ندوة وطنية بأيت أورير تدعو إلى إدماج الرأسمال الثقافي للأطلس في التنمية

من عبد المجيد ايت اباعمر/ كش بريس
في حضن مدينة ايت اورير التئم جمع غفير من الشغوفين بالذاكرة والتاريخ والنبش في علاقة الانسان بالمجال؛ مساء يوم الاربعاء 15 يوليو2026 في إطار ندوة علمية وطنية تحت عنوان: “الهوية الثقافية والقيم المشتركة في الاطلس الكبير” نظمها المركز المغربي للبحث في التربية والثقافة والتراث بتعاون مع شركائه الاكاديميين والمؤسسين، في رحاب المركب الثقافي.
ارتكز فيها النقاش حول سؤال الهوية الثقافية والقيم المشتركة في الاطلس الكبير، هذا المجال الزاخربالأسرار؛ الغني بالرأسمال الثقافي واللامادي؛ إنه يشكل في المتخيل الجمعي، وفي التراث الحضاري والتاريخي للمغرب؛ فضاء جغرافيا وبشريا فريدا، وقلعة حصينة لحفظ الذاكرة الوطنية، ومشتلا حيا لإنتاج وتلاقح منظومة القيم الإنسانية المشتركة. ومن هنا تأتي أهمية هذه الندوة لتوجيه بوصلة التفكيرالجماعي إلى صياغة مقترحات إجرائية تسهم في الإدماج الفعلي والرسمي لهذا الرأسمال الثقافي واللامادي للأطلس الكبير ضمن المشاريع التنموية، والسياسات العمومية الوطنية.
استهلت اشغال الجلسة العلمية الاولى بكلمة افتتاحية رحب فيها الدكتور عبد الجباراتنغرين مفتش تربوي بالاكاديمية الجهوية للتربية والتكوين مراكش اسفي بالحضور، موضحا بأن اختيارموضوع الندوة جاء استجابة لدواعي راهنة تتلخص في التحولات السريعة التي يشهدها العالم اليوم، وتعاظم رهانات صون الهوية والقيم الخاصة من الاضمحلال امام عولمة جارفة…
وعبر الدكتور مولاي المامون المريني استاذ التعليم العالي سابقا بجامعة القاضي عياض بمراكش عن سعادته في الاسهام في هذا الورش التنموي الذي دشن به المركز المغربي للبحث في التربية والثقافة والتراث أولى أنشطته، مركزا مداخلته الموسومة ب:”أيت أورير حيث تتعانق الجذور: التنوع البشري والثقافي والاقتصادي.. رافعة للتنمية المستدامة” كاشفا بعض السمات الاساسية للمدينة باعتبارها منطقة تعايش بين السكان الاصليين مسفيوة والوافدين من العرب والاشراف والجالية اليهودية الذين عاشوا وتعايشوا في انسجام ووئام على مدى قرون عديدة؛ داعيا القيادة النخبوية الى استغلال زخم الذاكرة المشتركة الغني؛ وتحويله الى منتج ثقافي وسياحي مستدام على غرار نموذج الصويرة وصفرو…


