هل بدأت نهاية الصحافي؟ تجربة أرجنتينية تفتح باب الإعلام المنتج بالكامل بالذكاء الاصطناعي

كش بريس/خاص ـ

تبدو الصحافة أمام واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ انتقالها إلى العصر الرقمي. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط باستخدام الذكاء الاصطناعي في تفريغ المقابلات أو اقتراح العناوين أو تلخيص الوثائق، وإنما بدأت تلامس قلب العملية الصحافية نفسها: جمع الأخبار، وفرزها، وكتابة النصوص، وصناعة الصور، وتوليد المقدمين، ثم نشر المحتوى دون وجود غرفة أخبار بشرية بالمعنى التقليدي.

وتقدم تجربة أرجنتينية حديثة نموذجاً لافتاً لهذا التحول، بعدما أطلق المبرمج والمروّج للتكنولوجيا سانتياغو سيري برنامج «El Primer Feca»، وهو مشروع إخباري يعتمد على الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل إنتاجه تقريباً. وقد أُطلق البرنامج في السادس من سبتمبر 2026 عبر منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن يتحول سريعاً إلى موضوع نقاش داخل الأوساط الصحافية الأرجنتينية.

من الصحافي إلى «الصحافي الاصطناعي»

يبدأ البرنامج صباحاً بسلسلة من المقاطع الإخبارية القصيرة، تصل مدة الواحد منها إلى نحو ثلاثين ثانية، تقدمها شخصيات افتراضية مولدة بالذكاء الاصطناعي. وتعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي على تتبع مصادر إخبارية مختلفة، واختيار الموضوعات، وصياغة النصوص، ثم إنتاج مقاطع الفيديو التي يظهر فيها مقدمو أخبار افتراضيون.

ولا يقتصر الأمر على إنشاء وجه اصطناعي يتحدث أمام الكاميرا، إذ جرى بناء ما يشبه هيئة تحرير افتراضية تضم مقدمة باسم «كلارا فيرير»، إلى جانب شخصيات متخصصة في الاقتصاد والرياضة والتكنولوجيا والجيوسياسة والترفيه والطقس، لكل منها اسم ومظهر وشخصية محددة.

وهنا تكمن أهمية التجربة: الذكاء الاصطناعي لا يؤدي وظيفة واحدة داخل غرفة الأخبار، وإنما يحاول محاكاة السلسلة المهنية كاملة، من الوصول إلى المعلومة إلى تقديمها للجمهور.

حين تصبح غرفة الأخبار خوارزمية

المثير في التجربة الأرجنتينية أن الأخبار التي يقدمها البرنامج ليست موضوعات وهمية من صنع الآلة، وإنما معلومات مأخوذة من مصادر إخبارية أولية ومن وسائل إعلام محلية ودولية. وتشير التقارير إلى أن النظام يتتبع مصادر متعددة، من بينها وكالات دولية مثل فرانس برس ورويترز وأسوشيتد برس، قبل إعادة إنتاج المعلومات في صيغة جديدة.

وهنا ينتقل النقاش من سؤال: «هل تستطيع الآلة كتابة خبر؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: من يملك القيمة التي تنتجها الصحافة عندما تصبح الآلة قادرة على إعادة تدوير العمل الصحافي البشري وإعادة توزيعه في شكل جديد؟

فإذا كان الصحافي يذهب إلى الميدان، ويتحقق من الوقائع، ويجري المقابلات، ويجمع الوثائق، ثم تأتي منظومة اصطناعية لتلتقط هذه المادة من مصادر مختلفة وتعيد تركيبها في ثوانٍ، فإن المشكلة لا تصبح تقنية فقط، وإنما تتصل أيضاً باقتصاد المعرفة وحقوق الملكية الفكرية ومصدر القيمة الصحافية.

