في التاسعة من ليلة الأربعاء 29 يوليوز سنة 2026 ألقى صاحب الجلالة محمد السادس ملك المغرب خطاب العرش، تخليدا للذكرى السابعة والعشرين لتربعه على العرش، استعرض فيه الحصيلة النوعية لولايته من 23 يوليوز سنة 1999 إلى نهاية يوليوز سنة 2026 بكونها مرحلة التحولات الاستراتيجية الكبرى، حيث شكلت نقلة بل قفزة استثنائية على مستوى التجهيزات الأساسية، والبنيات التحتية، والتطور العام الذي انتزع للمغرب مكانته الدولية المتمزة، بل جعل المغرب محط إعجاب العالم.
الظاهر أنه في صباح الغد أو في تلك الليلة نفسها طاف بوق على مدن وقرى المغرب القريبة والبعيدة ينادي المواطنين هيا عاجلا سريعا للهروب من البلاد ومغادرة الوطن نحو الخارج فسبتة ومليلية ستفتح الأيواب مشرعة لمن يريد الهجرة والهروب من خطر محدق فلا يتأخر منكم أحد.
وفعلا في الصباح الباكر، كان المغاربة زرافات ووحدانا، أفواجا ووفودا ومواكب في هجرة جماعية إلى سبتة مارين عبر المصطبة الرسمية التي ينصبها صاحب الجلالة لاستقبال ضيوفه المغاربة والأجانب القادمين للتهنئة بعيد العرش، والتي تؤطرها قوات الحرس الملكي وتؤطرها السلطة والشرطة والجيش والدرك الملكي والقوات المساعدة ومختلف قوات الأمن والصحة والسلامة العامة الوطنية والاجتماعية.
بعض الأفواج تتقدم راجلة تملأ الطرق السيارة بين المدن والطرق الوطنية والفرعية والجبال والسهول، والبعض يستقل شاحنات ووسائل مختلفة، أما محطات القطارات والحافلات عبر المدن فشهدت ازدحامات واكتضاضات، بينما أبواب سبتة مشرعة والوفود تتوالى والبحر يشهد أكبر فاجعة للتنقل سباحة نحو سبتة وقفز الحواجز العالية والمحصنة وما يترتب عن هذا المشهد من تضررات وجرحى وقتلى ومن لفظهم البحر جثثا أو ابتلعهم.
هجرة المغاربة كانت جماعية، لم تقتصر على الشباب ولا الكبار رجالا ونساء، ولا على القاصرين ولا العاطلين أو العاملين أو المستقرين، ولا على بعض الأسر مكتملة محملة بأبنائها ومتعلقاتها.
هل هو الفقر الذي دفع بهؤلاء للهجرة؟ لا
هل يتعلق الأمر بالجوع؟ لا
هل يتعلق الأمر باليطالة وانعدام الشغل؟ لا
هل يتعلق بالتشرد وانعدام السكن؟ لا
هل يتعلق بانعدام الأمن؟ لا
هل يتعلق بالظلم والغبن؟ لا
هل يتعلق بانسداد الآفاق؟ لا
هناك دائما أسباب لغضب المواطن من ظروفه وأوضاعه واتجاهه إلى الهجرة. الهجرة موقف إنساني تسبب في عمارة الأرض بحثا عن فرص أفضل أو هروبا من وضع محدد. بعض الأبناء يغادرون آباءهم وقبائلهم ويؤسسون أوطانا جديدة وعوالم نتج عنها توسع العالم وعمارة البلدان .
الهجرات الجماعية شيء من الماضي، وهي حاليا نتيجة الحروب التي تتسع في العالم من فلسطين والسودان واليمن وأوكرانيا….
كيف تهجر المغاربة ذلك اليوم والمغرب مستقر؟ ومن هجرهم؟ ولماذا؟ وهل استهدف الملك يوم عيده؟ وهل أريد تسفيه الخطاب الملكي والمس بشخصية الملك وتبخيس إنجازاته؟ ومن تجرأ على هذا الفعل الفاحش؟
المسألة تقتضي حتما طرح هذا السؤال الثاني؟
هل الأيادي داخلية أم خارجية؟
الحدث ظل يتصرف تحت العين طيلة اليوم، قريبا من الإقامة الملكية واحتفالاتها واستقبالاتها، وقريبا من الحكومة والبرلمان الحاضرين المحتفلين، وقريبا من عناصر القوات الأمنية المختلفة .
والدولة المغربية معروفة كدولة مخابرات قوية ذات مكانة دولية، فأحرى أن يغيب عنها ما سيحدث، بل ما يحدث تحت العين؟ في ظرف تعتبر العيون مفتوحة ومستنفرة كحالة طوارئ ضرورية، فنحن في احتفالات ملكية عرشيه رسمية، وهي أعلى أنواع الاحتفالات التي تعبر عن سيادة المغرب واستقراره.
فمن أراد أن يعطي الملمح السلبي لهذه السيادة وهذا الاستقرار؟
لقد شهد المغرب على مدار خمس سنوات من عمر البرلمان والحكومة الحاليين انتفاضات صغيرة وكبيرة لا تحصى؛ خرجت فيها مختلف أنواع الفئات على الشارع للاحتجاج، من الجامعيين إلى القرويين، ومن الجهات إلى المداشر والأحياء، مرورا بالمعلمين وحراك الريف، وجيل زيد، وصولا إلى المحامين وغيرهم، لم يرفع أحد منهم ما يمس الملكية والنظام الملكي رغم المطالبة بالملكية البرلمانية، إذ هي في صميم الملكية كمطلب لترسيخ الديمقراطية وعدم التهرب من المحاسبة، التي يلجأ إليها بعض المسؤولين للتنصل من جرائمهم.
لم يعد المغرب يعيش لحظات الصدام والثورة ضد النظام الملكي. المغاربة يؤمنون بكون ملكيتهم رمز استقرار واستمرار المغرب وترسيخ سيادته. وهم يحبون محمد السادس ويتمسكون به رغم المحاولات المستميتة لجهات مجهولة أو معلومة سعت كثيرا للدس والتدليس وتشويه الحقيقة والصورة بأساليب قذرة ومفضوحة والترويج لغير ذلك. أما المغاربة فيثورون ضد الفساد، والملك يتجاوب في حدود دنيا أو قصوى، ويحدث التغييرات الممكنة.
لكل ما سبق تكون حالة الهجرة الوطنية الشاملة إلى سبتة ومليلية مطوقة بالأسئلة والدلالات حتى لتكاد تحمل معها أجوبتها.

تقرير حقوقي: قيود رقمية تطال المحتوى المتضامن مع فلسطين في أوروبا
الداخلية تستنفر رؤساء مكاتب التصويت لضمان تسليم نسخ المحاضر
محمد عيد إبراهيم في حوار مع محمد حربي: أقف ضد أي سلطة تضطهد خيالي في الشعر والحياة (الجزء الثاني)
تراجع سنوي للأسعار وارتفاع شهري.. تفاصيل التضخم في غشت 2026