وتناول الدكتورمحمد احميد استاذ التعليم العالي سابقا بالمركز الوطني لمفتشي التعليم في مداخلة بعنوان:”التربية على القيم وقواعد العيش المشترك في المناهج والبرامج التعليمية المغربية”متوقفا عند المفهوم الاجرائي للقيم والعيش المشترك والاسس والمرجعيات المؤطرة لها، والمداخل البيداغوجية المعتمدة لتمريرها في المناهج والبرامج التعليمية المغربية. متحدثا عن تحديات التفعيل واقتراحات التطويرالتي تقتضي تحويل المؤسسة التعليمية الى مجتمع ديمقراطي مصغر، والانتقال من الخطاب حول القيم الى ممارستها فعليا.
أما الدكتور خالد اوعسواستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء فقد تطرق في مداخلة بعنوان:”الهوية الثقافية والقيم المشتركة مداخل منهجية: تمغربيت بأفق كوني” الى مقاربة تلامس طرح سؤال الهوية والقيم المشتركة، مستحضرا خصوصية المجال المؤسس لذاكرة مشتركة في افق اكثر انفتاحا في إطار بنية تفاعلية تعزز التماسك الاجتماعي، وختم مداخلته بخلاصات أولية جاءت ثمرة لمجموعة مداخل كبرى ومقاربات انتربولوجية؛ سيكولوجية وتاريخية…
وافتتحت الجلسة العلمية الثانية بمداخلة تحت عنوان:”قيم التضامن الإجتماعي في الأطلس الكبير الغربي” قدمها الدكتور رشيد شحمي أستاذ جامعي بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، تناول فيها العلاقة الجدلية بين القيم والمجال، قيم أخلاقية متسمة بالطابع المحلي، تشكلت في إطار التفاعل، وانبثقت في ظل الازمات[ الفقر؛ الحاجة؛ الجفاف…] تحت مسميات عدة مثل: التويزا؛ البركة…
وما ميز مداخلة الأستاذ لحسن بن احيا النائب الجهوي للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحريربجهة مراكش آسفي تحت عنوان:”الذاكرة التاريخية الوطنية ورهانات ترسيخ القيم المجتمعية المشتركة” إنها تمتح من عبق تاريخنا المجيد، العناصر البانية لمقاومة متجددة، تستلهم العبر من الذاكرة الوطنية بروافدها، باعتبارها خزان لقيم أخلاقية؛ تعد وقودا لتضحيات سجلها التاريخ بمداد الفخر والاعتزاز.
ذكرالأستاذ لحسن بن احيا من أبرزها: قيمة الوفاء والالتزام بالعهد؛ وقيمة التلاحم بين العرش وقادة الحركة الوطنية…مشيرا الى أن رهانات ترسيخ هذه القيم تتجلى في تعزيز التماسك القيمي، وصون الذاكرة الوطنية وتحصينها ضد الاستلاب والتطرف، واستكمال المسارات التنموية…
وتفرد الدكتورأحمد حديدة رئيس جمعية جسورللتراث المادي واللامادي بإقليم الحوزبتقديم مداخلة بعنوان:”في مديح الأخوة: قراءة في منظومة القيم في الشعرالأمازيغي” مؤكدا بأن الشعر ليس فنا فقط بل مستودعا لتاريخ الأمازيغ وسجلا لقيمهم، يسكن أنفاس القوم ويهذب اخلاقهم ـ حسب تعبيرالدكتورأحمد حديدة ـ هذا الاخير الذي حلّل بمجهرالأديب قيمة “الأخوة” وجسّد مدى حضورها في النظم الأمازيغي بمعنى الأمان والضمان…


وارتكزت مداخلة الدكتور عبد الجباراتنغرين مفتش تربوي وباحث في البلاغة وتحليل الخطاب، على التطرق لجذورالقيم الأصيلة في الثقافة الأمازيغية بالأطلس الكبير؛ ورصد تجلياتها وتحولاتها.
مُقدّما شذرات نظرية لمفهوم القيم في خصوصيتها وكونيتها، ومبرزا القيمة المركزية لدى أمازيغ الأطلس الكبيروالتي تتمثل في الإنسان الحر؛الشهم؛ الشجاع، معضدة بقيم أخرى مثل: الصبر؛ القناعة…دون أن ينسى الدكتور عبد الجباراتنغرين الإشارة الى مراوحة القيم بين الثبات والتحول؛ في عصر يقتضي توليفا يجمع بين التنوع والاختلاف، والسعي الجاد من أجل تحقيق عدالة مجالية.
انبرى الطالب الباحث محمد لكنيش لمقاربة تطورمفهوم الأطلس من خلال المصادر التاريخية. رحلة تبين من خلالها صراع خفي حول المفهوم وفقا لمقاربات لغوية؛ إبستمولوجية…

وأخيرا، ووفق رؤية نسقية متكاملة أجمع كافة المتدخلين على ضرورة تثمين تراث الأطلس الكبير، كما أكدوا على عمق جذور هويته وقيمه الأصيلة، التي تحتاج الى ترسيخها في ذاكرة الأجيال الناشئة؛ من خلال تعزيز حضورها في البرامج التعليمية؛ وفي هذا السياق يندرج مقترح الكتاب المدرسي الجهوي كمطلب ملح، يربط المتعلم {ة} بمحيطه، ويعطي معنى للتعلمات. كما دعوا أيضا الى تحويل خصوصيات التنوع البشري، والمؤهلات الثقافية، والديناميات الاقتصادية المحلية للأطلس الكبير، الى رافعة حقيقية لخدمة الانسان والبيئة، في إطار تنموي شامل ومستدام...

Exit mobile version