الوظائف في مواجهة الأتمتة

هذا الجانب هو الذي أثار أكبر قدر من القلق في الأوساط المهنية الأرجنتينية. فقد حذر أغوستين ليتشي، الأمين العام لنقابة صحافة بوينس آيرس، من احتمال فقدان أعداد كبيرة من الوظائف نتيجة إدخال الذكاء الاصطناعي إلى قطاع الإعلام، معتبراً أن السؤال لا يتعلق فقط بإحلال الآلة محل العاملين، وإنما أيضاً بمن يستحوذ على القيمة التي ينتجها العمل الصحافي البشري.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية في قطاع يعاني أصلاً من أشكال مختلفة من الهشاشة المهنية. ولذلك فإن الذكاء الاصطناعي قد لا يظهر هنا بوصفه تقنية جديدة فحسب، وإنما باعتباره عاملاً يعيد توزيع القوة داخل المؤسسة الإعلامية: من يملك الخوارزمية؟ من يملك البيانات؟ من يتحكم في التوزيع؟ ومن يحدد المعايير التي تجعل خبراً ما قابلاً للنشر وآخر غير جدير بالظهور؟

المشكلة ليست في «السرعة» وحدها

قد تبدو الآلة أكثر سرعة من الصحافي في جمع آلاف المعطيات ومعالجتها وإنتاج عشرات المواد خلال وقت قصير. لكنها لا تلغي بذلك الأسئلة التي شكلت جوهر المهنة تاريخياً: من أين جاءت المعلومة؟ هل المصدر موثوق؟ هل الرواية كاملة؟ ما الذي غاب عنها؟ هل هناك تضارب في المصالح؟ وهل جرى التحقق من الادعاء قبل نشره؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما تكون المنظومة قادرة على إنتاج فيديو مقنع بصرياً، لأن الصورة والصوت والوجه الافتراضي قد يمنحون المعلومة مظهراً من مظاهر الموثوقية لا تضمنه المعلومة نفسها.

وتكشف التجربة الأرجنتينية بالفعل عن بعض الأخطاء في النطق والتقديم، وهو ما يعكس أن التكنولوجيا لا تزال بعيدة عن محاكاة الأداء الصحافي البشري في كل مستوياته. لكن المفارقة أن هذه الأخطاء قد تكون أقل أهمية من التحول البنيوي الذي تكشفه التجربة: إمكانية بناء منتج إخباري قادر على العمل بصورة شبه آلية وبكلفة بشرية محدودة.

من «المساعدة» إلى «الاستبدال»

لسنوات، كان الخطاب السائد حول الذكاء الاصطناعي في الصحافة يركز على فكرة المساعدة: الصحافي يستخدم الخوارزمية لتسريع البحث، وتحليل البيانات، وتلخيص الوثائق، وإنتاج بعض الصيغ الأولية للمحتوى.

أما تجربة «El Primer Feca» فتضع تصوراً مختلفاً: ماذا يحدث عندما تحاول المنظومة الاصطناعية أن تتولى معظم حلقات الإنتاج الصحافي نفسها؟

هنا تظهر الحدود الفاصلة بين مرحلتين: ذكاء اصطناعي يساعد الصحافي، وذكاء اصطناعي يحاول محاكاة غرفة الأخبار.

وهذا التحول لا يعني، بالضرورة، أن الصحافي سيختفي من المؤسسات الإعلامية، لكنه يعني أن بعض الوظائف الصحافية الروتينية والقابلة للتكرار أصبحت أكثر تعرضاً للأتمتة. وقد تنتقل قيمة العمل الصحافي تدريجياً نحو وظائف يصعب اختزالها في معالجة المعلومات: التحقيق الميداني، بناء المصادر، التحقق المستقل، المقابلة، التحليل، فهم السياقات الاجتماعية والسياسية، والمسؤولية الأخلاقية والقانونية عن المادة المنشورة.

«سرقة المحتوى».. الوجه الآخر للأزمة

إلى جانب الوظائف، يبرز نزاع آخر أكثر تعقيداً يتعلق بالمحتوى الذي تعتمد عليه الأنظمة الاصطناعية.

فالنظام الذي ينتج خبراً جديداً لا يبدأ بالضرورة من فراغ؛ إنه يحتاج إلى شبكة هائلة من الأخبار والتقارير والبيانات التي أنتجها صحافيون ومؤسسات إعلامية تقليدية. وهذا ما دفع نقابة صحافة بوينس آيرس إلى طرح سؤال الملكية والقيمة: إذا كانت الآلة تعتمد على العمل الذي أنجزه صحافيون من لحم ودم، فمن يحصل في النهاية على القيمة الاقتصادية الناتجة عن إعادة استخدام هذا العمل؟

وهذه المسألة تتجاوز الأرجنتين بكثير. إنها تفتح واحدة من أكثر جبهات الصراع حساسية في اقتصاد الإعلام الجديد: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينتج إعلاماً منخفض الكلفة اعتماداً على بيئة صحافية تتحمل هي تكلفة جمع الأخبار والتحقق منها وإنتاجها؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن الأزمة لا تكون أزمة وظائف فقط، وإنما أزمة في النموذج الاقتصادي الذي يمول إنتاج الأخبار من أساسه.

