ابن الهامش الاجتماعي والجمالي وقد صارت قصيدته مَتْنًا(الجزء الأول)
قال إن جماعة أصوات لم تكن تتميز بأهداف جمالية واحدة، ولكن…كانت أهدافاً متقاربة، كالتمرد على القديم، ومحاولة خلق لغة حداثية، ومقت كلّ بلاغة مألوفة، والسعي لإيجاد شكل شعري مختلف وطريف، وجعل الرؤية الكلية أهم من رصف الكلمات، وإلغاء فكرة الشاعر النبي الذي يتكلم عن العالم باسمه ويدعو إلى الخير ولمّ الشمل إلخ…
محمد عيد إبراهيم: “مجنون الصنم” .. يكره البلاد الرمادية الساكنة
حتى تخلص الإيقاع من المخاتلة وتصفي القصيدة من شوائب المجاز
فلا يبقى في البحر ملح كاذب يصطاد نهرا في الخواتيم.
طينة رحبة تغسل يديها كمن يهم بالوضوء لصلاة الحقيقة لترضى القصيدة بملامسة الذاكرة وتنسج علما.
ذاكرة لأب يغزل وطنا من غبار الطرق بجوار القطارات المسرعة ويعلم الصغار عفة القلب وهو يعبر الحقيقة عاريا بلا رصيد ثم تعلن القصيدة “عيدا للنساج” أو ترنيمة ل”مجنون الصنم” فادخلوها قارئين…
***
هكذا يمكن أن ندخل قصيدة المبدع المصري محمد عيد ابراهيم وتطوحات الشاعر عند هبين “قبر لينقضّ”في السبعينات، و”مجنون الصنم”في العشرية الثانية من الألفية الثالثة.
وهكذا يمكن أن نفهم صيرورة الكتابة بين الإبداع الشعري وترجمة الإبداع العالمي، على مدى أربعين عاما، أرهقت الجسد وفي هذا الحوار تحية لأربعين عاما من الإبداع ووقفة مع الجسد الذي يشتكي والقلب الذي يعاود صحوه على إيقاع صنم غريب، يجر مجنونا ودرويشا إلى قصيدة مغايرة.
*****
*في البدء كانت القصيدة وهما ثم جالت خاطرا، ثم أدركها نشيش الاختمار فصارت”قبرا لينقض” أو”طورا للوحشة” في زغب الكلام..؟
للطفولة سحر خاصّ، لا تعرفه إلا بعدما تكبر وتتركك وراءها جثة تنعي ما تذكره منها، ولو كان أليماً، وهو عموماً أليم، فهو منبع الذكريات التي يقوم عليها الشعر فعلياً، وما الشعر إن لم يكن جُماع ذكريات هنا وهناك، ضمن لغة تخترعها تكون قد حلمت بها ذات يوم، في غموض أليم. عشتُ طفولة بائسة، كمعظم المبدعين، أذكر أن ما دفعني للقراءة كتابين كانا عند أبي رحمه الله، كتب دين طبعاً، قلبت فيهما قليلاً، ثم انطلقت أبحث عن سحر الورقة فيما بعد، حتى بدأت أغامر معها.
يصعُب أن أتذكّر كيف كانت البداية. فهي مجموعة إشارات دلّتني إلى طريق، قد سرتُ فيه، ولا أزال، ولا أعرف المستقرّ كيف ولا النهاية. كنتُ أذهب وأنا طفل صغير إلى مكتبة عامة في منطقة (دير الملاك) بحدائق القبة في القاهرة، قُرب بيت عائلتي القديم، ومن هناك، بدلاً من اللعب مع أقراني، اكتفيت بالوحدة مع الكتب في تلك المكتبة، قبلما أبدأ اقتناء الكتب.
