زلزال داخل «فيفا».. ثلاث كونفدراليات كبرى تفتح معركة الحكامة وتضع إنفانتينو أمام أزمة ثقة غير مسبوقة

كش بريس/التحرير ـ

لم يعد الخلاف داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» حول مشروع إعادة هيكلة جزء من الحقوق التجارية لكأس العالم مجرد نزاع حول صفقة أو اختلاف في تقدير اقتصادي. الرسالة المشتركة التي وجهتها ثلاث من أكبر الكونفدراليات القارية في العالم، وهي الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا»، والاتحاد الآسيوي لكرة القدم و«كونكاكاف»، نقلت الأزمة إلى مستوى أكثر حساسية: من يحكم كرة القدم العالمية؟ وبأي قواعد؟ ولمن تعود السلطة التي تمنحها الاتحادات الوطنية لقيادة فيفا؟

الرسالة المفتوحة، الصادرة الاثنين 10 غشت 2026 والموقعة من رؤساء وأمناء عامين للكونفدراليات الثلاث، تمثل في دلالتها السياسية والمؤسساتية واحدة من أقوى المواجهات العلنية التي تعرضت لها قيادة جياني إنفانتينو منذ وصوله إلى رئاسة فيفا. فالموقعون لم يكتفوا بالاعتراض على تفاصيل مشروع تجاري، ولم يقبلوا رواية «سوء التواصل» التي قدمت بها إدارة الاتحاد الدولي جزءاً من تفسيرها للأزمة، وإنما وضعوا الثقة والنزاهة والحكامة في قلب المواجهة.

من صفقة تجارية إلى سؤال السلطة

كان المشروع، في ظاهره، ذا طبيعة مالية: فصل جزء من الحقوق التجارية المرتبطة بكأس العالم وإقامة هيكل تجاري جديد يسمح بدخول مستثمرين خواص مقابل حصة قد تصل إلى 20 في المائة، بهدف تعبئة نحو 4.2 مليارات دولار.

لكن أهمية الرسالة المشتركة تكمن في أنها أعادت تعريف المشكلة. فالاعتراض، وفق الكونفدراليات الثلاث، لا يتعلق فقط بقيمة الصفقة أو بالجهة التي يمكن أن تستثمر فيها، وإنما بالطريقة التي جرى بها طرح المشروع، والسرعة التي فرضت على الاتحادات لدراسته، وضيق هامش المشاورات، ومحاولة الوصول إلى مواقف قبل أن تتاح للجهات المعنية فرصة كافية لفحص التفاصيل.

وهنا تنتقل القضية من اقتصاديات كرة القدم إلى اقتصاد السلطة داخلها.

فالحقوق التجارية لكأس العالم ليست أصلاً تجارياً عادياً يمكن التعامل معه بمنطق الشركات الخاصة، وإنما واحدة من أهم الموارد التي تستند إليها المنظومة الكروية العالمية في تمويل الاتحادات الوطنية والمسابقات وبرامج التطوير. ولذلك فإن تغيير طريقة ملكية هذه الحقوق أو استثمارها يمس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، توازنات مالية ومؤسساتية تمتد إلى القارات والاتحادات الوطنية.

ولهذا تبدو عبارة «خرق الثقة» التي استخدمتها الكونفدراليات الثلاث أكثر أهمية من الخلاف حول نسبة الـ20 في المائة أو مبلغ الـ4.2 مليارات دولار. فالمسألة، في تصور الموقعين، تتعلق بمن يملك حق اتخاذ قرار بهذا الحجم، وكيف ينبغي أن تتم المشاورات بشأنه، وما حدود السلطة التي تتمتع بها قيادة فيفا.

إنفانتينو أمام اتهام مختلف

الأكثر إحراجاً لجياني إنفانتينو أن الرسالة لا تهاجم قراراً منفرداً فحسب، وإنما تنتقد تصوراً للقيادة نفسها.

فالكونفدراليات الثلاث حرصت على التذكير بأن كرة القدم العالمية ليست ملكاً لشخص أو مؤسسة بعينها، وأن التطور الذي شهدته اللعبة خلال السنوات الأخيرة نتاج عمل جماعي شاركت فيه الاتحادات والأندية واللاعبون والجماهير والمؤسسات القارية والوطنية.

وتحمل هذه الرسالة السياسية معنى واضحاً: الرئاسة تفويض وليست ملكية.

