‏آخر المستجداتفنون وثقافة

“سبتيات” يكتبها ل(كش بريس) د المصطفى عيشان ( 8 و 9)

8 ـ التهريب المعيشي بسبتة:

تُعد مدينة سبتة، بحكم موقعها الاستراتيجي عند ملتقى المتوسط والمغرب، فضاءً تجارياً مهماً منذ العصر الإسلامي، إذ ارتبط اقتصادها تاريخياً بالمبادلات بين المغرب والأندلس وحوض البحر المتوسط. وفي العصر الحديث، أخذت التجارة الحدودية شكلاً غير رسمي عُرف بـ«التهريب المعيشي»، وأصبح مصدراً للدخل لآلاف الأسر في المناطق المغربية المجاورة.

برزت بشكل خاص ظاهرة الحمالات المغربيات اللواتي كن ينقلن السلع من سبتة إلى الجانب المغربي في ظروف عمل شاقة. وتؤكد دراسة أكاديمية منشورة سنة 2017 بجامعة ألميريا أن الحمالات كن يشكلن فئة اجتماعية تعاني أوضاعاً أكثر صعوبة مقارنة بفئات النساء العابرات للحدود الأخرى. كما أظهر تقرير برلماني مغربي، استناداً إلى زيارات ميدانية بين يوليوز ونونبر 2018، أن عدد النساء المشاركات في حمل السلع كان يبلغ حوالي 3500 امرأة يومياً، إضافة إلى نحو 200 قاصر.

ولم تكن الظاهرة هامشية اقتصادياً؛ فقد قدرت الوثائق المعتمدة في هذا البحث قيمة التجارة غير الرسمية بين سبتة والفنيدق بنحو 6 إلى 8 مليارات درهم سنوياً. كما استفادت منها قطاعات مرتبطة بالنقل والتخزين والتجارة داخل سبتة والمناطق المغربية المجاورة، مما جعلها جزءاً من شبكة اقتصادية واسعة.

لكن هذا النموذج ارتبط أيضاً بتكاليف اجتماعية وإنسانية كبيرة. ففي 2017 سجلت المصادر وفاة حمالات بسبب الازدحام والتدافع عند المعبر، والتحرش والاعتداء الجنسي ، وهو ما أبرز خطورة ظروف العمل التي كانت تتم فيها هذه التجارة.

ومنذ 2018 بدأ المغرب تشديد القيود على التجارة غير الرسمية، ثم اتجه إلى إنهائها في إطار إعادة تنظيم المبادلات التجارية ومحاربة الاقتصاد غير المهيكل. اذ توقف التهريب المعيشي سنة 2019 . وفي 2020 أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي أن إغلاق المعابر قد يكون فعالاً على المدى القصير، لكنه لا يعالج الأسباب العميقة للظاهرة، وفي مقدمتها ضعف التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق المحيطة بسبتة ومليلية.

وقد أدى توقف النشاط إلى أزمة اقتصادية واجتماعية على جانبي الحدود، ودفع سبتة إلى البحث عن نموذج اقتصادي بديل يقوم بدرجة أكبر على الخدمات والسياحة والاقتصاد الأزرق والأنشطة الرقمية.

وعليه، فإن التهريب المعيشي بسبتة جزء من تاريخها الاقتصادي والاجتماعي ، و لا يمكن فهمه باعتباره مجرد نشاط غير قانوني، بل باعتباره ظاهرة اقتصادية واجتماعية نتجت عن تداخل الحدود والفوارق التنموية والحاجة إلى فرص الدخل. ولذلك فإن القضاء عليه بصورة مستدامة يرتبط بقدرة المنطقة على توفير بدائل اقتصادية وفرص عمل نظامية للسكان المتضررين. للإشارة لم يتم منذ 2019 عملية تقييم المنطقة الاقتصادية التي تم خلقها بالفنيدق على مقربة من تارخال.

9 ـ السياحة: القطب الاقتصادي الواعد بسبتة

تحتل سبتة موقعًا استثنائيًا عند مضيق جبل طارق. وتستثمر المدينة هذا الموقع، إلى جانب تاريخها المنوع، في بناء هوية سياحية تقوم على التراث والذاكرة والتعدد الثقافي. فالمؤسسة الإسبانية الرسمية للسياحة تقدم سبتة باعتبارها فضاءً تلتقي فيه أربع ثقافات: المسيحية والإسلامية واليهودية والهندوسية.

ولا تقتصر استراتيجية حفظ الذاكرة على حماية المباني التاريخية، بل تشمل ترميمها وإدماجها في المسارات السياحية والثقافية مع الميل أكثر لربط سبتة بالحضارة اليونانية والرومانية. دون نسيان ما مر من دول إسلامية ويقدم السور المريني مثالًا بارزًا على ذلك، والحمامات العربية. كما تضم قائمة المعالم الرسمية كاتدرائية سبتة، وقلعة جبل هاتشو، والمتاحف المتعددة:

متحف تاردورومانا

المتحف الكاتدرائي

متحف ميناء سبتة

المتحف العسكري للخيالة

المتحف العسكري لكتيبة المشاة

المتحف العسكري دي لا ليخيون

المتحف العسكري كاستيو ديل ديسناريغادو

متحف ريفين سان إغناسيو

لقد أحصى تقرير رسمي 94 موقعًا سياحيا، تحاول سبتة من خلالها توسيع عرضها السياحي خارج التراث التاريخي، عبر الحديقة البحرية المتوسطية، والشواطئ، والرياضات البحرية والغوص. وهكذا يجتمع في منتج واحد التاريخ والطبيعة والترفيه والثقافة.

أما المؤشرات السياحية، فتشير إلى نمو تدريجي. فقد استقبلت فنادق سبتة سنة 2025 نحو 74026 مسافرًا، مقابل نحو 67 ألفًا في 2024، فيما ارتفعت المبيتات إلى 141019 ليلة، مقارنة بـ134586 ليلة في السنة السابقة. لكن متوسط الإقامة لا يزال ضعيف، وهو ما يكشف عن أحد أبرز تحديات السياحة في المدينة: تحويل الزيارة العابرة إلى إقامة أطول وإنفاق أكبر.

اقتصاديًا، يصعب تحديد إجمالي مداخيل السياحة في سبتة من رقم رسمي واحد. لكن برنامج «Ceuta Emociona» يقدم مؤشرًا مهمًا؛ إذ أعلنت حكومة المدينة أن 1.5 مليون يورو من الإنفاق العام ساهمت في توليد نحو 5 ملايين يورو من الإنفاق السياحي المباشر، واستقطاب أكثر من 19 ألف زائر و36 ألف مبيت منذ إطلاق البرنامج في 2022.

وهكذا تبدو معادلة سبتة واضحة: حفظ الذاكرة باستراتيجية ربطها بالغرب، وتحويلها إلى تجربة سياحية، ثم رفع مدة إقامة الزائر .

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button