*لكن ثمة كتابة أولى.. تخطيط أولي – شخبطة بطبشور الحبر إن صح التعبير؟
كان أبي عاملاً في مصنع نسيج بسيطاً، لكنه شخص قويّ بشخصية جبارة عنيدة، هو من زرع بي العناد والرغبة في التحقق، مهما كانت الصعوبات. وكانت لشخصيته الغالبة دور كبير في اختفاء شخصية أمي كلياً حتى توفاه الله، بعدها وكأني أرى أمي للمرة الأولى، مع أنها المنبع الأول للحنان الذي غمرني طيلة حياتها بل وعلّمني كيف أروض هذا الحنان لصالح الكتاب فيما بعد. وللأسف صار هذا المصنع أطلالاً اليوم، فقد تم تسريح العمال وغلق المصنع بانتظار بيعه لاحقاً.
وكانت أول قصيدة عن (هبوط أول إنسان على سطح القمر)، وساعتها كان حدثاً جللاً مريعاً، نشرها لي أبي في مجلة ثقافية محلية كانت تصدر عن مصانع النسيج. ولحقت بها قصيدة عن الناشطة السوداء آنجيلا ديفيز، التي قادت حركة واسعة ضد التمييز العنصريّ في أمريكا الستينيات. ثم قصيدة (الهجرة إلى الداخل) التي نُشرت في مجلة (الجديد) التي كان يصدرها د. رشاد رشدي أول السبعينيات.
لكن لا أذكر أني يوماً أردتُ شيئاً من الشعر، مجرد رغبة في الكتابة تضغط عليّ، فأقوم بتفريغها كبداياتي مع الحبّ.
لا يعرف المرء لماذا يتّجه هنا أو هناك في مسيرة الحياة، قد تكون موهبة مدفونة، عليك أن تتتبع أثرها حتى تتبدى للنور، قد يكون كتاباً وقع بالمصادفة أمامك، قد يكون هروباً من تخلف الصغار قليلاً وهم يلعبون الكرة والذهاب سراً إلى مكتبة عامة، عشق امرأة كبيرة تبدأ معها طريق الحياة، إلخ، أشياء عدة قد تدفعك إلى التحقق، لا يمكن حصرها في كلمة أو عبارة أو مقالة. لكن ليس المهم كيف بدأت، المهم كيف واصلت، فالمشوار طويل وعليك أن تستعد تربط الأحزمة، وتأخذ زوّادة الطريق، وتتوكّل على الله، حيث لا طريق أمامك إلا السعي لبلوغ الطريق، ولا يهم في النهاية وصلت أم لم تصل، المهم أنك تمضي في الرحلة، وعلى الزمن المقادير.
لكني عموماً كنتُ ولا أزال ضدّ أيّ سلطة تضطهد خيالي، حتى ولو في الشعر، فعلى كلّ مثقف أن يناهض السلطة، يكتب وفي خياله (اليسار) منها دائماً، (اليسار) بمعناه الواسع لا السياسيّ المباشر. وقد عانيتُ جرّاء ذلك كثيراً، فقد كنتُ أكتب بشكل مُغاير نسبياً لجيلي، وهناك سخرية مما أُنشئ من نصوص، لكن دار الزمن بنا وبقصائدنا إلى أن صار ما أكتبه هو المتن، وصار غيره هامشاً، وهي دورة الزمن التي لا يأمنها أحد.
تعرّفت إلى الرومانسيين وأبغضتُهم، ثم الرمزيين وأحببتُهم، من ثم اتجهت إلى السورياليين واقتديتُ بهم. وكان صلاح عبد الصبور هو الرأس في أيامي الأولى، وفي ظلّه حجازي، ولم يفتنّي استعمالهما مع غيرهما للّغة، ثم وقعت في غرام (مدرسة شعر) التي اقتديت منها بالتمرّد العالي والتأنق في اللغة والرؤية الفوضوية للعالم، مع أني استفدت كثيراً من: الرافعي، طه حسين، الجاحظ، النفّري، أدونيس، عفيفي مطر، لكني أحببتُ أُنسي الحاج، فهو الذي غيّر عندي، ضمن عوامل أخرى كثيرة، مفهوم اللغة إلى النقيض تقريباً، وهو ما كنتُ مستعداً له من البداية.