فمن وجهة نظر الموقعين، السلطة التي تمنحها الأسرة الكروية لرئيس فيفا ليست تفويضاً مفتوحاً لاتخاذ القرارات الكبرى بمعزل عن المؤسسات التي تشكل المنظومة. وعندما يشعر جزء أساسي من هذه المنظومة بأن القرار اتخذ خارج قنوات التشاور المعتادة، فإن الأزمة تصبح أزمة شرعية مؤسساتية، لا مجرد سوء تفاهم إداري.

ولهذا جاء رفض وصف ما حدث بأنه «خلل في التواصل» بالغ الدلالة. فالخلل في التواصل يمكن تصحيحه باعتذار أو توضيح أو تعديل في آليات الاتصال، بينما أزمة الثقة تحتاج إلى مساءلة مستقلة وإعادة بناء قواعد اتخاذ القرار.

لماذا تخشى الكونفدراليات الثلاث التحقيق الداخلي؟

من أكثر النقاط حساسية في الرسالة مطالبة «يويفا» والاتحاد الآسيوي و«كونكاكاف» بإجراء مراجعة مستقلة بالكامل لمسار المشروع.

المعنى هنا يتجاوز المطالبة بالتحقيق في تفاصيل الصفقة. فالكونفدراليات الثلاث ترفض عملياً أن تكون المؤسسة التي توجد في قلب الأزمة هي نفسها التي تحقق في ملابساتها. ولذلك تطالب بإسناد المراجعة إلى طرف ثالث مستقل، بعيداً عن إدارة فيفا وموظفيها وأي جهة داخل منظومة كرة القدم يمكن أن تكون لها مصلحة في نتائج التحقيق.

وهو مطلب يحمل في طياته سؤالاً جوهرياً حول من يراقب السلطة عندما تكون السلطة نفسها موضوعاً للمساءلة؟

كما أن المطالبة بالحفاظ على جميع الوثائق والسجلات والمراسلات المرتبطة بالمشروع تكشف أن المسألة بدأت تتحول إلى ملف حكامة مؤسسية قد تكون تفاصيله الإجرائية ذات أهمية كبيرة في تحديد المسؤوليات.

اجتماع المغرب يتحول إلى جزء من الأزمة

اللافت أن المغرب دخل إلى صلب هذا السجال، ليس باعتباره طرفاً في الخلاف، وإنما بسبب الاجتماع القيادي الذي احتضنته المملكة الأسبوع الماضي لمحاولة تطويق الأزمة.

فالكونفدراليات الثلاث انتقدت طريقة تنظيم الاجتماع، معتبرة أن مشاركة مسؤول منتخب واحد فقط، وعدم دعوة أعضاء مجلس فيفا أو ممثلي الاتحادات الوطنية، مع اقتصار الحضور، بحسب روايتها، على مسؤولين كبار من داخل إدارة الاتحاد الدولي، لا ينسجم مع حجم الأزمة المطروحة.

كما أثارت الرسالة مسألة عقد الاجتماع خارج مقر فيفا في زيورخ، وفي غياب تمثيلية أوسع للمؤسسات المعنية، معتبرة أن ذلك لم يبدد المخاوف بشأن طريقة صناعة القرار، وإنما ساهم في تعميقها.

وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين المغرب كمضيف للاجتماع وبين قيادة فيفا التي قررت تنظيمه. فوجود الاجتماع على الأراضي المغربية لا يجعل المملكة طرفاً في الخلاف المؤسساتي، وإنما يجعل المكان جزءاً من النقاش حول الطريقة التي أديرت بها محاولة احتواء الأزمة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن المغرب، الذي يحتل موقعاً متقدماً داخل كرة القدم الإفريقية والدولية، يجد نفسه حاضراً في واحدة من أكثر الأزمات حساسية داخل المؤسسة الكروية العالمية، دون أن يكون طرفاً مباشراً فيها.

انقسام الدعم يكشف حدود الأزمة

في الجهة المقابلة، لم تكن قيادة إنفانتينو معزولة بالكامل. فقد أعلن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم دعمه لرئيس فيفا باسم أعضائه الـ54، كما صدرت مواقف مساندة من اتحادات في أمريكا الجنوبية ومن المكسيك.

