فنون وثقافة

د/م علي الخامري: تداخل المسافات والأنساق وتكامل المعنى والمبنى في شعر السورية فرات إسبر

الحلقة الثالثة :

توطئة أولية :

الشاعرة فرات إسبر شاعرة معاصرة من بلاد الشام التي أعتبرها صلة وصل ما بين المشرق والمغرب ، وحاضنة لمدلولات تراثية وثقافية غنية بعبق التاريخ ، ولها بصمة على الحضارات المتعاقبة ، وبالرغم من أنها تستقر بعيدة عن وطنها ، وبالضبط في بيوزيلاندا إلا أنها ظلت تعمل كالفراشة تطوف مع الشعر في اتجاهات مختلفة ، تحلق في السماء ، وتغوص في أمواج الحياة ، وتتجول في أعماق التاريخ لترشف رشفات من ينابيع الفكر ، ودواخل النفس ، ومكونات الوجود المختلفة ، تحولها إلى أيقونات غاصة بالدلالات ، وتتخذ منها وسيلة للبوح بدفقات الإحساس ، وتأملات الذهن ، ومحتويات الموقف بحثا عن المفقود في الكون وفي الإنسان ، جامعة بذلك بين ذكريات الماضي الجميل ، وتوجعات الحاضر الكئيب ، وتترقب المستقبل في الأفق عبر أشكال تتفرق ما بين الإبهام والأمل .

شاعرتنا صدر لها لحد الآن خمس مجموعات شعرية هي :

الأولى صدرت عام 2004 بعنوان : ( مثل الماء لا يمكن كسرها ) .
الثانية صدرت عام 2006 بعنوان : ( خدعة الغامض ) .
الثالثة صدرت عام 2009 بعنوان : ( زهرة الجبال العارية ) .
الرابعة صدرت عام 2011 بعنوان : ( نزهة بين السماء والأرض ) .
الخامسة صدرت عام 2020 بعنوان : ( تحت شجرة بوذا ) .

يتبين لنا أن محطات الشاعرة فرات وهي تبحر مع الشعر كثيرة ومتوالدة بِتَتَالٍ مُحكَمٍ ، متقارب ومتباعد السنين ، يصعب على القارئ لَمُّ شتاته بيسر وبإحاطة كاملة وغير متأثرة بالتيه الفكري الإيجابي .

كل قصيدة وكل مقطع حاكته شاعرتنا ينتهي بلا نهاية محددة شافية وكافية ، بل إن كل نهاية كتابية ترسم في ذهنك الكثير من التصورات والتطورات الإبداعية المتلاحقة تماما كما توحي بذلك عناوين المجموعات المتقدمة ، وكما يستشف من الآليتين المتحكمتين في المسافات والأنساق ، ونقصد بهما : طبيعة الشاعرة الأنثوية ، وعوالمها الفسيحة فساحة الكون وتجلياته المتنوعة .

شعر الشاعرة فرات هو شعر يجمع ، ويُشرِك القراء في عملية الإبداع ، وهم وإن تعددوا وتنوعوا وتناسلوا مع الزمان فإن كل واحد منهم سيجد عالمه المنشود ، وقصيدته الممشوقة ، وتلك المواقف الجمالية التي تغري بالمتابعة والمصاحبة والاكتشاف .

شعرها مفتوح لا يضيق ، ولا ينضب ، وكيف ينضب من يستقي مواقفه من تقلبات الحياة الواسعة ، وألوانها ، وأشجارها ، ووقائعها المتسارعة ، وأفراحها ، وأحزانها ، وجميع مظاهرها……

شعرها مثل الزمان سائر ومتجدد وله أشكال ومعاني مع انبثاق لحظات الليل والنهار والإنسان منذ فجر الحياة وإلى ما لانهاية ، شعر بهذه الكثافة في المعنى ، وبهذا التشكيل المتداخل على مستوى البناء ، وبهذا السفر الطويل الدائم والعميق ، وبحركيته التي لا تعرف التوقف والسكون صعبٌ ومُغرِي ، وله طابع سحري على النفوس ، يدفعك إلى حياضه دفعا متواصلا ، ويحبب إليك القيام بعمل يخَلخِل بُناه الفكرية والنفسية والجمالية التي تترسب في دواخلك مع كل قراءة كمثل ورطتنا معه في فعل القراءة وهمومها ، راجين أن نتمتع ونستفيد ، ونسوق القارئ الكريم إلى هذا الينبوع المتدفق على سطح حياتنا الشعرية المعاصرة لنقارن ونقارب لعلنا نصل معه إلى معالم تمكننا من الإطلالة المفيدة والمحيطة في الآن نفسه بالرغم من قلة مما في يدنا منه .