*لكنك تنكرت لبداياتك في أسلوب الكتابة وصرت تجرب أكثر مما تستقر على نمط؟
نشأت في زمن قبل اختراع آلة (الفوتي كوبي)، فكنت إذا أحببت كتاباً نسخته، وهي فترة صعبة ومجهدة، تيسرت بعدها، في المال والأحوال والمخترعات. لذلك أرى الكتاب الإلكترونيّ الآن اختراعاً مذهلاً، بعدما عاصرتُ من زمن جهيد. وعمومأً، للكتاب الورقيّ عشاقه ويزالون ولن ينتهي، وللكتاب الرقميّ عشاقه ويزيدون، ولا يفتئت أحدهما على الآخر. وطبعاً النشر الرقميّ ووسائل الاتصال الاجتماعيّ زادت من شريحة القراء، ويسرت عليهم طرق القراءة، فقد يوزع ديوان ورقيّ مائتي نسخة بينما يوزع الكتاب الرقميّ للديوان نفسه عدة آلاف. وأظن العلم يتطور يومياً، فهناك آلة يابانية تضع فيها مبلغاً كآلة البيبسيّ، لتُخرج كتاباً، إلخ، إضافة إلى وسيلة الطباعة الجديدة (الديجيتال) وكلّ يوم في شأن جديد، لتيسير إخراج الكتب وتبسيط عملية الطباعة وتوسيع شرائح القراء.
وبمرور الوقت، نكبر فجأة، ولا يرضينا ما كنا نكتبه قديماً، فلا تعود تقنياتي سابقاً من أساسياتي لاحقاً: حذف حروف الجرّ والعطف وقطع السياق، وترك الكثير للقارئ خارج القصيدة، وكلّ امرئ يتغيّر ويُبدّل جلده مثل الحيّة بين كلّ حين وآخر، مع أن العمود الفقريّ للشعر يظلّ واحداً تقريباً، لكن اللّباس مختلف.
*وأين يمضي بك الحال بعد ستين من العمر ولّت وأربعين عاما في بلاط القصيدة؟
لا أظنني سأعرف المآل حتى أضع آخر نقطة في حياتي، هناك وعي قطعاً بما أفعل في القصيدة، لكنك لا تعرف أين يودي بك دائماً، وإن عرفت فقد تتوقّف، لكن المجهول يظلّ أمامي فلاةً واسعةً مما يجعلني أكتب، ثم أنقّح في كلّ جديد ما كتبت سابقاً وهكذا. ولم يحدث أن توقّفت في حياتي عن كتابة الشعر، لكني مقلّ بشكل عام، أنتج ديواناً كل أربع أو خمس سنوات، لكن فترة التوقّف بين كل ديوان وآخر لا تعني التخلّي أو الهجر، بل التجهّز لما أبحث والاستعداد لما أريد.
يجب على الشاعر، في ظني، أن يقرأ أكثر مما يكتب، ويبحث أكثر مما يجد، ويظلّ يسأل ليرى ويستوعب أكثر، فالشعر لن يعطيك إلا كلّما أجهدت نفسك في طلبه، بالقراءة والوعي والخبرة والتجربة، وفوق ذلك وتحته وأمامه وخلفه التجريب، التجريب دائماً كالجثّة النازفة، أن تسمع نبضها عبر شرايين روحك وهي تنطلق بين شفتيك الحارقتين.
