‏ ‏برامجنا‏آخر المستجدات‏تكنولوجيا و ميديا

رأي كش بريس: القانون يُمرَّر رغم الاعتراضات.. ومخاوف من تراجع التنظيم الذاتي للصحافة بالمغرب

ـ عندما تنتصر الأغلبية العددية على الإجماع المهني .. ـ

في ما بدا بالنسبة إلى كثير من الصحفيين المهنيين آخر محطة مؤسساتية يمكن أن تعيد النقاش إلى نقطة التوازن، صادق مجلس المستشارين اليوم بالأغلبية على مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، ليطوي بذلك فصلاً جديداً من الجدل الذي رافق هذا النص منذ خروجه إلى العلن، ويمنحه المرور النهائي بعد أن كان قد حظي سابقاً بموافقة الأغلبية داخل مجلس النواب.

وصوّت 17 مستشاراً لصالح المشروع، مقابل 7 أصوات رافضة، دون تسجيل أي حالة امتناع، في مشهد برلماني يعكس تفوق منطق الأغلبية العددية على مطالب فئات واسعة من الجسم الصحفي التي كانت تراهن على إدخال تعديلات جوهرية تعيد الاعتبار لمبدأ الاستقلالية والتدبير الذاتي للمهنة. غير أن ما يثير الانتباه ليس فقط نتيجة التصويت، بل السياق الذي مرت فيه هذه المصادقة، وسط موجة غير مسبوقة من الانتقادات الصادرة عن هيئات مهنية وفاعلين إعلاميين اعتبروا أن المشروع لا يمثل استجابة لمطالب تطوير القطاع بقدر ما يؤسس لمرحلة جديدة من تقليص هوامش الاستقلال داخل المؤسسة المفترض أن تكون الحاضنة الديمقراطية لتنظيم المهنة وحمايتها.

ويذهب منتقدو المشروع إلى أن النقاش لم يعد متعلقاً بمجرد تعديلات تقنية أو مقتضيات تنظيمية، بل بطبيعة الرؤية التي تحكم علاقة السلطة التنظيمية بالمجال الإعلامي برمته. فالمجلس الوطني للصحافة لم يُنشأ أصلاً باعتباره جهازاً إدارياً تابعاً للسلطة التنفيذية، بل باعتباره إحدى أهم آليات التنظيم الذاتي التي ناضلت من أجلها الأسرة الإعلامية المغربية لعقود، بهدف تحصين المهنة من التدخلات الخارجية وإسناد تدبير شؤونها إلى أهلها.

ومن هذا المنطلق، يرى العديد من المهنيين أن المصادقة على المشروع بالشكل الذي خرج به تعني عملياً إغلاق باب النقاش حول عدد من المطالب الجوهرية التي رفعتها التنظيمات المهنية، وعلى رأسها ضمان استقلالية المجلس، وتكريس آليات انتخابية حقيقية داخل هياكله، والحفاظ على التوازن بين منطق التقنين ومنطق الحرية. وتزداد حدة الانتقادات بالنظر إلى الظرفية التي يعيشها قطاع الصحافة والإعلام في المغرب، حيث تواجه المقاولات الإعلامية أزمات مالية خانقة، وتتراجع مؤشرات القراءة والإشهار، وتتنامى تحديات التحول الرقمي، بينما كان المنتظر ـ حسب العديد من الأصوات المهنية ـ أن تتجه الجهود التشريعية نحو تقوية المقاولة الصحفية وتأهيل الموارد البشرية وحماية الصحفيين اجتماعياً ومهنياً، بدل الانشغال بصياغات قانونية أثارت انقساماً واسعاً داخل الجسم الإعلامي.

ويرى متابعون أن ما حدث داخل المؤسستين التشريعيتين يعكس أزمة أعمق تتعلق بطريقة تدبير القوانين المرتبطة بالحريات العامة، إذ غالباً ما يتم الاحتكام إلى منطق الأغلبية العددية بدل البحث عن توافقات واسعة في القضايا ذات الحساسية الديمقراطية والمجتمعية. فالقوانين المنظمة للصحافة ليست مجرد نصوص تقنية، بل تشكل جزءاً من البنية الضامنة للتعددية وحرية التعبير واستقلالية الفاعلين الإعلاميين.

كما يطرح تمرير المشروع أسئلة سياسية تتجاوز حدود القطاع الإعلامي نفسه: هل نحن أمام محاولة لإعادة هندسة المشهد الصحفي وفق مقاربة أكثر مركزية؟ وهل ما يزال خيار التنظيم الذاتي للمهنة قائماً بالروح التي تأسس عليها؟ أم أن الأمر يتعلق بإعادة تعريف أدوار المؤسسات المهنية بما يجعلها أقرب إلى منطق الضبط الإداري منها إلى منطق التمثيلية المهنية المستقلة؟ وفي انتظار نشر النص النهائي وتفعيل مقتضياته على أرض الواقع، يبدو أن المعركة لم تنتهِ بعد بالنسبة إلى جزء واسع من الصحفيين والحقوقيين، الذين يعتبرون أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تفاصيل القانون، بل في مستقبل حرية الصحافة واستقلالية مؤسساتها المهنية

. فالمجلس الوطني للصحافة لم يكن مجرد هيئة إدارية عابرة، بل أحد أهم المكاسب التي راكمها مسار الإصلاح الإعلامي بالمغرب، وأي تعديل يمس فلسفته الأصلية سيظل موضوع مساءلة ونقاش طويلين داخل الأوساط المهنية والحقوقية. وبذلك، لا تبدو مصادقة مجلس المستشارين نهاية للجدل، بقدر ما تمثل بداية مرحلة جديدة من الصراع حول هوية التنظيم الذاتي للصحافة المغربية وحدود استقلاله، في لحظة تزداد فيها الحاجة إلى إعلام قوي ومستقل أكثر من أي وقت مضى.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button