قراءتي لشعر فرات ستقسم وكما جاء في العنوان إلى قسمين كبيرين : قسم أول يهتم بتتبع المعاني والمسافات عبر عوالم النفس ، ودروب الاغتراب ، ومآثر الجمال ، وقسم ثان يتتبع المباني والأنساق التي صاغتها شاعرتنا للمعاني المطروحة انطلاقا من خواص وميزات أساسية ، شكلت الوعاء الذي ساعد واحتضن ، وساهم في تكوين تلك المعاني وتأديتها ببراعة نسقية تتلخص في آليات التسلسل والتقابل والبناء ، والتلخيص ، والترميز ، وفي داخل كل عنوان هناك تشعبات وتجليات طارئة ومحكمة من جهة التشابك والتداخل ، والتفاعل بدرجات يستحيل معها استغناء المعنى عن المبنى ، والعكس كذلك منعدم ، ولا يستقيم في شعر شاعرتنا فرات .

مضمون الحلقة الثالثة :

1 – ج – مآثر الحياة الجمال : أحب أن أبدأ هذا الحيز الجديد بالمقطع الأخير من شعرها أعلاه بنظرة مبينة لوجه جديد ، تغلب عليه نبرة الخطاب والأمر والنداء والإلحاح المستفاد من التكرار ، تقول :

يا ابنتي
خذي المعنَى من فمِ الفراشة
أو من قرنِ غزال .
يا ابنتي
النّور يذوبُ حينَ يأتي الظلامُ .

ومع ذلك فهو يدل على يقين وهدوء ، وثقة عارمة في الحياة ، وهذا ما أريده لمفهوم ( مآثر الجمال ) فالشاعرة لم تركن إلى خيباتها المتتابعة ، وسقطاتها المدوية ، ولم تجعل من القارئ ضحية لأفكارها السلبية كما يفعل من لا يوظف إبداعه إلا في إثارة غريزة التشاؤم في النفوس عبر بث العبث والفوضى دون أن تكون هناك علاجات ومعالجات للأوضاع ، وهذه ميزة أخرى في شعر فرات ، لأنه يقربك ويبعدك من الحياة في آن واحد ، ويترك لك الخيار الذاتي البعيد عن أي تأثير قد يمارس عليك أيها القارئ ، وأحب بدوري أن أصرح للقارئ الكريم أن الشاعرة دأبت على نشر مآثر الجمال الكونية عبر توصيفات جديدة ، تجانست فيها المعاني واللغة جنبا إلى جنب ، وتغيرت فيها بعض المفاهيم المشاعة بين الناس ، ومنها التجاؤها إلى خاصية التطابق بين الوصف والموصوف ولكن بعيد عن المعنى اللغوي المعروف ، وبتعبير آخر كان الربط بين الموصوف ووصفه كونيا ، ووظف لتوفير المزيد من المسافات وأبواب الانتقالات أمام الشاعرة التي تشعر بتزاحم المعاني كما تقول في عنوان معبر : ( كلما اتسعت عزلتي ارتفعتُ ) ولكنها لا تتميز في ذهن القارئ إلا بمجموعة من المحددات والأوصاف ، تقول :

أنطوي على نفسي
أعدُّ أيام هبوطي
كلما اتّسعت عزلتي ارتفعتُ
وكلما ارتفعتُ، أيقنتُ بأني لم أكن ما أريد
خضراء
خضراء
أنمو ..
وحولي أرضٌ تتصحر
كالفقير أمدُّ يدي إلى الله، وأسأله :
اتّساعاً في الرؤية
وارتفاعاً في الهبوط .
من علّمني النوم ؟
من علّمني اليقظة ؟
كنتُ بدراً
وكنت هلالا
ثم بدراً من دون اكتمال .
من يسرق النجوم ، ويستولي على نارها ؟
نصفٌ مني مظلم
ونصفٌ لهب .