المركز والأطراف:
بين المركز والاطراف ثمة صراع خفي ومعلن في آن، وأنت ابن هامش جغرافي من حيث النشأة والميلاد لأب من ضواحي القاهرة وقد اخترت هامشا في المتن الشعري هو قصيدة النثر واخترت في متن النثر هامشاً هو المدرسة اللبنانية وخاصة انسي الحاج، فما علاقتكم بالمركز شعرياً واجتماعياً.. كيف اجتزت المسافة وعبرت الجسر؟
ـ ربما كان لنشأتي دور في هذا، فلم يكن أبي رحمه الله متعلّماً ولا كذلك والدتي، وقد نحَتُّ مكاناً كمن يحفر في صخر بركانيّ، بجهد بالغ، وحاولتُ أن أتميّز في شيء، فنحّيتُ نفسي جانباً عن مسير القطيع، واخترتُ لغةً عصية في نوع من التحدّي، أما إعجابي في البداية بلغة مدرسة شعر، فهو لأنَفَتي من اللغة البسيطة العاجزة، حيث آمنتُ ولا أزال أن للغة العربية مجالات واسعة ضيّعناها ونواصل، وكلّ شاعر يختار في البداية ما يروق لذائقته، فقراءاتي المتعددة في كلّ شيء تقريباً ودرسي للغة القرآن وللشعر ما يُسمّى الجاهليّ جعل مني هاضماً لمفردات أكبر وقاموس أوسع، وكنتُ أحلم أحياناً بمفردات معينة تستلهمني قصائد، وهي فكرة ربما تكون متطرّفة، لكنها أفادتني في تكوين العملية الشعرية، وكيف أطوّر نفسي يوماً بعد يوم.
ـ مسألة أن قصيدة النثر تحوّلت إلى المتن، ولم أتحوّل أنا، فهي دور النقّاد لا دور الشاعر، أيّ شاعر، فهناك تضامنات معينة بين مجموعات أدبية تسعى للتركيز على منتج بعضهم دون الآخر، وربما كان سيئاً أني لم أسع لمثل هذه الترابطات، لكني في النهاية أنقذت نفسي من التزوير، وصرتُ نفسي كلياً، لا يهمّ أنهم وضعوني هنا أو هناك، لكني سعيتُ وقطعاً لي ذات شعرية سيعترفون بها عاجلاً أو آجلاً. ولا أظنّ أن التاريخ الأدبيّ في مصر يستطيع أن يتجاهلني، لما قدّمت له، شعرياً أو عبر الترجمة، من مشروعي الجماليّ، وكما يقول المتصوّفة: المهم هو الطريق، لا الوصول.
*لم تذكر ما عانيته مع الشعر والنشر في السبعينات من القرن الماضي هل يمكن أن نعود إلى تلك الحقبة ونقارنها بما يحدث الان؟
كنّا في جيل السبعينيات أيام حكم السادات من دون منابر ثقافية، يفرحنا أن نصدر مطبوعاتنا بأيدينا، وبرزت ظاهرة “الماستر”، لم تكن هناك آلات نسخ ولا كمبيوتر ولا إنترنت، ولا مجلاّت ولا صحف ترضى بنصوصنا، وكنا ننسخ دواوين الكبار التي لا نستطيع شراءها ونتبادلها بيننا فحاولنا إيصال ما نكتب بوسائل بدائية مستعصية الآن، لكنها كانت زادنا، وأنجزنا بها شيئاً لنا وللشعر في مصر تلك الفترة.
لكن الزمن تغيّر، فلم تعد تلك الوسائل القديمة مجدية، بل صار النشر سهلاً إلى حدّ الابتذال أحياناً، فاختلط الحابل بالنابل، وصار الشعر على الأرصفة، بعضه جيد وكثير منه غثّ. وزاد الوحل نشر الخواطر على أنها شعر، من غير خبرة ولا قراءة ولا وعي لا بالتراث ولا غيره، وعليك أن تفتّش في القشّ لتبحث عن إبرة ولو صدئة.
كنتُ دائماً على يسار جيل السبعينيات، أسعى بقدر إلى التمايز عنهم، وسواءً نجحت أو أخفقت لا تعنيني، المهم أني أرضيت ذائقتي الجمالية بما أريد، جماعة (أصوات) كانت تسعى لأن تتخفّف من القيم التراثية في الشعر أكثر من جماعة (إضاءة)، لكن هذا المسعى توفّق عند بعضهم، وأخفق عند آخرين، والعجيب أنهم في النهاية قد كفّ البعض عن اللحاق بالجديد في الشعر ولم يعد يواكب، بينما واصل البعض في محاولة منهم لخلق ذات إبداعية تعاصر الزمن، والزمن مفرمة لكلّ تقليد إبداعيّ، إن لم تنتبه، فقد تصبح كمن جاء إلى العُرس وجلبابه متّسخ وبنعل مهترئ، أو كمن جاء بعدما أنجبت العروس أو ماتت.
