
ـ ما الذي بقي من التاريخ خلف الرواية؟ كتاب جديد عن مرويات عروة بن الزبير ـ
كش بريس/التحرير ـ صدر عن دار روافد المصرية مؤلف جديد للأديب والمترجم المغربي رشيد بازي، بمراجعة الباحث عبد الإله ثابت، يحمل عنوان: «الكتابات الأولى عن حياة محمد: مرويات عروة بن الزبير والمصادر غير الإسلامية»؛ وهو كتاب يغامر بالدخول إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية وتعقيدا في كتابة التاريخ الإسلامي: المنطقة التي يتقاطع فيها النص مع الذاكرة، والرواية مع التاريخ، والإيمان مع السؤال النقدي.
لا يقدم الكتاب سيرة جديدة للنبي محمد بالمعنى التقليدي، بقدر ما يعيد مساءلة إمكان كتابة السيرة ذاتها: كيف نعرف ما حدث؟ وما الذي يجعل رواية ما أقرب إلى التاريخ من غيرها؟ وأي مسافة تفصل الحدث عن النص الذي يحفظه؟ إنه، في عمقه، استعادة للسؤال الذي صاغه المؤرخ الألماني ليوبولد فون رانكه: «كيف كانت الأمور فعلا؟»؛ سؤال يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه يفتح، كلما اقتربنا منه، هاوية معرفية كاملة بين الماضي كما وقع والماضي كما رُوي.
ومن هذه العتبة يدخل الكتاب إلى مساءلة المصادر الإسلامية الأولى، لا بمنطق الهدم ولا بمنطق التسليم، وإنما من خلال اختبار أصالتها، ومقارنة طبقاتها، وتتبع أسانيدها ومتُونها، والبحث عما يمكن أن يبقى من التاريخ حين تتساقط عنه طبقات الذاكرة اللاحقة.
وتكمن قيمة الكتاب، كما يبرز تقديم رشيد بازي، في دفاعه عن التواضع المنهجي في البحث التاريخي. فالمعرفة لا تتقدم، في هذا المنظور، بالقفز فوق الفجوات أو بإنتاج سرديات كبرى تملأ الفراغات بضربة واحدة، وإنما بتجميع الجزئيات الصلبة، وفحصها، ومقارنتها، ثم تركها مفتوحة أمام السؤال والنقد. فالحقيقة التاريخية لا تولد مكتملة؛ إنها تتشكل ببطء، من شظايا صغيرة تتعلم كيف تتجاور دون أن تتحول إلى يقين مغلق.
وفي هذا السياق، يتعامل المؤلفان مع تيارات الاستشراق المختلفة بقدر من المسافة النقدية، رافضين النزعات التي ذهبت إلى أقصى درجات الشك، وصولا إلى التشكيك في وجود شخصية محمد التاريخية. كما يضعان تحت المجهر أطروحات جعلت من المصادر غير الإسلامية المبكرة بديلا أكثر موثوقية عن المصادر الإسلامية، مؤكدين أن هذه النصوص الستة التي تعود إلى الفترة الممتدة بين 634 و660 ميلادية ليست بمنأى عن الغموض والتأويل، وأن قراءتها لا يمكن أن تستقيم بمعزل عن المادة الإسلامية.
ومن هنا يستعيد الكتاب مرويات عروة بن الزبير، باعتبارها إحدى أقدم الطبقات التي يمكن الاقتراب من خلالها من النواة التاريخية لسيرة الرسول. ويخضع الباحثان مئات الأخبار المنسوبة إلى عروة للغربلة والمقارنة والتدقيق، مستندين أساسا إلى ما نقله عنه تلميذاه الرئيسيان: ابنه هشام بن عروة ومحمد بن شهاب الزهري.
