كش بريس/ أحمد الشيخاوي
اشتهر الروائي الفرنسي أونوريه دو بلزاك “Honoré de Balzac“(1799م/ 1850)، بمشروع سردي سمّاه: “الكوميديا الإنسانية”، الذي عرف انتشارا كبيرا وإشادة كبيرة من طرف القراء والنقاد، على حدّ سواء.
تأتي رواية “الأب غوريو ” في طليعة هذا المشروع، نظرا لتغلغلها في شبكة العلاقات الاجتماعية الأكثر تعقيدا، وانجذابا إلى المحكيات الزمكانية الباريسية، سنة1835، وباعتبارها ــ أيضا ــ السردية الأكثر مصداقية والأجرأ على خلخلة تركيبة مجتمعية محافظة، على بعد طفرة، فقط، من تحول إنساني شامل، تمثل مقامرات الانفتاح، مركزيته، كما المفتاح الرئيسي لولوج كواليسه الملغومة.
لقد نجحت هذه الرواية العالمية، في التصوير العميق لأزمة المجتمع الباريسي في القرن الثامن عشر، بحيث عرّت جملة من العيوب، على الرغم من شكلها المأساوي، لعل أهمها ما عكسته في إطار الدفين من ميكانزمات للتحكّم والتنفذّ ومصادرة المصائر.
تتمحور أحداث الرواية، حول نزل بسيط في قلب العاصمة الفرنسية باريس(بيت فوكير)، الذي اعتادت ارتياده شخصيات مختلفة ومتنوعة ومتباينة طبقيا، يعتبر الأب غوريو أبرزهم.
تصور هذه السردية الأبوة الجريحة، بل المذبوحة، بما يدوّر تيمتها الأم، في سياق قصة درامية جدا، ويبديهامُلامِسة للهم الإنساني، في جوهره، فتخبرنا كيف أن صاحب الدور البطولي الأول، عبر شخصية غوريو، قد تحول من ثري إلى فقير، بعد أن بدد ثروته في الإغداق والإنفاق على ابنتيه: أناستازي ودلفين، بعدّهما نواة حياته، بيد أنه صدم بالجحود والعقوق والإهمال، مباشرة لحظة إفلاسه، وفي الوقت الذي كان يتوسم فيهما التعويض والعناية ورد الجميل والحب والاحتواء، لينتهي به الحال، وحيدا وضائعا ومنكسرا ومتصعلكا ومتوجّعا، يلعق جراحاته بعيدا عن الناس.
في نموذجبة موازية لغورديو، مثلما تقدّمها الرواية، تظهر شخصية “أوجين دو راستينياك” كصوت ريفي مهاجر وجديد، يخوّل، عبر هذه التجربة الفتية بالطبع، قراءة المجتمع الباريسي، من الداخل، وعلى أصوله، وبفكّ شفرات أسراره ورموز قواعده، في تلكم الحقبة الموغلة من التاريخ الفرنسي.
بذلك، تطالعنا التجربة، كيف أن النباهة والعمل الدؤوب المضني، ليسا كافيان لفرض الذات والوصول إلى المكانة الاجتماعية العليا المنشودة، بل ثمة ما هو أخفى، تنبض به روزمانة من التعاليم والوصايا التي تفتي بها ضرورة فهم الناس الفهم العميق والحقيقي، وفض ماهية وقواعد ما هو غير مرئي في المجتمع، أيضا، من أجل تحقيق النجاح المبهر.
تساوقا مع هتين الشخصيتين، تتبنى السردية شخصية ثالثة تنطلق من خلفية تمزج ما بين الغموض والتمرّد، دورها، أن تصل بنا الرواية في غرضها العام، إلى كون النجاح، أي نجاح، إنما يظل حاملا في ثناياه لصراع فكري حاد، ما بين شرعية الطموح والنزعة الانتهازية، فهو، أي هذا النجاح، إما أن يتقيد بالمبادئ، أو يكون على حسابها، إذ لا وجود لحل أو خيار وسط، هنا.
شخصية” فوتران” تقرّبنا كثيرا من حدود هذا المفهوم، وتترجم بالجملة والتفصيل، كيف أنه لا يوجد معنى أو غائية، للمنظومة الأخلاقية، في مجتمع قائم بالأساس، على القوة والمصلحة.
فنّيا، أدلت السردية بالكثير، فقد تخطت رسائل الطبقات والأسرار والطموحات، كي تجعل من البيت الباريسي صورة مصغّرة، تعكس خبايا منظومة مجتمعية كاملة، حسب ما فاضت به أنساقها، من توصيفات كريستالية للزمكانية والشخصيات والأصوات على اتسامها بالتعدد، وشبكة العلاقات العميقة الطافحة.
ختاما، نجزم بأن الرواية، لم تصل إلى أرقى مستويات الخطاب الواقعي، في الأدب الفرنسي، إلاّ لكونها استطاعت أن تتحرّر من دوائر شخصنة الوجع، لتحلّق أنأى ما يكون، في فضاءات تصوير المشترك المأساوي، على صعيد مجتمع معقّد وواسع جدا.
لقد راوغت بعوالم الحب والأبوة، في نطاق المحمول على دوال المال والطموح الطبقي وصناعة الكاريزما الاجتماعية، في وطن تحكمه القوة وتضارب المصالح.

هل بدأت نهاية الصحافي؟ تجربة أرجنتينية تفتح باب الإعلام المنتج بالكامل بالذكاء الاصطناعي
د إياد البرغوثي: الدولة “الوطنية” تواجه سؤال المصير
على خلفية حديثه عن خروقات انتخابية.. متابعة عبد الحق عندليب قضائيا
غونكور تستبعد رواية «إما هذا أو الموت» ل”تيليسون أوريليان” من سباق جائزة 2026