لم تكن لجماعة أصوات أهداف جمالية واحدة،كانت أهدافاً متقاربة،كالتمرد على القديم، ومحاولة خلق لغة حداثية، ومقت كلّ بلاغة مألوفة، والسعي لإيجاد شكل شعري مختلف وطريف، وجعل الرؤية الكلية أهم من رصف الكلمات، وإلغاء فكرة الشاعر النبي الذي يتكلم عن العالم باسمه ويدعو إلى الخير ولمّ الشمل إلخ…
لكن، كنا بدرجات طبعاً في توليف مثل هذه الأهداف، فكان عبد المنعم رمضان وأنا أقرب إلى مدرسة شعر في تمردنا، عبد المنعم أقرب إلى أدونيس وأنا أقرب إلى أنسي الحاج، أما محمد سليمان وأحمد طه وعبد المقصود عبد الكريم فكانوا أقرب إلى المدرسة المصرية: سليمان أقرب إلى عبد الصبور، أحمد طه أقرب إلى حجازي(مع عدائه له)،وعبد المقصود أقرب إلى عفيفي مطر(من دون الحسّ الفلسفيّ واللغة المركّبة).
هجرة الي الداخل:
*كيف تدخل أرض القصيدة وبأي هجرة تبتدىء؟
يكتب الشاعر ليقول شيئاً، بل ويشمّه يتحسّسه ويتذوّقه قبل أن يكتمل، كلّ امرئ مجبول على مجموعة أفكار أو رؤى أو أحلام وذكريات ومشاهد وأفراح وأتراح وغيرها مما يسمع ويرى ويشمّ، تحرّكه وتثير فيه أن يكتب، فقصيدة النثر اليوم لا تعتمد كثيراً على خبرات حياتية جبّارة مثلما كانت للشاعر القديم، حيث تتكفّل الميديا الآن بالعديد مما كان يؤديه الشاعر القديم. على الشاعر اليوم أن يقوم بما كنتُ أدعو إليه سابقاً “الهجرة إلى الداخل”، (وهو عنوان إحدى قصائدي المبكّرة)، حتى يرى ما لم يره أحد قبله، ولو كان أمراً بسيطاً كشرح منظر الماء مندفقاً من منبعه، أو التطلّع في راحة يدك كأنك تراها للمرة الأولى، وترى الحبيبة كما يراها الخالق، لا المخلوق.
يتكلّم الشاعر بأيّ ضمير كان، المهم أن يكتب شعراً، لا يعني أن أكتب بالضمير الأول (الفاعل) أني أتكلّم عن نفسي، فالقصيدة كالمرآة تعكس عدّة ذوات، بعدد قرائها، أما ماهية الشعر فهي تختلف من شاعر إلى شاعر، فلا يستطيع أحد أن يقوم بتعريف موحّد للشعر، وإلا استطاع المحبّون تقديم تعريف موحّد للحبّ، فالشعر مجموعة لغات قد تجمع ما بين المقدّس والعاهر، بين العقل والجنون، بين المرأة والأمّ، بين الكتاب والصورة، بين أن تكون نفسك وتمحق نفسك معاً.
