
لم يحتج الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في اجتماعه الوطني الأخير، إلى مراجعة طويلة لذاكرته السياسية كي يفتح باب المشاركة في الحكومة المقبلة؛ احتاج، بالأحرى، إلى إعادة تأويل تلك الذاكرة. فالمجلس الوطني للحزب قرر، السبت 10 أكتوبر بالرباط، التجاوب مع عرض المشاركة في حكومة تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، القيادية في حزب الأصالة والمعاصرة، وفوّض إدريس لشكر صلاحية التفاوض بشأن البرنامج الحكومي والهندسة الوزارية وتوزيع المسؤوليات. وبذلك انتقل الحزب من تاريخ من التحفظ والرفض السياسي تجاه «الوافد الجديد» إلى موقع الشريك المحتمل في حكومة يقودها الحزب الذي ظل ظهوره موضع اعتراض داخل قطاعات من الاتحاد وقياداته.
لا تكمن المفارقة في أن حزبًا سياسيًا يغيّر موقفه؛ فالسياسة، بحكم طبيعتها، مجال للتحولات وإعادة بناء التحالفات، ولا يمكن مطالبة الأحزاب بالبقاء أسرى خصوماتها إلى الأبد. إنما تبدأ المسألة حين يُقدَّم التحول باعتباره خاليًا من التناقض، وحين يُراد للخطاب أن يمحو المسافة بين موقفين متعارضين بدل أن يشرح أسباب الانتقال من أحدهما إلى الآخر. هنا تحديدًا يصبح السؤال مشروعًا: هل راجع الاتحاد الاشتراكي تقديره السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أم أن شروط الوصول إلى الحكومة أعادت ترتيب سلّم الأولويات لديه؟ وهل نحن إزاء تحول في القناعات، أم أمام براغماتية انتخابية تبحث عن صيغة أخلاقية لتسويغ نفسها؟
إدريس لشكر.. حين يستعير التبرير من التاريخ
في معرض دفاعه عن التحول، استحضر إدريس لشكر مثالًا من التاريخ الإسلامي، مستعيدًا سيرة أشخاص عارضوا النبي محمد في بدايات الدعوة، ثم صاروا من المدافعين عنها. وقال: «الذين ناهضوا الرسول صلى الله عليه وسلم في بداية الإسلام كانوا من أشد المناهضين له، ثم أصبحوا أشد المدافعين عن الإسلام وعن محمد صلى الله عليه وسلم». ثم تساءل: «هل نقول لهم: قفوا مكانكم، لقد كنتم بالأمس تحاربون؟»، قبل أن يخلص إلى أن تغير المواقف لا يعني بالضرورة الوقوع في التناقض.
غير أن هذا القياس، على ما يحمله من استدعاء وجداني ورمزي، لا يحسم المسألة السياسية التي يُراد تبريرها. فالانتقال من معارضة فكرة أو عقيدة إلى اعتناقها يختلف في طبيعة دوافعه وشروطه عن الانتقال من رفض التنسيق مع حزب سياسي إلى طلب المشاركة في حكومة تقودها قيادته. في الحالة الأولى، يتعلق الأمر بتحول في الاعتقاد والانتماء؛ أما في الثانية، فنحن أمام قرار حزبي تحكمه البرامج والمصالح والتمثيلية الانتخابية وموازين القوة وشروط تدبير السلطة.
إن استدعاء التاريخ الديني لا يعوّض الحاجة إلى تفسير سياسي ملموس. فليس المطلوب من لشكر أن يثبت أن الإنسان قادر على تغيير رأيه؛ هذه حقيقة لا تحتاج إلى برهان. المطلوب أن يشرح ما الذي استجد في تجربة الأصالة والمعاصرة حتى أصبح، بعد سنوات من التحفظ، شريكًا مقبولًا في حكومة يقودها، وما الذي تغير في الاتحاد الاشتراكي نفسه حتى انتقل من رفض التنسيق إلى الاستعداد للمشاركة. أما وضع هذا التحول في سياق قياس ديني، فيخاطر بنقل النقاش من مساءلة القرار السياسي إلى استثمار رمزية تاريخية لا تتطابق شروطها مع الحالة الحزبية الراهنة.
والأكثر إثارة للاستغراب أن لشكر قال: «اليوم أنا، بصدق، لا أجد أي تناقض في أن يشتغل حزبنا مع رئيسة من هذا الصف»، ثم أضاف أن الأصالة والمعاصرة أصبح مكونًا سياسيًا لا يمكن تجاهله، معتبرًا أنه «لا يمكن إلا لجاهل أن يلغيه من الحسابات». وهي عبارات تنطوي على مفارقة واضحة: فالحاجة إلى التشديد على غياب التناقض لا تلغي ضرورة تفسيره، كما أن الاعتراف بوجود حزب وازن في المشهد السياسي لا يساوي، في حد ذاته، تبرير التحالف معه. فالأحزاب التي تحضر في المشهد الانتخابي لا تكتسب بذلك حصانة من النقد، ولا يصبح التعاون معها نتيجة آلية لوجودها أو لحجمها.