وتدور الدراسة حول ثمانية مفاصل كبرى من السيرة: بداية نزول الوحي، والهجرة، وبدر، وأحد، وحادثة الإفك، والخندق وبنو قريظة، وصلح الحديبية، وفتح مكة. ومن خلال تفكيك الروايات المتعددة ومقابلة صيغها وأسانيدها، يسعى الباحثان إلى العثور على ما يمكن تسميته «النواة الصلبة» للتاريخ؛ أي تلك العناصر التي تسمح درجة تقاربها الزمني والإسنادي والمضموني بالاطمئنان النسبي إلى أصالتها.
وتكتسب مرويات عروة أهميتها من موقعه الزمني والمعرفي؛ فهو ينتمي إلى الثلث الأخير من القرن الأول للهجرة، أي إلى مسافة زمنية لا تبدو بعيدة جدا عن عصر الرسالة، فضلا عن صلاته المباشرة بأشخاص عاصروا الأحداث، وفي مقدمتهم خالته عائشة. وهنا تصبح الرواية التاريخية أكثر من مجرد نص منقول؛ إنها أثر لذاكرة ما تزال قريبة من زمن الحدث، وإن كانت هذه القربى نفسها لا تعفيها من النقد.
ويستعيد الكتاب، في هذا المنهج، رهانا معرفيا دافع عنه باحثون مثل يوسف فان إيس وهارالد موتسكي، ممن سعوا إلى إخضاع الأخبار العربية المبكرة لمناهج نقدية صارمة، انطلاقا من فرضية أن المادة التراثية لا ينبغي أن تُرمى كلها في سلة الأسطورة، كما لا يجوز أن تُرفع كلها إلى مرتبة الحقيقة غير القابلة للمساءلة.
ولعل أكثر ما يمنح العمل أهميته أن النقد هنا لا يتحول إلى خصومة مع التراث، ولا يتحول التراث إلى حصانة ضد النقد. إنها منطقة ثالثة أكثر صعوبة: أن نقرأ النص بوصفه أثرا تاريخيا قابلا للفحص، وأن نحترم التاريخ من دون أن نقدسه، ونحترم الرواية من دون أن نمنحها حصانة معرفية.
أما ترجمة رشيد بازي، فتبدو امتدادا لهذا الوعي المنهجي؛ إذ حرص على الاحتفاظ بروح النص الإنجليزي وبصرامته الفيلولوجية، حيث لا توجد كلمة زائدة، ولا رواية يمكن تجاوزها لمجرد أنها تتكرر، ولا صيغة لغوية صغيرة تخلو بالضرورة من دلالة. فالعودة إلى النصوص الأصلية، ومقارنة الروايات، وفحص الفروق الدقيقة بين الصيغ، ومقابلة المتون بالأسانيد، كلها تتحول إلى أدوات لاستعادة ما يمكن استعادته من التاريخ المختبئ بين طبقات النقل.
ولهذا اختار المترجم، في مواضع عدة، العودة إلى المعجم العربي القديم بدلا من الاستسلام للترجمة الاصطلاحية الحديثة، كما في اختياره «الإفك» بدل «القذف» أو «التشهير»، و«الهدي» بدل «القرابين الحيوانية»، محافظا بذلك على الصلة بين اللغة التي تروي الحدث والحدث الذي تحاول اللغة استعادته.
إن «الكتابات الأولى عن حياة محمد» لا يقترح على القارئ إجابة نهائية عن سؤال السيرة، بقدر ما يعيد إليه حق السؤال. وهذه ربما هي القيمة الأعمق للكتاب: أن التاريخ، حين يقترب من بدايات الإسلام، لا يحتاج إلى مزيد من اليقين بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الدقة؛ وأن الحقيقة لا تخاف من النقد، كما أن النقد الحقيقي لا يبدأ بالرغبة في الهدم، وإنما بالرغبة في معرفة ما حدث بالفعل.
في هذا المعنى، يبدو الكتاب رحلة في أركيولوجيا الذاكرة الإسلامية؛ بحثا عن الإنسان والتاريخ خلف النص، وعن النص خلف الرواية، وعن الرواية خلف الذاكرة، في محاولة لاستعادة الماضي من دون أن نُسقط عليه يقين الحاضر.