على كلّ مبدع أن يظلّ يقرأ، يقرأ كلّ ما تقع عليه عيناه في البداية، من ثم يتخصص، من واقع تخصصه ذاك لا بد أن ينتقد ما يقرأ وما يكتب، من هنا تنبع فطرة النقد، وعلى كلّ شاعر أن ينقد نفسه طيلة مشواره، فلا يعرف أحد أخطاءه مثله هو، وأين يكتب كذا وكيف يكتب كذا، لكن أن يصير الشاعر ناقداً رسمياً، فهي قدرات وبحث آخر، قد يوفّق فيه البعض، وقد يأباه الآخر، المهم أن تكون نفسك في كلّ ما تفعل، وأنا (من ناحيتي) حاولت مساعدة نصيّ (الغريب/ الحداثيّ/ الغامض نوعاً/ المركّب نوعاً) بترجمة نظائريّ في الشعر العالميّ.
*ولماذا تتنكر القصيدة للإيقاع والمشافهة؟
قد نحسّ بالصمت في لغة شاعر قصيدة النثر، مع بروز بقية العناصر، لأنها لغة لا تستدعي الخطابة ولا الشفاهة ولا القيم المتعارف عليها، بل يُفترض أن تكتب كأنك تكتب للمرة الأولى، أقول كأنك، لنرى شكلاً جديداً في مضمون جديد، في رؤية للعالم غير التي كان يرى بها الشاعر القديم أو حتى المستَحدَث القصيدةَ، بل أقول إنه لم يعد هناك ثمة غرض للشعر، أقصد الأغراض القومية أو السياسية الفجّة أو حتى الاجتماعية المضمونة، عليه أن يبحث عن أغراض هامشية أو هشّة، حتى ينجح في الوصول إلى قصيدة مختلفة، مشحونة بالعواطف أو الشاعرية أو الفكرة المعقّدة أو المجاز البسيط أو حتى المعقّد، فالقصيدة في النهاية لا تنحصر في شكل واحد أو عالم واحد، هناك ما لا نهاية للشكل والرؤية التي تدفع كلّ كاتب للكتابة.
أحاول أن أقترب من الغامض وغير المألوف، الحداثي وما بعد الحداثي، الأجيال الشعرية في العالم، الكتابات المختلفة عن السائد، حتى أكوّن خلفية معرفية لما أكتبه. لكن، كلما تكبر يصفو خيالك وتصبح النيران أهدأ وتكتب بطريقة مختلفة، من دون حشو أو زوائد، تحاول الوصول إلى الشعرية من أقصر الطرق، وقد أفادني شخصياً معاقرة الثقافات الأخرى، عن طريق القراءة والترجمة، فانفتحت سبل كثيرة أمامي، وتحررت من قيود كثيرة كانت تعيق قصائدي القديمة،
*ما هي هذه القيود التي اكتشفتها الآن وكانت سببا في تعويق قصيدتك؟
ربما كانت ظروف المنع والحجب أيام السادات هي ما حدا ببعضنا إلى تغليف نصوصه بما لا يكشفها، حيث كان التمرد هو سيد ما نكتب غالباً، أو هكذا أتصور نفسي الآن بعد مرور السنين. وكانت السمات الأسلوبية لديّ بالإضافة إلى ظروف المنع والحجب هي ما منعت نصوصي نسبياً من الشيوع أمام الجميع. لكن مع مرور السنين، صفت الأسلوبية عندي أكثر، وصار نصي أقرب إلى القارئ، بروح جديدة ومستقرة. وفي النهاية لكل شاعر قارئ، سواءً كان غامضاً مركّباً أو بسيطاً كراحة اليد، من مردّ اختلاف البضاعة حتى لا تبور الأسواق.
الشارع في مقابل الغرفة:
يقول البعض إننا في زمن قصيدة الغرف المغلقة بعدما انتهت قصيدة الشارع، فهل لا يزال الشاعر نبيا للشوارع في المجتمع، وهل يلعب دوره كشاعر أم كمثقف فقط، فالقصيدة ليست منشورا سياسيا كما تحولت لدى البعض؟
كلّ شاعر يقوم بدور في المجتمع، لكن هذا الدور غير مباشر، وقد دفعت (الثورة)، وإن أخفقت في مراميها، الشاعر لأن يغيّر قناعاته ويوسّع مداركه، بحثاً عن جمهور أكبر، لكن المشكلة تكمن في أن بعض المثقفين قد خانوا ضمائرهم، وساروا مع النظم الجديدة بعد الثورات، والمعروف أن النظم أسوأ ما تكون بعد أيّ ثورة، إن أمكن أن نطلق عليها هذه التسمية في النهاية، فقد تآمر عليها الجميع، حتى جرّدوها من ثيابها علناً، بل وجرجروها ليخدشوا آمال الجميع، أمام الجميع.