الصحافة أمام «أزمة القيمة»

وصفت رابطة المؤسسات الصحافية الأرجنتينية (ADEPA) تأثير الذكاء الاصطناعي والتحول التكنولوجي بأنه يمثل تحديات هيكلية لمستقبل الصحافة، ودعت إلى قواعد جديدة للاعتراف بمن ينتج المعلومات.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الذكاء الاصطناعي قادر على خفض تكلفة إنتاج الخبر، لكنه قد يساهم، في الوقت نفسه، في إضعاف المؤسسات التي تنتج الخبر الأصلي.

فإذا تراجعت موارد الصحافة المهنية بسبب انخفاض عائداتها، فمن سيذهب إلى مناطق النزاع؟ من سيحقق في الفساد؟ من سيبني المصادر؟ من سيتابع المحاكمات والبرلمانات والمؤسسات المحلية؟ ومن سيتحمل كلفة الوصول إلى الحقيقة عندما لا تكون الحقيقة قابلة للاستخراج بضغطة زر؟

هذه الأسئلة تكشف أن قيمة الصحافة لا تكمن فقط في صياغة الجملة الخبرية، وهي المهمة التي تستطيع الآلة إنجازها بسرعة متزايدة، وإنما في البنية المهنية التي تقف خلف تلك الجملة.

هل نحن أمام نهاية الصحافة أم نهاية نموذجها التقليدي؟

من المبكر تحويل التجربة الأرجنتينية إلى إعلان عن «موت الصحافة». فالوكالة الفرنسية نفسها أشارت إلى أن «El Primer Feca» ليس أول تجربة من هذا النوع في العالم.

لكن أهميتها تكمن في أنها تجعل المستقبل مرئياً في صورة عملية: مؤسسة إعلامية يمكن أن تبدأ من الخوارزمية وتنتهي عند الجمهور، مع تقليص حضور الإنسان في عدد كبير من حلقات الإنتاج.

ولذلك قد لا يكون السؤال الأكثر دقة هو: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الصحافي؟

السؤال الأكثر عمقاً هو: أي نوع من الصحافة سيبقى عندما تصبح صناعة المحتوى الإخباري شبه مجانية، وسريعة، ومتاحة على مدار الساعة؟

فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة بصورة مباشرة، وإنما بين نمطين من الإعلام: إعلام يراكم السرعة والحجم والأتمتة، وإعلام يستثمر في التحقق والاستقصاء والسياق والمسؤولية. وفي قلب هذه المواجهة ستظهر قضية أوسع من التكنولوجيا نفسها: قيمة الحقيقة عندما تصبح صناعة المعلومة قابلة للأتمتة.

من يملك الآلة يملك جزءاً من مستقبل الإعلام

تكشف التجربة الأرجنتينية أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يقف عند عتبة غرفة الأخبار. لقد بدأ يدخل إلى بنيتها الداخلية، ويختبر إمكان تحويلها إلى منظومة مؤتمتة قادرة على البحث والكتابة والتقديم والنشر.

وهذا لا يجعل اندثار الصحافة نتيجة محسومة، لكنه يجعل إعادة تعريف الصحافة أمراً متزايد الإلحاح.

فالآلة تستطيع إنتاج خبر، وربما إنتاج آلاف الأخبار. لكنها لا تحسم وحدها السؤال الذي يسبق الخبر: لماذا يستحق هذا الحدث أن يكون خبراً؟ ومن يقرر زاوية النظر إليه؟ وما الذي ينبغي أن يعرفه الجمهور وما الذي قد يُحجب عنه؟

هناك، تحديداً، تبدأ السياسة التحريرية، وتظهر المسؤولية المهنية، ويستعيد الصحافي وظيفته الأكثر حساسية: أن يكون وسيطاً نقدياً بين الوقائع والجمهور، لا مجرد منتج للنصوص.

ولهذا فإن تجربة «El Primer Feca» قد تكون أقل أهمية بوصفها تجربة تقنية، وأكثر أهمية بوصفها إنذاراً مبكراً بشأن اقتصاد الصحافة، وملكية المعرفة، ومستقبل الوظائف الإعلامية، وحدود الأتمتة، ومن يمتلك حق إنتاج الحقيقة وتوزيعها في العصر الخوارزمي.

↑
Exit mobile version