إن وصف من يستبعد الأصالة والمعاصرة من الحسابات بالجاهل يختزل خلافًا سياسيًا محتملًا في حكم على المعرفة، مع أن الاعتراض على التحالفات يظل موقفًا مشروعًا متى استند إلى اختلاف في البرامج أو المرجعيات أو تقييم التجارب السابقة. وكان الأجدر بالخطاب السياسي أن يوضح أسباب مراجعة الموقف، بدل أن يجعل من قبول الحزب معيارًا للفهم السياسي، ومن استمرار الاعتراض عليه علامة على الجهل.
من «الوافد الجديد» إلى شريك الحكومة
تستمد هذه الواقعة أهميتها من تاريخ العلاقة بين الحزبين. فقد ارتبط تأسيس الأصالة والمعاصرة سنة 2008 بنقاش سياسي واسع حول ظروف نشأته وموقعه في الخريطة الحزبية وعلاقته بمراكز النفوذ. وفي ذلك السياق، عبّر الاتحاد الاشتراكي وقيادات منه عن تحفظات على الحزب الجديد، واستخدموا توصيف «الوافد الجديد» في سياق الاعتراض على حضوره السياسي وطبيعة تشكله.
واليوم، يجد الاتحاد نفسه أمام احتمال المشاركة في أغلبية تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، إحدى أبرز قيادات الحزب الذي ارتبطت نشأته بتلك الاعتراضات. وقد أقر لشكر بأن حزبه كان «رافضين لكل تنسيق»، مشيرًا إلى أن الاستقالات التي وقعت داخله بسبب هذه المواقف كانت محدودة جدًا. لكن الاعتراف بالماضي لا يكفي لتسوية الحساب معه؛ فالمطلوب هو تحديد ما إذا كانت أسباب الرفض قد زالت، أم أن ميزان السياسة تبدّل إلى حد جعل ما كان مرفوضًا بالأمس فرصة ممكنة اليوم.
هنا تبرز مشكلة أعمق تتعلق بذاكرة الأحزاب المغربية. فكثيرًا ما تتحول المواقف المؤسسة إلى شعارات ظرفية، ثم تتراجع تحت ضغط الاستحقاقات الانتخابية أو الحاجة إلى التموقع داخل المؤسسات. ولا تكون المشكلة في التحول ذاته، بل في غياب النقد الذاتي الذي يرافقه. فالحزب الذي يراجع موقفًا سابقًا يستطيع أن يعلن ذلك بوضوح، وأن يحدد ما أخطأ في تقديره، وما الذي تغير في الواقع، وما الضمانات التي تجعله يعتقد أن التحالف الجديد يخدم برنامجه ومصالح ناخبيه. أما إعلان أن التناقض غير موجود أصلًا، فيبدو أقرب إلى محو الذاكرة منه إلى مراجعتها.
الاشتراكية أمام اختبار السلطة
تزداد دلالة القرار حين يتعلق الأمر بحزب يحمل إرثًا تاريخيًا متصلًا بالحركة الوطنية واليسار المغربي، وراكم رصيده السياسي عبر خطاب يربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية وتوسيع المشاركة الشعبية وتقوية المؤسسات. فالمشاركة الحكومية ليست، في ذاتها، خروجًا عن هذه المرجعية، كما أن المعارضة ليست ضمانة تلقائية للوفاء بها. المعيار الحقيقي هو ما يستطيع الحزب انتزاعه من التزامات قابلة للتنفيذ، وما يملكه من قدرة على التأثير في السياسات العمومية، ومدى انسجام موقعه الحكومي مع برنامجه الانتخابي ومواقفه المعلنة.
وقد ربط المجلس الوطني مشاركته المرتقبة بوجود «تقاطعات جدية في القيم والاختيارات»، وبضرورة التوصل إلى اتفاق سياسي وبرنامجي واضح، يضمن الانسجام بين البرنامج الحكومي وتركيبة الحكومة وآليات التنفيذ والتقييم. كما شدد على التنمية العادلة والمنصفة، وتقوية المؤسسات، وإعطاء الأولوية للشباب والتشغيل والعدالة المجالية، وتسريع الجهوية المتقدمة ونقل الاختصاصات والموارد إلى الجهات.
لكن هذه الالتزامات، على أهميتها، تظل في مستوى الإعلان ما لم تتحول إلى شروط تفاوضية محددة ومعلنة. فهل سيجعل الاتحاد الاشتراكي من هذه الأولويات أساسًا فعليًا للتفاوض، أم ستصبح لغة البرنامج الاجتماعي غطاءً مألوفًا لتبرير الالتحاق بالأغلبية؟ وما الضمانات التي ستتيح تقييم حصيلة مشاركته لاحقًا؟ ثم كيف سيشرح الحزب لقواعده وللرأي العام الفارق بين نقده السابق للأصالة والمعاصرة واستعداده الحالي للعمل تحت قيادة سياسية تنتمي إليه؟
هذه الأسئلة لا تستهدف التشكيك في حق الحزب في المشاركة، وإنما تضع القرار أمام امتحانه الديمقراطي. فالمشاركة الحكومية مسؤولية سياسية تتجاوز توزيع الحقائب، وتقتضي وضوحًا في الالتزامات، واستعدادًا لتحمل تبعات القرارات، وقدرة على مساءلة الحلفاء عندما تتعارض الممارسة مع الوعود.
