‏آخر المستجداتفنون وثقافة

في رحاب قصيدة الملحون المعاصرة : تجربة الشاعر أحمد بدناوي وآفاق التطوير الممكنة (الحلقة الرابعة)

كتب: د . مولاي علي الخاميري

مدخل عام :

لما كنت أتحدث عن شعر الملحون المعاصر ، وأصرح بأن معظم شعرائه هم أدعياء في المجال ، وثقافتهم محدودة ، وإبداعهم عام ومكرر ، وجلهم ( شعراء ) بالتقليد الممل ، والمُقلِّد يُفتضَح أمره عند المقارنة ، وتظهر درجة أقدامه في أسفل السلم…..قلتُ كان بعض الإخوة والأصدقاء الذين لا يحبون سماع مثل كلامي يطالبونني بالدليل ، وهم في ذلك يفصحون عن غايتين متناقضتين : غاية حسنة تريد الوقوف على الأمثلة المُبَيِّنة للخلَل من أجل المعرفة وتدارك ما يمكن تداركه ، ويمثلون القلة ، ثم غاية ثانية وأصحابها من ذوي النيات الفاسدة ، ممن يرون أنهم فرسان الميدان الوحيدون ، وكل وصف بنقص أو همز ولمز يتوجسون منه ، ويعتبرون أنفسهم هم المقصودون ، وأن جماعتهم وأحلافهم يجب أن تتصدى للخطر المُحذِق بهم ، وبالمقابل أشهد الله على أنني لم أقل كلمة ، ولم أكتب سطرا إلا بوحي من نموذج اطلعت عليه ، بل من نماذج متعددة ومتنوعة وشاملة لكل المناحي التي خُضتُ فيها لحد الآن ، ومع ذلك كنت أترفع عن التمثيل ، لأن الهدم ، وكشف الهَنَّات ليس هو المقصود ، فالأمل لا زال معقودا ، والتجارب ينبغي أن يُفسح لها أكثر ما دام الزمن مُسعفا حتى تتجاوز بعضُ الأسماء الواعدة العثرات المحسوبة عليهم بعد أن تنضج تجاربهم ، ويُصقَل وعيهم ، وتكبر مساهماتهم ، فاكتفيت بالتذكير دون التصريح ، أو التجريح ، وهذا مبدأ يحسب لي ، ويُظهِر سلامة طويتي اتجاه الأدعياء والأصدقاء .

ومن باب الإنصاف والإجابة عن سؤال النموذج المطروح بإلحاح قررت أن أخوض في تجربة شعرية معاصرة لشاعر معاصر ، استطاع أن يربط ما بين أجيال الملحون بثقافته الواسعة ، وقوة إبداعه ، وسلامة تصوراته ، وتسخيره لشعر الملحون تسخيرا تاما ومتوافقا مع روح عصرنا ، دون أن يَشِذَّ عن مسيرة الأجداد ، أو ينفصل عنها ، أو يشوه معطياتها الفكرية والفنية تحت دوافع ذاتية سلبية ومنغمسة في متعاليات الأنا والجماعات العليلة .

شيء آخر أود أن أصل إليه عن طريق قراءة تجربة الشاعر أحمد بدناوي ، ومن باب أن المقال يتضح بالمثال لأُوقِفَ أولئك الباحثين عن الأمثلة على تجربة الشاعر المذكور ، وأرسم أمامهم معادلة إيجابية معطاءة ، وبعيدة عن التحدي والتحديد بالإسم أو الوصف ، وتقمص أدوار الخصم اللذوذ اتجاه تجربة لا زالت لم تكتمل ، ولا زال أصحابها لم يقفوا فيها على أرجلهم بثبات ، وهذا هو ما أسميته بالأمل المعقود على بعض الأسماء السائرة على نهج البناء والتجريب والاجتهاد…..أقول للجميع ها هو المثال المطلوب ، وليَقِس كل منكم ما يكتبه بنفسه ، ولتكن له جرأة الاطلاع الواعي ، والاعتراف النهائي عند المقارنة بالقصور الملاحظ ، وأتمنى أن يتسلح كل مطلع بشجاعة النقد الذاتي الإيجابي ، ويحاول أن يصلح ما يمكن إصلاحه ، ويتعرف على مكانته ومرتبته الحقيقية ضمن مملكة شعراء الملحون الأماجد ، ولن أضيف شيئا سوى تجديد دعوة التتبع والمطالعة ، والانكباب على ما يساعد كل خائض في شعر الملحون على تَمَلُّكِ الرؤية الصافية ، والمعرفة الضرورية حتى نُبقِي جميعا على نبض الحياة والتطور والتجديد داخل قصيدة الملحون ، فبدون ذلك لن نعثر على شعر ، ولن نحتفي بشاعر .

