
ـ قراءة حقوقية في بعض التدوينات ـ
انتشرت في الآونة الأخيرة تدوينات ترفع سقف السؤال الأخلاقي حول مهنة المحاماة، وتصور المحامي باعتباره المسؤول الأول، وربما الوحيد، عن كل إخلال يصيب حق الدفاع أو يمس عدالة القضاء. ورغم ما تحمله هذه التدوينات من نزعة مثالية تستحق عن حسن النية ، التقدير والتثمين ، فإنها تظل قاصرة عن الإحاطة بحقيقة الإشكال، لأنها تستبدل التحليل القانوني والمؤسسي بخطاب أخلاقي انفعالي ينتهي إلى جلد المحامين أكثر مما يسهم في إصلاح منظومة العدالة ، والحال أن للدولة ومؤسساتها امتداداتها داخل جسم المحاماة ، كما أن للمحاماة تعبيراتها المساندة داخل الدولة وهياكلها ، وبالتالي لا إصطفاف خالص ولا ولاء صاف ، وتظل المصلحة العامة المشتركة هي الفيصل ؛ وبذلك لا خلاف في أن المحامي مسؤول بضميره في جميع الحالات. فمهنة المحاماة تقوم، قبل كل شيء، على الضمير المهني وعلى الإحساس العميق برسالة الدفاع عن الحقوق والحريات. ومتى قبل المحامي النيابة عن موكله، التزم ببذل العناية الواجبة والتصرف بما يقتضيه الشرف والاستقامة واليقظة المهنية، لأن مسؤوليته الأخلاقية لا تتجزأ.
غير أن هذه المسؤولية الأخلاقية لا تنفصل عن الإطار القانوني الذي ينظم المهنة. فالمحامي لا يواجه تبعات عمله مجرداً، إذ إن مسؤوليته المدنية مؤمنة لدى مؤسسة التأمين المختصة، بما يضمن جبر الأضرار الناتجة عن الخطأ المهني الثابت، ويحفظ التوازن بين حماية المتقاضي وصون استقلالية الدفاع. ولذلك فإن مساءلة المحامي لها مساطرها وآلياتها القانونية، ولا يجوز أن تتحول إلى خطاب شعبوي يجعل منه المسؤول عن كل أعطاب العدالة ، وقد اثبت التاريخ كثيرا من وقائع ضحت بها الجماعات والأسر بأفرادها وخدامها ؛ مما يستدعي أخذ العبرة من الماضي القريب والبعيد .
من هنا فإن أول ما يؤخذ على تلك التدوينات أنها تحمل المحامي فوق طاقته الأخلاقية والمادية، متناسية أن المسؤولية الأولى تقع على الدولة، باعتبارها صاحبة الاختصاص في وضع السياسة التشريعية والقضائية، والملتزمة دستورياً بضمان الولوج إلى العدالة، وتوفير شروط المحاكمة العادلة، وضمان حق الدفاع.
ويزداد هذا الأمر وضوحاً إذا استحضرنا أن المشرع، في إصلاحاته الأخيرة المتعلقة بالمسطرة المدنية، والمسطرة الجنائية، والتنظيم القضائي، ونظام المساعدة القضائية، اتجه إلى تقييد الولوج إلى القضاء، والتضييق على بعض طرق الطعن، وفرض قيود إجرائية ومالية تمس جوهر الحق في التقاضي، فضلاً عن المساس التدريجي بمبدأ مجانية العدالة. وهي اختيارات تشريعية تثير، في جوانب منها، شبهة مخالفة أحكام الدستور التي تضمن حق التقاضي والمحاكمة العادلة والمساواة أمام القانون. فإذا كانت الدولة هي التي تضع النصوص التي تضيق من الحقوق والضمانات، فلا يستقيم منطقاً ولا قانوناً تحميل المحامي وحده نتائج هذه السياسة التشريعية.