تفويض لشكر.. بين التفاوض وتجديد الثقة
منح المجلس الوطني إدريس لشكر صلاحية التفاوض بشأن شروط المشاركة والبرنامج الحكومي والهندسة الوزارية، بما يشمل اقتراح أسماء لتولي المسؤوليات الوزارية وفق معايير الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز. ويمنح هذا التفويض الكاتب الأول موقعًا مركزيًا في رسم وجهة الحزب خلال المرحلة المقبلة، لكنه لا يعني أن اتفاقًا نهائيًا قد أُبرم، ولا أن توزيع الحقائب حُسم.
غير أن تفويض القيادة بالتفاوض يطرح بدوره سؤالًا تنظيميًا: هل ستُقاس المشاركة بما يحصل عليه الحزب من مواقع داخل الحكومة، أم بما يضمنه من تأثير في السياسات والقرارات؟ فالحقيبة الوزارية قد تمنح حضورًا مؤسساتيًا، لكنها لا تضمن وحدها تنفيذ برنامج اجتماعي أو الدفاع عن استقلالية القرار الحزبي. وقد تكون المشاركة مكسبًا إذا تحولت إلى أداة لإنجاز التزامات واضحة، وقد تصبح عبئًا إذا استنفدت رصيد الحزب في تدبير تناقضات الأغلبية من دون نتائج ملموسة.
ومن هذه الزاوية، فإن التصريحات التي حاولت تسويغ التحول عبر القياس التاريخي لا ينبغي أن تحجب جوهر المسؤولية. فالمطلوب من القيادة ليس إثبات أن المواقف تتغير، وإنما إقناع الرأي العام بأن هذا التغيير يستند إلى أسباب سياسية يمكن مناقشتها والتحقق منها، وأنه لا يختزل في الرغبة في الوجود داخل الحكومة.
السياسة لا تُدان بتغيير الموقف، بل بإنكار أسبابه
إن ما يكشفه قرار الاتحاد الاشتراكي ليس مجرد انعطاف في علاقته بالأصالة والمعاصرة، بل أزمة أوسع في الطريقة التي تدير بها الأحزاب المغربية ذاكرتها ومفاهيمها وحدودها الأخلاقية. فالتحالفات تتبدل، والخصومات قد تنتهي، والوقائع الانتخابية تفرض حسابات جديدة؛ لكن السياسة تفقد جزءًا من معناها حين يُطلب من الجمهور أن يتعامل مع كل تحول بوصفه استمرارًا طبيعيًا للموقف السابق، من دون تفسير أو مراجعة أو اعتراف بكلفة التراجع.
كان في وسع إدريس لشكر أن يقول ببساطة إن المعطيات السياسية تغيرت، وإن الحزب أعاد تقييم علاقته بالأصالة والمعاصرة على ضوء نتائج الانتخابات وشروط المرحلة، وإن المشاركة ستظل مرتبطة ببرنامج واضح وضمانات قابلة للمحاسبة. مثل هذا التفسير، حتى لو ظل موضع خلاف، كان سيضع القرار داخل منطقه السياسي الطبيعي. أما الاستعانة بمثال من التاريخ الديني، ثم نفي التناقض بإطلاق، فلا تجيب عن الأسئلة التي يثيرها التحول، وقد تمنح خصوم الحزب مادة إضافية للسخرية من خطابه بدل مناقشة برنامجه.
فالذاكرة السياسية ليست قيدًا أبديًا، لكنها أيضًا ليست صفحة يمكن محوها كلما تبدلت الحسابات. والمراجعة ليست عيبًا، إنما العيب أن تتحول إلى إنكار للماضي أو إلى محاولة لإسكات النقد عبر تخوين المعترضين معرفيًا. وإذا كان الاتحاد الاشتراكي يتجه نحو المشاركة في الحكومة المقبلة، فإن اختباره الحقيقي لن يكون في قدرته على تبرير التحالف، بل في قدرته على تحويله إلى مكسب عام، وعلى إثبات أن ما تغيّر هو تقديره السياسي للواقع، لا معاييره في الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
في النهاية، لا يحتاج التحالف إلى استعارة من التاريخ كي يصبح مشروعًا، ولا تكفي استعارة تاريخية كي يصبح مقنعًا. ما يحتاج إليه هو برنامج معلن، وشروط تفاوض واضحة، ومحاسبة على النتائج. أما التناقض الذي تنفيه الخطب، فقد تعيد السياسات إنتاجه على أرض الواقع؛ وعندها لن يكون السؤال: لماذا غيّر الاتحاد الاشتراكي موقفه؟ بل: ماذا ربح المجتمع من هذا التغيير؟




