‏آخر المستجداتالمجتمع

26.2% في الدول العربية و22.6% بشمال إفريقيا.. بطالة الشباب تتفاقم

كش بريس/التحرير ـ

تضع أحدث معطيات منظمة العمل الدولية ملف تشغيل الشباب أمام صورة شديدة القتامة، بعدما أظهرت بيانات 2026 أن شمال إفريقيا والدول العربية تتصدران عالمياً معدلات بطالة الشباب، في وقت تتسع فيه الفجوة بين النمو الديموغرافي المتسارع وقدرة الاقتصادات على خلق وظائف قادرة على استيعاب الأجيال الجديدة.

وتكشف الأرقام أن أزمة الشباب لم تعد مرتبطة فقط بنقص فرص العمل، بل باتت متصلة أيضاً بصعوبة الانتقال من التعليم إلى الحياة المهنية، واتساع دائرة الشباب الموجودين خارج العمل والتكوين، فضلاً عن التأثيرات المتزايدة للتحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي على طبيعة الوظائف ومستقبلها.

وأبرز التقرير أن التحسن المحدود الذي عرفته أسواق الشغل عقب جائحة كوفيد-19 بدأ يتراجع تحت ضغط تباطؤ الاقتصاد العالمي، والتوترات الجيوسياسية، وتسارع التحولات التكنولوجية، بما فيها الانتشار المتزايد للذكاء الاصطناعي.

وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، ارتفعت نسبة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة وغير المنخرطين في العمل أو التعليم أو التدريب من 19.7 في المائة سنة 2023 إلى 20 في المائة سنة 2025، بما أضاف نحو تسعة ملايين شاب إلى هذه الفئة، ليرتفع عددها عالمياً إلى حوالي 257 مليون شخص.

شمال إفريقيا والدول العربية في صدارة بطالة الشباب

ورغم أن معدل بطالة الشباب عالمياً بلغ في 2023 أدنى مستوى له منذ أكثر من عقدين، فإن الاتجاه انعكس لاحقاً، ليستقر المعدل عند 12.4 في المائة سنة 2025، أي ما يعادل نحو 67 مليون شاب عاطل عن العمل.

وسجلت معدلات بطالة الشباب ارتفاعاً في ثمانية من أصل أحد عشر إقليماً فرعياً، وكانت شمال إفريقيا من أكثر المناطق تأثراً بهذا الاتجاه.

وتشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى بلوغ معدل بطالة الشباب 22.6 في المائة في شمال إفريقيا، مقابل 26.2 في المائة في الدول العربية، لتحتل المنطقتان صدارة المعدلات المسجلة عالمياً.

ولا تتوقف الصورة عند البطالة المباشرة، إذ بلغت نسبة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب 30.1 في المائة في شمال إفريقيا و32.4 في المائة في الدول العربية، ما يعني أن نحو شاب واحد من كل ثلاثة في هذه المناطق يوجد خارج مسارات العمل والتكوين.

وتكشف هذه الأرقام عن مشكلة تتجاوز مجرد غياب الوظيفة، لتطال قدرة الاقتصادات على تحويل الطاقات الشابة إلى قوة منتجة، وعلى بناء انتقال سلس من التعليم والتكوين إلى سوق الشغل.

النساء يتحملن الجزء الأكبر من الأزمة

وأبرز التقرير استمرار الفجوة بين الجنسين في سوق العمل، حيث شكلت الشابات أكثر من ثلثي إجمالي الشباب خارج العمل والتعليم والتدريب سنة 2025.

وبلغت نسبة الشابات في هذه الوضعية 27.4 في المائة، مقابل 13.1 في المائة لدى الشباب الذكور، أي أن المعدل المسجل لدى النساء يزيد على ضعف المعدل لدى الرجال.

كما لم تتجاوز نسبة تشغيل الشباب الذكور 43.3 في المائة، مقابل 30.6 في المائة لدى الشابات، وهو تفاوت تعزوه المنظمة إلى استمرار أعباء الرعاية غير المؤدى عنها، والتمييز، وضعف فرص الوصول إلى وظائف لائقة ومستقرة.

وتبدو هذه الفجوة أكثر حدة في شمال إفريقيا والدول العربية وجنوب آسيا، رغم التقارب النسبي بين الجنسين في مستويات الالتحاق بالتعليم.

بطالة منخفضة في إفريقيا.. لكن بأي ثمن؟

وفي المقابل، سجلت إفريقيا جنوب الصحراء معدل بطالة للشباب بلغ 8.4 في المائة، وهو مستوى يبدو أقل بكثير من المعدلات المسجلة في شمال إفريقيا والدول العربية.