الحلقة الرابعة : من مظاهر التحديث في تجربة الشاعر بدناوي موضوع المرأة .

2 – المرأة بمعنى الإنسان : ( أي الحديث عن الطابع الذاتي في العلاقة السرمدية الجامعة ما بين الرجل والمرأة ) .

هو تطور مفيد لموضوع المرأة عند شاعرنا ، أي أن المرأة تحولت إلى كائن قائم بذاته وبجميع التجليات الممكنة على مسرح الحياة ، وما ينشأ عنه من مخلفات نفسية بأفعالها المحددة ، والمتجددة مع دوافع الزمان ومتطلبات المكان .

المرأة هنا تعني الطرف الثاني المكون لمعادلة الحياة ، وتعني الحضور والتأثير ، والمساهمة في الإفصاح عن معايير الوجود ، ومفهوم اللذة والفائدة ، أو العكس الحرمان والتعب والسوء .

شاعرنا أحمد بدناوي قارب هذا الجانب الجديد من موضوع المرأة بقصيدتين جميلتين اسما ومسمى ، ضمهما ديوان : ” هاك أراوي ” الأولى باسم٠ : ” ليلى ” والثانية باسم : ” الغالية ” .

القصيدتان متقاربتان في كل شيء على مستوى البناء والإيقاع والأفكار والموسيقى ، أنظر إلى لازمتيهما المتكاملتين ، تقول لازمة الأولى :

ضوات في سما قلبي ليلى
روح ذاتي غاية قصدي الحايطة بجلال
بضيا جمالها وكمالو
وجدي محا سواد الليل .

وتقول لازمة الثانية :

بين هلال العيد والثريا فكمال ضياها
لاحت هالة نورها سطع
بسعادة روحي الغالية بين نجوم سماها
نور الشمس لزيتها خضع .

هيمنة تيمة النور والجمال والعيد والسعادة والروح……كلها تجليات وإشراقات سيكون لها دور الحسم في متابعة المعنى وبنائه ، وهذا استنتاج أولي ولكنه مهم ، ويجب أن نشير إليه ونحتفي بمضمونه الدال على النور والضياء ، وما يستوجب من ابعاد تعتبر المرأة بمثابة قنديل مشع في وعلى الحياة ، وبتعبير دقيق هي قنديل الحياة المستمر في التوهج والعطاء .

من أوجه التشابه بين القصيدتين ذلك المنحى الدرامي المتوثب والجامع ما بين نفسية الشاعر وكونية الإنسان المتعددة ، فكأن الشاعر يريد أن يختصر الوجود في إنسية المرأة عبر أنساق محكمة ، تتناسق فيما بينها مع المحافظة على الرفع من وتيرة تلك الدراما الوصفية انطلاقا من مركز محوري على صعيد الدلالات المكتسبة بتناغم وتفاعل كبيرين مستمدين من ذات الشاعر المتكلمة ، ومن تجليات الكون المسايرة لإيقاع الشعر المفتوح .

