‏آخر المستجدات‏أخبار وطنية

تقرير رسمي: الأزمات كشفت هشاشة المنظومة التعليمية المغربية

كش بريس/التحرير ـ في قراءة تشخيصية تتجاوز الوصف الظرفي إلى مساءلة البنية العميقة، كشف تقرير صادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن توالي الأزمات خلال السنوات الأخيرة من جائحة كوفيد-19 إلى الزلزال، مروراً بالتوترات الاجتماعية والفيضانات، عرّى هشاشة المنظومة التعليمية المغربية، وأبرز محدودية قدرتها على ضمان الاستمرارية البيداغوجية في سياقات الاضطراب.

هشاشة بنيوية كشفتها الأزمات

وسجل التقرير، المعنون بـ“صمود المنظومة التربوية المغربية”، أن هذه الأزمات أظهرت اختلالات هيكلية متعددة، من أبرزها التفاوت في الولوج إلى التكنولوجيا الرقمية، وضعف جاهزية التعليم عن بعد، وهشاشة البنيات التحتية، فضلاً عن محدودية آليات الدعم المدرسي في حالات الانقطاع المطول. كما رصد تفاقم الفوارق بين الجهات، سواء من حيث القدرة على الاستجابة أو من حيث اعتماد أنماط التعليم الهجين.

ويعكس هذا التشخيص، في بعده التحليلي، أن المنظومة ظلت رهينة مقاربة مركزية في التدبير، لم تمنح المجال الترابي ما يكفي من الاستقلالية والجاهزية لمواجهة الصدمات بشكل استباقي.

الإضرابات وحق التعلم: معادلة دقيقة

وتوقف التقرير عند انعكاسات الإضرابات على التحصيل الدراسي، داعياً إلى إيجاد توازن بين حق المتعلم في التعلم وحق الأستاذ في الإضراب، عبر تفعيل حوار اجتماعي منظم ومستدام. ويبرز هذا الطرح أن استقرار المدرسة لا ينفصل عن استقرار محيطها المهني والاجتماعي، وأن معالجة الأزمات لا يمكن أن تتم بمعزل عن تسوية توتراتها البنيوية.

نحو مقاربة جهوية واستباق المخاطر

وأكد المجلس أن بناء قدرة المنظومة على الصمود يقتضي إعداد خطط جهوية مسبقة لتدبير الأزمات، وإرساء نموذج تعليم هجين مستقر ومنصف، وتعزيز التنسيق بين القطاعات. فالصمود، بحسب التقرير، يعني الحفاظ على الوظائف الأساسية للتعليم — التعلم والحماية — في حالات الطوارئ، وتقليص الفوارق التي تكشفها الأزمات أو تعمقها.

ويفترض هذا التوجه، تقييماً، الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، ومن مركزية القرار إلى حكامة ترابية مرنة، قادرة على التكيف مع خصوصيات كل جهة.

كلفة الأزمات: فقد التعلمات وتعميق الهشاشة

وحذر التقرير من أن الأزمات تؤدي إلى فقدان مكتسبات التعلم، وتفاقم الهشاشة النفسية والاجتماعية، وزيادة مخاطر الانقطاع المدرسي، بما يهدد الرابط التربوي نفسه. ويُسجل أن التأخر المتراكم في القراءة والرياضيات والمهارات الأساسية، خاصة في التعليمين الابتدائي والإعدادي، قد يترك أثراً طويل الأمد على المسارات الدراسية، لا سيما لدى التلاميذ المنحدرين من أوساط هشة.

ويدفع هذا المعطى إلى اعتبار أن الخسائر التعليمية ليست ظرفية فحسب، بل قد تتحول إلى فجوة دائمة إن لم تُعالج بسياسات دعم موجهة وفعالة.

فجوة بين طموحات الإصلاح والقدرة الفعلية

ويرى التقرير أن الأزمات كشفت استمرار الفجوة الرقمية، وضعف الحكامة الجهوية، وغياب الترصيد المنظم لتجارب الأزمات السابقة، إلى جانب عدم استكمال مأسسة التعليم الهجين. وهو ما يعكس — وفق قراءة تقييمية — فجوة واضحة بين الخطاب الإصلاحي المعلن والقدرة الواقعية على تأمين التعلمات في ظروف مضطربة.

غير أن التقرير لم يغفل الجوانب الإيجابية التي برزت خلال الأزمات، مثل التزام عدد كبير من الأساتذة، والتضامن المجتمعي، والمبادرات الجهوية المبتكرة، والقدرة على الاستجابة السريعة بحسب طبيعة كل أزمة.

الصمود كتَحوّل بنيوي لا كتدبير ظرفي

وشدد المجلس على أن صمود المنظومة يُبنى أساساً على المستوى الترابي، بالنظر إلى الطابع المحلي المتباين للأزمات، خاصة في المناطق القروية أو المعزولة أو المعرضة للكوارث. ومن ثم، فإن تقليص هيمنة القرار المركزي وتعزيز اللامركزية يعدان شرطاً لإرساء منظومة أكثر مرونة.

وفي خلاصة التقرير، يتبين أن الصمود لا يعني مجرد إدارة الأزمات عند وقوعها، بل يستلزم تحوّلاً بنيوياً يجعل المنظومة قادرة على الاستباق والامتصاص والتكيّف مع الصدمات المستقبلية. وهو تحول يختبر جدية الإصلاحات المعلنة، ويضع المدرسة أمام رهان مزدوج: ضمان جودة التعلمات في الأوضاع العادية، وتأمين استمراريتها في زمن الطوارئ.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button