سبتة… جغرافيةَ السكان والسكن:
لا تُقاس أهمية المدن بمساحتها، بل بقدرتها على تنظيم المجال واستيعاب التحولات الديموغرافية التي تعرفها. وتمثل سبتة نموذجًا حضريًا فريدًا في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط، حيث فرضت محدودية المجال، الذي لا تتجاوز مساحته 19.87 كيلومترًا مربعًا، أنماطًا خاصة للسكان والسكن. فخلال العقود الأربعة الأخيرة ارتفع عدد السكان من 65264 نسمة سنة 1981 إلى ما بين 83 و84 ألف نسمة سنة 2025، لترتفع الكثافة السكانية إلى أكثر من 4200 نسمة في الكيلومتر المربع، وهو ما جعل المدينة تعيش حالة دائمة من الضغط المجالي.²
لقد ازدهرت ظاهرة التمدن بسبتة منذ العصرين الموحدي والمريني بفضل موقعها الاستراتيجي على مضيق جبل طارق. فقد كان السكن جزءًا من المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، حيث انتظمت الأحياء داخل الأسوار وفق وظائفها التجارية والحرفية، وارتبطت المساكن بالأسواق والميناء وشبكات التجارة، بما جعل النسيج العمراني يعكس المكانة الاجتماعية والقدرة الاقتصادية للسكان، وليس مجرد توزيع للمباني.¹ غير أن الاحتلال البرتغالي سنة 1415م أحدث تحولًا عميقًا في البنية السكانية والعمرانية، لتدخل المدينة لاحقًا مرحلة نمو ديموغرافي متسارع لم يواكبه توسع مجالي مماثل، وهو ما عمّق أزمة السكن ورفع الكثافة السكانية إلى مستويات مرتفعة.²

وتتميز البنية الديموغرافية الراهنة بتركيبة يغلب عليها الفتوة؛ إذ تمثل الفئة العمرية 15-64 سنة نحو 68% من مجموع السكان، حوالي 19% للأطفال والشباب و13% لكبار السن. كما تكشف مؤشرات الجندرة عن توازن نسبي مع ميل طفيف لصالح الذكور، إذ يقدر عدد الرجال بحوالي 42,141% مقابل %41,420 للنساء، وهو توزيع يعكس دينامية سوق العمل والهجرة أكثر مما يعكس اختلالًا ديموغرافيًا.³ وإلى جانب ذلك، تتميز سبتة بتعددها الثقافي، حيث يتجاور سكان من أصول أوروبية مع آخرين من أصول مغربية، وهو تنوع ترك أثرًا واضحًا في البنية الاجتماعية والمجالية للمدينة.²
فنسب الساكنة حسب مكان الولادة هو 86% باسبانيا و0.6% بدول الاتحاد الأوربي ، 0.1% من باقي دول أوربا ، 11.8% مزدادون بافريقيا ( لا ندري هل السكان الأصليون محسوبون ضمن نسبة الإسبانيين السالفة الذكر)، 0.7% بأمريكا 0.2% آسياوأستراليا.

ويعكس التنظيم المجالي هذا التنوع بوضوح؛ فمركز المدينة يتميز بعمارات حديثة وتجهيزات إدارية وتجارية وخدمات حضرية متقدمة، بينما تضم الأحياء الهامشية مثل حدو (Hadú) وريكينتو سور (Recinto Sur) نسيجًا عمرانيًا مختلطًا يجمع بين العمارات والمساكن الفردية. وفي المقابل، يمثل حي البرينسيبي (El Príncipe) أبرز مظاهر الهشاشة الحضرية، حيث ترتفع الكثافة السكانية، وتنتشر المساكن غير المهيكلة، وتضعف البنيات الأساسية، مع غياب شهادات الملكية لعدد من المساكن، الأمر الذي جعل الحي يجسد التفاوتات الاجتماعية والمجالية داخل المدينة. كما تضم سبتة أحياء أخرى مثل بنزو (Benzú) وخوان الثالث والعشرين (Juan XXIII) وأوتيرو (Otero)، التي تختلف في مستوى التجهيز وأنماط السكن بين مساكن اجتماعية، وعمارات جماعية، ومنازل فردية، بما يعكس تدرجًا واضحًا في البنية العمرانية.
وهكذا، لا يمكن اختزال قضية السكن بسبتة في محدودية العرض العقاري فقط، بل هي نتاج تفاعل معقد بين التاريخ والجغرافية، والنمو الديموغرافي، والتفاوت الاجتماعي. فالسكن هنا ليس مجرد مأوى، بل تعبير عن المكانة الاجتماعية، وانعكاس لإكراهات المجال، ومؤشر على التحولات التي عرفتها المدينة من الثغر الإسلامي المزدهر إلى المدينة الحدودية المعاصرة، التي ما تزال تبحث عن توازن دقيق بين ضغط السكان وضيق المجال.


دراسة تعيد رسم خريطة عمل الميتفورمين: دواء السكري الشائع يؤثر في الدماغ أيضاً
حقوقيون مغاربة وأوروبيون يطالبون بتحقيق مستقل في أحداث سبتة ومليلية ويحملون الرباط ومدريد مسؤوليات مشتركة
“سبتيات” يكتبها ل(كش بريس) د المصطفى عيشان ( 6 / 7 )