إضافة إلى غزة ولبنان، سوريا التي أعربت عن رغبتها في إقامة سلام معها، وضربت الدولة الوسيط قطر، وهددت كلا من مصر والأردن، الطرفين في اتفاقيات السلام معها بتهجير سكان غزة إليها، ولم تترك أي بند في اتفاقية السلام مع منظمة التحرير الفلسطينية إلا وانتهكته.
اتفاق الدولة العربية مع إسرائيل اذاً ليس إلا التزاما من قِبل تلك الدولة تجاهها في كل الظروف دون أن يكون هناك أي التزام من الجانب الإسرائيلي تجاه الدولة العربية. هذا يتضح من اتفاقيات وقف إطلاق النار الذي تبين أنها بالنسبة لإسرائيل تعني أن يقوم الجانب المقابل لإسرائيل بذلك دون أن ينطبق عليها، فالاتفاق هو ليس أكثر من تعهد يقوم به الطرف المقابل تجاهها. هي لا تعتبر نفسها طرفا “طبيعيا” في اتفاق، بل فوق ذلك، وهي في نفس الوقت الحكم على مدى التزام الطرف الآخر.
حاولت أمريكا (ومعها إسرائيل) أن تثبت للدولة العربية أنها هي التي تحميها من “أعدائها”، وحرصتا على إيجاد هؤلاء الأعداء ابتداء من “الخطر” الشيوعي والاتحاد السوفياتي إلى الخطر “الإسلامي” المتطرف ثم الخطر الإيراني، لكن الحرب على غزة اضطرت إسرائيل أن تكشف للدولة العربية أنها هي أيضا قد تكون مصدر تهديد لها، وصار عليها أن تُسَوق أنها هي وحدها القادرة على حماية تلك الدولة ليس فقط من “أعدائها” بل منها نفسها أيضا. إسرائيل تريد ثمن بدل عدم ضربها للطرف العربي.

قطعت الحرب على إيران شوطا إضافيا في هذا الاتجاه، ونشرته على مدى أوسع. فمنذ الأيام الأولى للثورة الإيرانية وقفت الدولة العربية ضدها، وساعدت العراق في حربه عليها، ووافقت على إيجاد القواعد الأمريكية والغربية بذريعة أنها تشكل جزءا من نظامها للدفاع عن وجودها. لكن الحرب الأخيرة على إيران، أظهرت أن القواعد الأمريكية وغير الأمريكية، لا تقوم إلا بالدفاع عن إسرائيل، وتبين أن هذه القواعد هي جزء من نظام يستجلب التهديد إلى أمن هذه الدول بدل توفيره، وتشكل أدوات للضغط على الدول المضيفة وابتزازها دونما أية فائدة.
لم تستطع تلك الدول النأي بنفسها من خلال الحيلولة دون استخدام تلك القواعد لضرب إيران، ولم تنجح تلك القواعد لا في “الدفاع” عن نفسها ولا عن الدول المضيفة، بل تم استخدام تلك الدول وشعوبها “كدروع” من أجل الدفاع عن تلك القواعد وعن إسرائيل، واستخدمت الدول المضيفة للقواعد في الصراع العسكري والسياسي مع إيران.

إذاً أثبتت الحرب على إيران وعدم تمكن أمريكا وإسرائيل من هزيمتها، أن تلك القوى ليست مطلقة القوة، وأن بلدا “متواضع” الامكانيات قياسا بقوة أمريكا الدولة الأعظم في العالم مضافا اليها قوة إسرائيل يستطيع الصمود في مواجهتهما. ما دام الأمر كذلك، فإن هذه القوى لا تستطيع أن تكون حامية بشكل جدي للدولة “الصديقة”، هذا على افتراض أنها معنية بالدفاع عنها من الأساس.
مع تطور الحرب على إيران، ورغبة إسرائيل في استمرارها مع الأطراف الأخرى في غزة ولبنان والعراق واليمن، كشفت إسرائيل بوضوح عن مشروعها الذي تسعى لتحقيقه من هذه الحرب وهو “الشرق الأوسط الجديد”، ذلك المشروع الذي يتجاوز مسألة الدفاع عن “الدولة” الوطنية إلى اعتبارها عائقا أمام ذلك المشروع.

جاء ذلك على لسان نتنياهو الذي أوضح هدفه في إقامة إسرائيل الكبرى التي تعني السيطرة المباشرة على الأردن وسوريا ولبنان والعراق ونصف مصر وبعض من تركيا بالإضافة إلى فلسطين. أكد ذلك أيضا المبعوث الأمريكي توم براك الذي صرح بأن سايكس بيكو ليس مقدسا، وهدد لبنان بضمه إلى سوريا
ان وصول المشروع الصهيوني (الأمريكي – الإسرائيلي) إلى درجة تهديد الدولة الوطنية العربية التي ربطت مصيرها ووجودها بالارتباط بأصحاب ذلك المشروع، يتطلب من هذه الدولة إعادة التفكير بكل سياساتها في هذا المجال، فموضوع وجود تلك الدولة بات مهددا بشكل جدي، ليس من قبل القوى التي تم اعتبارها عدوا “تقليديا”، بل من جانب من جرى اعتباره أهم “حليف”، والراعي الأول.
الآن، جاء الوقت الذي يفترض أن تعيد الدولة الوطنية التفكير في موضوع الأعداء والأصدقاء، والأهم من ذلك أن تعيد تقييم علاقتها مع “الأمة”. فالموضوع لم يَعُد إما الدولة وإما الأمة، فالدولة الوطنية رغم كل مشاكلها أصبحت واقعا من الصعب تجاوزه، لذلك من المفيد أن ترى هذه الدولة أن هناك إمكانية لإيجاد وضع تتصالح فيه مع الأمة (الإقليم)، وتحافظ على وجودها في نفس الوقت. هناك في تاريخنا المعاصر تجارب لقوى استطاعت أن ترى مصلحتها في إيجاد شكل من التقارب والوحدة دون أن تمس ببنيتها وكيانيتها.
إبقاء الدولة الوطنية رهانها على من بات يهددها علنا هو شكل من أشكال الانتحار، والظروف الدولية الراهنة خلقت فسحة لإمكانية إيجاد بديل، فهل تنجح “الدولة” في استثمارها؟.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button