هل تعالج الدولة أزمة العدالة أم تنقلها من المحاكم إلى مخافر الشرطة؟

كش بريس/التحرير ـ

في مواجهة الاكتظاظ المزمن الذي تعاني منه المحاكم المغربية، يبدو أن السلطات اختارت مقاربة جديدة لا تقوم على معالجة جذور الأزمة بقدر ما تراهن على إعادة توزيع أعبائها داخل منظومة العدالة. فبدل استمرار نقل الموقوفين إلى المحاكم للاستماع إليهم من طرف النيابة العامة، يجري اليوم نقل جزء من الوظيفة القضائية نفسها إلى مقرات الأمن، في خطوة تقدمها وزارة العدل باعتبارها إصلاحاً عملياً لتخفيف الضغط وتسريع الإجراءات، بينما تثير في المقابل نقاشاً حول حدود هذا التحول وانعكاساته على فلسفة العدالة وضمانات التقاضي.

وفي هذا السياق، كشف وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن الوزارة شرعت، بتنسيق مع رئاسة النيابة العامة والمديرية العامة للأمن الوطني، في اعتماد آلية جديدة تقضي بانتقال ممثلي النيابة العامة إلى مقرات الأمن ودوائر الشرطة للاستماع إلى الموقوفين بعين المكان، عوض نقلهم إلى المحاكم كما جرى العمل بذلك لعقود.

أرقام تكشف حجم الاختناق داخل المحاكم

وأوضح الوزير خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين أن بعض المحاكم الكبرى أصبحت تواجه ضغطاً غير مسبوق بسبب الأعداد المرتفعة للموقوفين المحالين يومياً على النيابة العامة.

ففي مدينة الدار البيضاء وحدها كان عدد الموقوفين يتراوح بين ألف وألف وخمسمائة شخص يومياً، فيما تستقبل محاكم الرباط ما بين ستمائة وثمانمائة موقوف، وهي أرقام تعكس حجم الضغط الذي يواجهه القضاة وموظفو العدالة ومختلف المتدخلين في السلسلة القضائية.

هذا الواقع، بحسب الوزير، كان يؤدي إلى امتداد جلسات الاستماع إلى ساعات متأخرة من الليل، كما كان يفرض على أسر الموقوفين الانتظار لساعات طويلة أمام المحاكم في ظروف لا تخلو من المعاناة والارتباك.

من نقل الموقوفين إلى نقل الوظيفة القضائية

الآلية الجديدة تقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الدلالة في جوهرها: إذا كانت المحاكم عاجزة عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الموقوفين، فإن النيابة العامة ستنتقل إليهم بدل انتقالهم إليها.

ولهذا الغرض، وفرت وزارة العدل تجهيزات معلوماتية وحواسيب محمولة ووسائل نقل ولوجستيك لفائدة الفرق المكلفة بتنفيذ هذا المشروع، بينما تتولى النيابة العامة والأمن الوطني تنزيله ميدانياً داخل مقرات الشرطة.

وبموجب هذا النظام، لن يُنقل إلى المحاكم سوى المتابعين في القضايا والجرائم الخطيرة أو الملفات التي تستوجب الإحالة على قاضي التحقيق، في حين ستتم معالجة عدد كبير من القضايا الأخرى داخل مقرات الأمن.

نجاعة إدارية أم إصلاح مؤجل؟

تعتبر وزارة العدل أن هذا الإجراء حقق نتائج إيجابية، خاصة على مستوى تقليص أعداد الموقوفين المنقولين يومياً، وتخفيف الضغط على البنية القضائية، وترشيد الموارد البشرية التي كانت تُستنزف في عمليات الحراسة والنقل.

غير أن القراءة المؤسساتية الأعمق تطرح سؤالاً مختلفاً: هل يتعلق الأمر فعلاً بإصلاح جذري لمنظومة العدالة، أم بحل تقني مؤقت فرضته أزمة الاكتظاظ ونقص الإمكانيات؟

فالمشكلة التي تكشفها الأرقام المعلنة لا ترتبط فقط بمكان الاستماع إلى الموقوفين، بل بحجم القضايا المتراكمة، والضغط المتزايد على النيابات العامة، والخصاص الذي تعاني منه بعض البنيات القضائية مقارنة بالنمو الديمغرافي والاجتماعي الذي تعرفه المدن الكبرى.

بين تبسيط المساطر وضمانات العدالة

ومن زاوية أخرى، يرى المدافعون عن هذا التوجه أن تقريب الخدمة القضائية من أماكن الاحتجاز يساهم في تسريع المساطر، وإنجاز إجراءات الصلح، وأداء المستحقات المالية، وتسليم الاستدعاءات في القضايا البسيطة دون الحاجة إلى تنقلات مرهقة.

لكن في المقابل، يثير نقل جزء من الإجراءات القضائية إلى فضاءات أمنية نقاشاً حول ضرورة الحفاظ على التوازن بين متطلبات النجاعة الإدارية وضمانات العدالة، خصوصاً أن المحكمة تظل رمزياً ومؤسساتياً فضاءً مستقلاً عن أجهزة الضبط والبحث.

لذلك فإن نجاح التجربة لن يقاس فقط بعدد الموقوفين الذين لم يعودوا ينقلون إلى المحاكم، بل بقدرتها على الحفاظ على الضمانات القانونية نفسها التي يفترض أن توفرها المؤسسة القضائية داخل فضائها الطبيعي.

إصلاح ينتظر اختبار التعميم

وأكد وزير العدل أن التجربة التي انطلقت بالرباط أفرزت نتائج مشجعة، وأن الوزارة تتجه نحو تعميمها على الصعيد الوطني، مستندة إلى الدعم الذي وفرته رئاسة النيابة العامة والمديرية العامة للأمن الوطني.

غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في توسيع التجربة جغرافياً فقط، بل في الإجابة عن السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه الخطوة: هل تنجح الدولة في تحويل هذا الإجراء إلى مدخل لإصلاح شامل لمنظومة العدالة وتسريع وتيرة البت في القضايا، أم أنه سيبقى مجرد آلية لتدبير آثار الاكتظاظ القضائي دون معالجة أسبابه البنيوية؟

فكلما ازدادت الحاجة إلى حلول استعجالية لتخفيف الضغط على المحاكم، برزت الحاجة بالمقابل إلى إصلاحات أكثر عمقاً تضمن عدالة سريعة وفعالة دون المساس برمزيتها المؤسسية أو بحقوق المتقاضين وضمانات المحاكمة العادلة.

Exit mobile version