لكن هذا الدعم لا يلغي أن الرسالة المشتركة للكونفدراليات الثلاث تعني انتقال المعارضة من مواقف متفرقة إلى تنسيق مؤسساتي عابر للقارات.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فالمشكلة بالنسبة لإنفانتينو لم تعد في وجود اتحادات غير راضية عن طريقة تدبير ملف معين، وإنما في أن ثلاث كونفدراليات كبرى اختارت أن تتحدث بصوت واحد، وأن تجعل من الحكامة والثقة والمساءلة عناوين مركزية لموقفها.

وتزداد حساسية المشهد مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة لفيفا سنة 2027، إذ يصبح كل خلاف مؤسساتي قابلاً للتحول إلى عنصر في معركة إعادة انتخاب الرئيس.

وحتى إذا كانت الأغلبية اللازمة لإعادة انتخاب إنفانتينو تبدو، وفق مواقف الدعم المعلنة حتى الآن، بعيدة عن التهديد المباشر، فإن المعركة الحقيقية قد لا تكون فقط حول عدد الأصوات، وإنما حول صورة القيادة وشروط استمرارها.

ما الذي تقوله الرسالة فعلياً؟

رغم أن الرسالة لم تطالب صراحة باستقالة إنفانتينو، فإن مضمونها يذهب إلى أبعد من مجرد الاعتراض على مشروع تم سحبه.

فحين تتحدث ثلاث كونفدراليات كبرى عن «خرق للثقة»، وتطالب بتحقيق مستقل، وتنتقد طريقة اتخاذ القرار، وترفض أن تتولى إدارة فيفا نفسها التحقيق في الملف، فإنها تضع شرعية القيادة أمام اختبار مؤسساتي.

وهنا تكمن قوة الرسالة: إنها لم تفتح معركة على مشروع تجاري، وإنما على قواعد ممارسة السلطة داخل فيفا.

فالمشكلة التي تطرحها الكونفدراليات الثلاث ليست: هل كان بيع جزء من الحقوق التجارية قراراً صائباً أم خاطئاً؟ وإنما: هل يمكن اتخاذ قرار بهذه الأهمية من دون تشاور مؤسسي كامل؟ وهل يمكن لرئيس فيفا أن يتصرف باعتباره صاحب القرار النهائي، أم أن سلطته مقيدة بشبكة المؤسسات والاتحادات التي تشكل أساس شرعيته؟

كرة القدم العالمية أمام لحظة مفصلية

تبدو الأزمة، في ضوء ذلك، اختباراً لنموذج الحكامة الذي تطور داخل فيفا خلال السنوات الأخيرة. فالاتحاد الدولي تحول إلى مؤسسة مالية ورياضية هائلة، وأصبحت حقوق كأس العالم ومداخيله وعلاقاته التجارية عناصر تتجاوز الرياضة إلى الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية.

كلما تضخمت الموارد، تضخمت معها الحاجة إلى قواعد أكثر صرامة للشفافية والمساءلة.

ومن هنا يمكن فهم لهجة الرسالة المشتركة: إنها محاولة لإعادة ترسيم الحدود بين القيادة والمؤسسة، وبين السلطة والتفويض، وبين القرار الفردي والقرار الجماعي.

أما اجتماع المغرب، فقد أصبح، بحكم الطريقة التي تصفه بها الأطراف المنتقدة، واحداً من فصول هذه المعركة، لا بسبب المكان في حد ذاته، وإنما لأنه قدم نموذجاً لما تعتبره الكونفدراليات الثلاث مشكلة الأزمة: اتخاذ قرارات واحتواء أزمات كبرى داخل دوائر ضيقة، في الوقت الذي تطالب فيه المنظومة الكروية بمزيد من الانفتاح والتشاور.

وبذلك تدخل «فيفا» مرحلة جديدة من المواجهة. فالمشروع التجاري قد يكون انتهى عملياً، لكن السؤال الذي فتحه لم ينته: هل تستطيع قيادة إنفانتينو إعادة بناء الثقة مع المؤسسات القارية والوطنية، أم أن أزمة الحقوق التجارية ستتحول إلى نقطة فاصلة في النقاش حول مستقبل قيادة كرة القدم العالمية؟

في نهاية المطاف، لا تكمن خطورة الرسالة في أنها انتقدت إنفانتينو، وإنما في أنها أعادت تعريف الخلاف: من خلاف حول ما الذي ينبغي أن تفعله فيفا إلى خلاف حول كيف ينبغي أن تحكم فيفا. والفارق بين السؤالين هو، في جوهره، الفارق بين نزاع عابر وأزمة مؤسساتية.

Exit mobile version