غير أن منظمة العمل الدولية تحذر من قراءة هذا الرقم بمعزل عن طبيعة الوظائف المتاحة، إذ يعمل نحو تسعة من كل عشرة شباب في المنطقة في الاقتصاد غير المنظم أو في وظائف تفتقر إلى الاستقرار والحماية الاجتماعية.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في ظل التحولات الديموغرافية المتسارعة، إذ تستحوذ إفريقيا جنوب الصحراء وحدها على نحو ثلثي الزيادة العالمية في أعداد الشباب، ما يجعل مسألة خلق وظائف لائقة أحد أكبر التحديات الاقتصادية والاجتماعية المقبلة.

أزمة تشغيل الشباب تمتد إلى الاقتصادات المتقدمة

ولم تعد صعوبة ولوج الشباب إلى سوق العمل مشكلة محصورة في الاقتصادات النامية، وفق التقرير، إذ سجلت أمريكا الشمالية ارتفاعاً في معدل بطالة الشباب من 8.3 في المائة سنة 2023 إلى 9.8 في المائة سنة 2025.

وفي عدد من الدول الأوروبية، واجه خريجو التعليم الثانوي والجامعي صعوبات متزايدة في الانتقال إلى سوق الشغل، رغم استقرار معدل بطالة الشباب في حدود 15 في المائة.

وفي المقابل، استمرت معدلات تشغيل البالغين في التحسن، مع انخفاض بطالتهم إلى 3.6 في المائة، لترتفع نسبة بطالة الشباب مقارنة بالبالغين إلى 3.4 مرات.

ويعكس هذا التباعد، بحسب المنظمة، اتساع الفجوة بين سرعة نمو أعداد الشباب وقدرة الاقتصادات على توفير وظائف جديدة تستوعبهم.

الذكاء الاصطناعي يدخل معادلة التشغيل

ويضع التقرير التحول التكنولوجي، وعلى رأسه الذكاء الاصطناعي، ضمن العوامل التي ستعيد تشكيل مستقبل تشغيل الشباب.

وتقدر المنظمة أن نحو 6.1 في المائة من الوظائف التي يشغلها الشباب بين 15 و29 سنة معرضة بدرجة مرتفعة لتأثر مهامها بالأتمتة والذكاء الاصطناعي.

وفي سيناريو افتراضي يختفي فيه 10 في المائة فقط من هذه الوظائف، قد يواجه نحو 5.6 ملايين شاب خطر البطالة المباشرة أو الخروج من سوق العمل.

وتتركز المخاطر بصورة أكبر في الوظائف الكتابية والإدارية وبعض الخدمات والمهن التقنية المرتبطة بالصناعة، بينما تبدو الوظائف التي تتطلب مستويات مرتفعة من المعرفة والمهارات، خصوصاً في العلوم والهندسة والصحة وتكنولوجيا المعلومات، أكثر قدرة على الصمود والاستفادة من التحول التكنولوجي.

أربع أولويات لمواجهة أزمة الجيل الجديد

وتدعو منظمة العمل الدولية الحكومات والشركاء الاجتماعيين إلى اعتماد سياسات متكاملة تقوم على أربعة محاور رئيسية: خلق فرص العمل، وإعداد الشباب للاندماج المهني، وتسهيل الانتقال من التعليم إلى سوق الشغل، وتوسيع الحماية الاجتماعية.

كما تشدد على ضرورة اعتماد مقاربة تتمحور حول الإنسان في حكامة الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع الاستثمار في المهارات التقنية والمهارات الإدراكية، وتحديث خدمات التشغيل وتعزيز الحماية الاجتماعية والتعاون الدولي.

وتضع هذه الخلاصات الدول العربية وشمال إفريقيا أمام سؤال يتجاوز معالجة البطالة بأرقامها المباشرة: كيف يمكن لاقتصادات المنطقة أن تحول الكتلة الشبابية من ضغط ديموغرافي إلى قوة إنتاج ومعرفة وابتكار؟

فالأرقام التي ترسمها منظمة العمل الدولية لا تكشف فقط عن أزمة وظائف، وإنما عن أزمة انتقال بين أجيال تتعلم وأخرى تعمل، وبين اقتصاد يتغير بسرعة ومؤسسات لا تزال تبحث عن الصيغة التي تمكنها من استيعاب طاقات شبابية تتزايد بوتيرة أسرع من قدرة سوق الشغل على استقبالها.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button