
كش بريس/التحرير ـ في لحظة تتقاطع فيها رهانات التنمية مع تحولات العصر الرقمي، انطلقت بمدينة مراكش فعاليات الدورة الرابعة من معرض جيتكس إفريقيا، الذي رسّخ موقعه كأكبر تظاهرة تكنولوجية على مستوى القارة. ويجمع هذا الحدث آلاف الفاعلين، من بينهم أكثر من 2450 شركة عارضة وناشئة، إلى جانب ما يفوق 400 مستثمر دولي يديرون أصولاً تتجاوز 350 مليار دولار، في مشهد يعكس دينامية رقمية متسارعة داخل إفريقيا.
وخلال كلمته الافتتاحية، أبرز رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن التحول الرقمي لم يعد خياراً تقنياً صرفاً، بل أضحى رهاناً تنموياً مشروطاً بقدرته على تحسين الحياة اليومية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. وأوضح أن الحكومة سخّرت إمكانيات غير مسبوقة لضمان انسجام الطموح مع الموارد، في إطار رؤية تجعل من الرقمنة أداة ذات أثر ملموس.

وفي سياق ترجمة هذا التوجه، أشار أخنوش إلى إحداث قطاع وزاري مخصص للانتقال الرقمي، مرفوق بارتفاع كبير في الاستثمارات العمومية، حيث انتقلت الميزانية من 11 مليون درهم إلى أكثر من 1.7 مليار درهم، في خطوة تعكس تحوّلاً هيكلياً في التعاطي مع هذا الورش الاستراتيجي.
وتندرج هذه الجهود ضمن الاستراتيجية الوطنية المغرب الرقمي 2030، التي ترتكز على محورين رئيسيين: أولهما بناء إدارة رقمية في خدمة المواطن، عبر إعادة تنظيم المعطيات العمومية وتطوير منصات رقمية، من قبيل بوابة idarati.ma، ومنظومة مسار، ومنصة محاكم، إضافة إلى رقمنة خدمات السجل العدلي.
أما المحور الثاني، فيتمثل في جعل الاقتصاد الرقمي رافعة لإنتاج الثروة وخلق فرص الشغل، من خلال دعم قطاعات ترحيل الخدمات والصادرات الرقمية، وتنظيم بيئة اشتغالها بعقود وبرامج مؤطرة. وقد أفضت هذه الدينامية، حسب المعطيات الرسمية، إلى إحداث 148 ألف منصب شغل وتحقيق أزيد من 26 مليار درهم من صادرات الخدمات الرقمية مع متم سنة 2024، مع طموح لبلوغ 270 ألف منصب شغل و40 مليار درهم من الصادرات في أفق 2030.
وفي ما يتعلق بدعم ريادة الأعمال، تركز الاستراتيجية على مواكبة شاملة للشركات الناشئة، تشمل تمويلات أولية، وقروضاً شرفية، ودعم الحاضنات، إلى جانب تسهيل الولوج إلى الاستثمارات. وقد تُوّج هذا التوجه بإبرام اتفاقيات استراتيجية جمعت مؤسسات مالية ووطنية كبرى، من بينها صندوق محمد السادس للاستثمار وصندوق الإيداع والتدبير، وبرنامج تمويلكم، ما أسفر عن اختيار تسع شركات تدبير تعتزم ضخ استثمارات تصل إلى 2.5 مليار درهم في النسيج المقاولاتي الناشئ.
ولم يغفل رئيس الحكومة البعد البشري، مؤكداً أن نجاح أي تحول رقمي يظل رهيناً بالكفاءات، وهو ما دفع إلى تعزيز التكوين في تخصصات الرقمنة بشراكة مع وزارة التعليم العالي، حيث تضاعف عدد الطلبة من 11 ألفاً سنة 2022 إلى 22 ألفاً ابتداءً من 2024. كما جاء برنامج JobInTech ليواكب هذا المسار، مستفيداً منه إلى حدود اليوم أكثر من 2800 شاب.

وبخصوص دلالات احتضان مراكش لهذا الحدث، اعتبر أخنوش أن جيتكس إفريقيا يمثل منصة استراتيجية تمكّن القارة من صياغة خطابها الرقمي الخاص، مشدداً على أن إفريقيا تزخر بطاقات شبابية واعدة، لكنها تحتاج إلى بنى تحتية رقمية متطورة، وتمويلات موجّهة، وتكوينات نوعية، وأسواق أكثر انفتاحاً وتكاملاً.
ويُنظم هذا المعرض، الممتد إلى غاية يوم الخميس، تحت إشراف وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، بشراكة مع وكالة التنمية الرقمية ومجموعة كون جونيور إنترناشيونال، ليغدو فضاءً عالمياً للتفكير المشترك حول مستقبل التكنولوجيا، ومنصة لتلاقي صناع القرار والمستثمرين ورواد الأعمال، وبوتقة تتشكل داخلها ملامح حلول رقمية في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتكنولوجيا المالية والمدن الذكية.
وفي أفق هذه التحولات، يترسخ المعنى العميق للتكنولوجيا بوصفها أداة لتغيير الواقع، لا مجرد تراكم للأدوات؛ إذ تكتسب قيمتها حين تفتح أفقاً لشاب يبحث عن فرصة، أو تمنح رائد أعمال قدرة على الابتكار، أو تسهّل على المواطن ولوجاً أكثر عدلاً ونجاعة إلى الخدمات، في مسار لا يزال مفتوحاً على رهانات المستقبل.