على الشاعر أن يناهض المظالم، ويسعى لإقامة العدل في الأرض، ويقوّم مسيرة أيّ حكومة ويكون ضدّ أيّ رأس للدولة حتى يعود إلى الصراط، فإن لم يفعل فسيظلّ الفساد قائماً والقتل منصوباً والسجن على كلّ باب. على الشاعر أن ينصت إلى آلام شعبه، لا يكتب بطبيعة مباشرة، فذلك شأن السياسيّ والمصلح المجتمعيّ، لكن أن يكتب عموماً في صالح أكبر عدد من الناس، لصالح المهمّش والمطحون والمعدَم، داعياً إلى اقتسام ثروات مجتمعه حتى لا ينام أحدٌ جائعاً وجاره بطران لا يعبأ بما أو بمن حوله.
الشاعر في النهاية ما هو، ضمير أبيض، لا غُبار فيه أو عليه، أو كما يُفترَض، فلو صلُح صلُح المجتمع ولو تفشّت خياناته صار المجتمع إلى خراب مستعجل ونهاية كنهايات الهنود الحُمر. لكن يخجلني، كما كان يقول نجيب محفوظ، أن أدعو إلى اليأس، فهناك أشجار دائماً في المستقبل.
تهتم بما بعد الحداثة بمستويين الأول الشعري الذي تكاد قصائدك تكون نماذج لأنماط مهمة في قصيدة النثر وتهتم ما بعد الحداثة بتفكيك السرديات الكبرى كالدين والوطن.. كيف يمكن لشاعر قصيدة النثر أن ينسي السرد الكبير ويسجن نفسه في سردية الذات، ألا تخشي أن يتحول الأمر إلى رومانتيكية مستعادة للبكاء على أطلال الروح عوض اجتراح عالم أكثر عدلا وجمالا كما كانت القصيدة القديمة تحلم؟
الذات لدى شاعر قصيدة النثر الحديث ليست مغلقة، فهي ليست كالعدسة المحدبة، بل المقعرة، حيث أنها تشع إلى ما حولها من جمهور القراء، فليس معنى أن ترى نفسك أنها نفسك فقط، بل هي نفوس بعدد القراء، حال القراءة، على كل قارئ أيضاً أن يجتهد في تبين المضامين وكشف ما وراء مقولات الشاعر، والحكاية عموماً لم تعد بحثاً عن الرومانتيكية بأي شكل كان، بل صار ضد الرومانتيكية بمعناها القديم، على كل شاعر أن يرى نفسه التي هي في النهاية مرآة لأنفس الآخرين، لكن ليس المطلوب أن نكتب بلغة تبسيطية كما يشيع الآن، بل تتعدد طرق الكتابة إلى ما لا نهاية، ثمة طرق للبسيط، وثمة طرق للمركّب، وعلى كل تقع مهمة الشعرية في فتح مجالات جديدة للشعر أمام الجميع.
يتبع…

تدهور الخدمات الصحية بالحوز يثير قلقا نقابيا.. نقص في الأطر والأدوية وأعطاب تطال التجهيزات
بعد سنوات قليلة من ترميمه.. سقوط جزء من سور تاريخي قرب باب الدباغ يثير أسئلة حول جودة الأشغال والمراقبة
نيابة فاس تواصل التحقيق في شكاية الفايق.. اتهامات بالابتزاز ومبالغ مالية ضخمة وتسجيلات قد تدخل دائرة الخبرة القضائية
التقدم والاشتراكية يحذر من منشورات انتخابية منسوبة إليه ويدعو إلى التحقق من مصادرها