خاصية أخرى شدتني في القصيدتين اللتين انقسمتا إلى أقسام ولكن الذروة والارتكاز انطلق من اللازمة ، فعلى سبيل المثال قال الشاعر في الشطر الأخير من لازمة قصيدة : ” ليلى ” ( وجدي محا سواد الليل ) فجاء القسم الثالث من القصيدة المذكورة فيه تفصيل مسهب من جنس معنيين كبيرين هما : معنى النور الظاهر ، ومعنى النور الخفي ، وكلاهما يستندان على لفظين كذلك هما لفظ ” الليل ” ولفظ ” وجد ” فالجزء الثالث من القسم الثالث يساير معاني النور الظاهرة من خلال السواد والصفاء والنور والبهاء…….يقول :

حلة هديت بالحب رفيلة
للصفا والنور والبها وزين دون دلال
للفايزة على من صالو
فيما مضى وهاذ الجيل
هيفا جليلة القدر نبيلة
حبها رباني فالروح شامخ ومتعال
وجليل ما يحد الروح جلالو
عرش الملوك والتهليل .

فعلا هو حب رباني تشعر به الروح المتواجدة ، وأهل الكشف والحضرة والشوق والحال الذي يبقى على ما هو عليه وبتطور كما سنرى ذلك في قوله عن معنى النور الخفي :

الروح والعضا ليه ذليلة
شايقة لجلالو في كل ما جلا فجمال
بكفالة الرجا وبدالو
والواجدين بالتبجيل
ناس الكاشفة هل الوسيلة
واصلين الحضرة بالشوق قي مقام وحال
صابوا مرادهم ونالو
حظوة من الرضى والنيل .

في القصيدة الثانية ” الغالية ” يبقى مفهوم الارتكاز حاضرا ، وجميع تجليات القصيدة لا تنبثق إلا من سطوع الأنوار ، وبسعادة غامرة لا تستفاد إلا من الروح المشتعلة في الدواخل ولكن كل ذلك يتأسس على كلمة محورية هي كلمة ” العيد ” كما ذكرت في مطلع لازمة القصيدة : ( بين هلال العيد والثريا فكمال ضياها ) وكما فُصِّلت دلاليا وفنيا في القسم الرابع من القصيدة :

كل أيامي عيد بيك يامن عدات سواها
فالطيبة وحلاوة الطبع
بيك رسامي عاد وهجها وبهاها وصفاها
وتنور البساط بالشمع
ليك صبات الروح قبل يوم وفيتي بلقاها
والصبر فغيوانها دمع
حتى جا حين المعاد والزورة لاح سناها
والسلوان فعيدها رتع
والرضى والنور والمحبة ليك تمناها
قلب من شروق الضحى نصع
ولا مثلو فالقلوب رحمة الكريم سقاها
من فيضو ينبوعها نبع .

كلمات ” الفيض ” و” النبع ” تناسب الختام المركب التي لا يخص قصيدة ” الغالية ” فقط وإنما يشمل قصيدة ” ليلى ” كذلك ، وأظن أن القصيدتين قابلاتان للاندماج بسهولة كبيرة ، ولقد رأينا تشابه اللازمتين ، ونستطيع أن نجد أسبابا أخرى للاندماج داخل القصيدتين ، ويكفي أن نعلم أن معالم التأسيس واحدة ، وأن اسم ” ليلى ” تحول من الدلالة المباشرة على المرأة إلى اسم ثان هو ” الغالية ” الذي يعني الإسم ، ويعني مفهوم الغلاء بمفهومه الإيجابي والإنساني ، المؤسس على معاني السمو والمحبة والنور ووفرة الطلب ، وسمو الروح لنصل إلى معنى جديد هو : ” التضوع ” الذي يتناسب مع مراد اللانهائي بعد كل هذا التعب الطويل ، لأن الإنسان عموما ، وحقيقة المرأة منه على وجه الخصوص لم تدرك بلمسة واحدة ، وإنما بلمسات تتعدد بتعدد المرأة والرجل ، وهو ما يعتبر من أقدار الوجود الرائقة ، ومن أسرار المرأة الكبرى العابرة بالإنسانية جمعاء إلى مضمار التجديد المحكم ، الضامن لوظيفة التأثير ، والاستمرار في العطاء ، وولادة الجمال ، واختصار قيم الكون والإنسان الظاهرة والخفية كما مر بنا ، وكما سيبقى ملاحظا ومفتوحا على عوالم مستحدثة مع كل امرأة بصفة الإنسان المتميز والمبدع .

( يتبع )

‏مقالات ذات صلة

Back to top button