ومن مظاهر مآثر الجمال في شعر فرات مقاومتها الصلبة والمتكررة لفكرة الموت بمعنى الفشل والانطواء والزوال ، والموت هنا حاضر بمفهومه الميتافزيقي والتأملي لما يحدث على الأرض مرارا حتى تحول إلى عادة من عادات الحياة الأصيلة ، ولهذا استسلمت له الشاعرة من باب تلك العادة ولكن جابهته وجوديا بأنها ستكتب لنفسها الخلود المنتظر ، وستلجأ إلى الشعر لتحمله بكل ما تود الإفصاح عنه ، وسيبقى فواحا بروائحه كالعطر ، تقول في قصيدة التحدي والجمال :

أعلم إنّني سأموت
لذلك قررتُ أن أكتب كل يوم قصيدة
قد يفوحُ العطر منها
وتطيُر الفراشات
قد تتحول الكلمةٌ إلى شجرة ٍ
و الشجرةُ إلى ثمرةٍ
ليقطف كل واحد منكم ” كلمة “
ويزرعها على قبري .
غداً عندما أموت ،
كلماتي ستكون جواهري
لا إرث لي سواها .

فعلا لا يوجد فعل يسمو على فعل الموت إلا الإبداع ، ولذلك وجد لا ستمرار مقاومة الإنسان لموته الأكيد ، وليُضمن التواصل والتعارف بين الآدميين بأكبر وسيلة مميزة ألا وهي الإبداع والعلم .

والشاعرة لم ترفض فعل الموت ، ولم تؤمن بالخلود المجاني ، وإنما كانت مقاومة شرسة له ، وتتلمس طريقها بريمان واطمئنان ، لأنها هبة من هبات السماء ، تقول جامعة بين الاعتراف والمقاومة :

أرض يحرثها محراث الموت
ويفرقها
جثثا
جثثا
السماء
كتاب الأرواح
الموتى على بابها ينتظرون
يغتسلون بماء زمزم قبل الصعود
المحراث يحرث الجثث
فتنبت في الأرض مثل شجرة الجنة
غدا سيولد الإنسان .
نعم غدا هو المأمول دائما في الحياة والعطاء ، وبفضل الغد المنتظر يتحرك الإنسان ، ويفعل ما يفعل ، ويأمل الخير والأفضل فيما سيأتي ، إنها دعوة متكررة في حياة كل إنسان ، ووسيلة للمقاومة ، وأمل في النصر الموعود ، وهذا ما وعدت به الشاعرة ، وبشرت به وهي تبحث عن معنى الخلود الأزلي ، تقول وهي تؤكد على إيمانها المطلق بأفكارها ، وعلى ضرورة المجابهة ، وصناعة الحياة ، تقول :

وأقول : سأعيدُ تجربة الخلود ،
وأبني من جنوني قطاراً ، يسيرُ على الحلم والفقر
لقد جاءنا الغيث ُ
سنسافر ُإلى مدن ٍ بعيد ةٍ .!
كان الطُبوغرافي والجُغرافيّ قد نسيّا ما خطّا على الورق المقوّى.!
سنركب ُالبحر
ونقطعُ الموج َ
ونمضي سماء ً ثم بحرا ً ،
يا الله لماذا اخترتني لهذا الشوق كله ؟
كأني قد حبست ُأ نفاسَ الدُنى في رئتي
وكنت كالطير ِ في جُزر المنفى ، بلا يابسة ، بلا أعلام ،
وابتعدنا……
هكذا فعلت الشاعرة ، وحلقت بنا بعيدا ، وطافت بنا في تطواف الحياة والإنسان والوجود ، وكانت مدركة وواعية ، وفاحصة ، ومتيقنة من المتيقن ، ورافضة للأوهام ، وعنيده ومكابرة في عشقها للحياة ، كانت أنثى ، واعطتنا معاني الأنثى التي تعطي بلا انقطاع ، وكانت مبدعة محملة لإبداعها جميع الأصداء المقبولة والمرفوضة ، وكانت لها اليد العليا في صناعة عوالمها بإتقان وإيمان ويقين ، وثقة كبيرة بمعاني الحقيقية ، ووظائفها الأصيلة في الحياة .

‏مقالات ذات صلة

Back to top button