كما أن هذه التدوينات تخلط بين العدالة باعتبارها قيمة دستورية وغاية سامية، وبين الحقيقة القضائية باعتبارها حصيلة لإجراءات وضمانات قانونية. فالحقيقة القضائية ليست حقيقة مطلقة، وإنما هي ثمرة اجتهاد بشري يبقى قابلاً للمراجعة والتصحيح. ومن ثم، فإن اختزال كل اختلال في شخص المحامي يغفل الطبيعة المركبة للعمل القضائي، الذي تتقاسم مسؤوليته مؤسسات متعددة.
ويؤخذ عليها أيضاً أنها تتغاضى عن الدور الحاسم للتشريع، والتنظيم الذاتي للمهنة، والمؤسسات النقابية، في معالجة الاختلالات، وتكتفي بخطاب وعظي، وكأن إصلاح العدالة يتحقق بإلقاء اللوم على الأفراد، لا بمراجعة القوانين وتقوية الضمانات الدستورية.
بل إن بعضها يقدم المسيرات والاعتقالات والتضحيات الجسدية باعتبارها الطريق الوحيد للإصلاح، في إنكار لقيمة النضال المؤسساتي، والتقاضي الدستوري، والحوار التشريعي، والعمل النقابي المنظم. والحال أن بناء دولة القانون لا يقوم فقط على الاحتجاج، وإنما أيضاً على إصلاح النصوص، وترسيخ المؤسسات، وتفعيل الرقابة الدستورية.
إن المسؤولية في منظومة العدالة مسؤولية موزعة وليست مسؤولية شخص واحد:
الدولة مسؤولة عن سن تشريعات منسجمة مع الدستور، وضمان حق التقاضي، وعدم تقييد الولوج إلى القضاء أو الانتقاص من مجانية العدالة، وتوفير الدفاع والمساعدة القضائية للفئات المستحقة.
القاضي مسؤول عن احترام شروط المحاكمة العادلة، وعدم السير في إجراءات تمس بحق الدفاع.
المحامي مسؤول عن الوفاء بالتزاماته المهنية وعدم التخلي عن موكله، إلا في إطار قرار نقابي مشروع ومنظم، لا بمبادرة فردية تلحق الضرر بمتقاض بعينه.
المتقاضي مسؤول بدوره عن تتبع وكيله، وله حق مساءلته عند الاقتضاء وفق قواعد المسؤولية التعاقدية، لا المسؤولية التقصيرية.
ومن ثم، فإن تحويل المحامي إلى “كبش فداء” لكل أعطاب العدالة لا يخدم الحقيقة ولا الإصلاح، بل يحجب المسؤوليات الحقيقية، ويعفي الدولة من مسؤوليتها الدستورية في التشريع والتمويل وضمان الحقوق، كما يعفي باقي مؤسسات العدالة من واجباتها.
وفي التحليل الأخير، تبدو هذه التدوينات وكأنها تمارس نوعاً من الفضالة القانونية؛ فهي تتحدث باسم المتضررين، وتوزع المسؤوليات والأحكام دون تكليف من أصحاب المصلحة، مع أن القانون رسم لهم وسائل واضحة للمطالبة بحقوقهم وجبر أضرارهم. لذلك، فرغم وجاهة منطلقها الأخلاقي، فإنها لا تقدم جواباً عملياً عن أزمة العدالة، لأنها تنشغل بجلد المحامي أكثر من انشغالها بنقد السياسات التشريعية التي ضيقت الحق في التقاضي، وقلصت طرق الطعن، وأضعفت مجانية العدالة، وهي جميعها مؤشرات تؤكد أن المسؤولية الأولى تظل مسؤولية الدولة، قبل أي مسؤولية أخرى.
وإذا كان لا مناص من غيرة ومسؤولية فالأولى بالنسبة للفضوليين العمل على دعم مطالب الامن القانوني والأمن القضائي حيث البداية خوض معركة تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية ، والعمل على صرف وزارة العدل لواجبات المساعدة القضائية ، والنضال ضد شرعنة الفساد والإفلات من العقاب ، لأنه هنا بالذات قد صدق إبن خلدون عندما اعتبر أن العدل ليس قيمة أخلاقية فحسب، بل هو شرط لبقاء الدولة واستمرار العمران !!





