‏آخر المستجداتمال وأعمال

تحذيرات من أزمة مالية جديدة قد تضاهي 2008

ـ مؤشرات مقلقة في الأسواق تنذر بأزمة سيولة محتملة ـ

كش بريس/التحرير ـ في قراءة تتجاوز سطح تقلبات الأسواق إلى أعماق بنية النظام المالي، يقدّم الاقتصادي الفرنسي Frédéric Lordon تشخيصاً مقلقاً لمسار الاقتصاد العالمي، محذّراً من تشكّل بؤر توتر قد تتطور إلى أزمة بحجم ما شهده العالم خلال الأزمة المالية العالمية 2008.

يرتكز التحليل، المنشور في لوموند ديبلوماتيك، على فكرة محورية مفادها أن الأزمات الأكثر عمقاً لا تنبع من انهيارات أسواق الأسهم بقدر ما تنفجر من داخل منظومة الائتمان، خصوصاً ديون القطاع الخاص. فبينما تظل صدمات البورصة، كما حدث في انهيار أكتوبر 1987 أو خلال فقاعة الإنترنت، محدودة الأثر نسبياً، فإن تعثر الديون يهدد شرايين التمويل ويصيب قلب النظام المالي بالشلل.

وفي هذا السياق، يرى لوردون أن التركيز المفرط على فقاعة الذكاء الاصطناعي يغفل مصدر الخطر الحقيقي، الذي يتجسد في التوسع السريع لسوق “الائتمان الخاص”، وهو نمط تمويلي صاعد يقوم على إقراض الشركات خارج القنوات البنكية التقليدية. وقد تحوّل هذا القطاع إلى ملاذ للمستثمرين الباحثين عن عوائد مرتفعة، تدعمه مؤسسات مالية كبرى مثل BlackRock وBlackstone وMorgan Stanley.

غير أن جاذبية هذا النموذج، القائمة على الجمع بين الربحية المرتفعة ومخاطر يُفترض أنها مضبوطة، تخفي هشاشة بنيوية. فالأصول التي تستند إليها هذه الصناديق تفتقر إلى السيولة، ما يخلق فجوة خطيرة بين قدرة المستثمرين على سحب أموالهم وطبيعة الاستثمارات طويلة الأجل. وفي أوقات الاستقرار تبدو هذه المفارقة قابلة للإدارة، لكنها تتحول إلى نقطة انفجار محتملة عند أول اضطراب.

وتتجلى مؤشرات القلق في الارتفاع المتسارع لمعدلات التعثر، التي انتقلت من مستويات ضعيفة إلى نسب مقلقة في فترة وجيزة، دون أن يكون ذلك مرتبطاً بركود اقتصادي واضح، وهو ما يعزز فرضية أن السوق يستبق أزمة أعمق. كما أن حالات الإفلاس المتفرقة، رغم محدودية حجمها، تترك أثراً نفسياً مضاعفاً يعيد تشكيل سلوك المستثمرين ويدفعهم إلى الحذر المفرط.

ويضيف التحليل عاملاً جديداً يزيد المشهد تعقيداً، يتمثل في التحولات التي يقودها الذكاء الاصطناعي، ليس فقط كفقاعة محتملة في أسواق الأسهم، بل كقوة قادرة على زعزعة نماذج أعمال كاملة، خاصة في قطاع البرمجيات الذي يستحوذ على حصة مهمة من استثمارات الائتمان الخاص. ومع تصاعد هذا التأثير، تصبح أجزاء واسعة من هذه الأصول مهددة بفقدان قيمتها، ما يرفع احتمالات التعثر إلى مستويات قد تُحدث صدمة في السوق.

في هذا السياق، يميز لوردون بين “الهرع إلى البنوك” و”الهرع إلى الصناديق”، مشيراً إلى أن الخطر الحالي يتجسد في اندفاع المستثمرين لسحب أموالهم من صناديق الائتمان الخاص. غير أن هذا التمييز قد يكون مؤقتاً، نظراً للتشابك العميق بين هذه الصناديق والنظام المصرفي، حيث تلعب البنوك دوراً أساسياً في تمويلها وتضخيم أنشطتها.

وتزداد خطورة الوضع عند النظر إلى الحجم الهائل لهذا القطاع، الذي يفوق بكثير ما كانت عليه سوق الرهون العقارية عالية المخاطر قبيل أزمة 2008، ما يعني أن أي اضطراب قد يمتد بسرعة عبر شبكة مالية مترابطة تشمل الصناديق والبنوك ومؤسسات الاستثمار الكبرى.

ومع تزايد الضغوط، قد يتكرر السيناريو المألوف: تشدد في الإقراض، صعوبة في إعادة التمويل، تصاعد طلبات السحب، ثم اضطرار المؤسسات إلى بيع أصولها أو الاعتراف بخسائر يصعب تقديرها. وفي بيئة يغيب عنها التسعير الشفاف، يتحول الشك إلى عامل مهيمن، فتتجمد السيولة ويقترب النظام من لحظة “الاختناق الكبير”، حيث يتوقف الجميع عن الإقراض.

ولا يقف التحليل عند حدود الائتمان الخاص، بل يمتد إلى مؤشرات أوسع داخل الاقتصاد الأمريكي، تشمل ارتفاع التعثر في قروض الاستهلاك والعقار التجاري، ما يعكس انتشار الهشاشة عبر قطاعات متعددة. وتأتي التوترات الجيوسياسية لتزيد من هشاشة هذا التوازن، عبر الضغط على النمو وسلاسل الإمداد.

كما يثير لوردون مسألة حاسمة تتعلق بتمركز المخاطر داخل مؤسسات بعينها، إذ إن الأزمات تتحول إلى كوارث حين تصيب عقداً مالية كبرى، كما حدث مع Lehman Brothers. فالمشكلة ليست فقط في حجم الخسائر، بل في مواقعها داخل الشبكة المالية.

في المحصلة، لا يقدم هذا التحليل توقعاً زمنياً لانفجار الأزمة، بقدر ما يرسم خريطة لتراكم بطيء لعوامل عدم الاستقرار: تضخم الائتمان، هشاشة الأصول، انكشاف البنوك، وتحولات تكنولوجية وجيوسياسية عميقة.

وفي ختام هذه القراءة، يتجاوز السؤال حدود الاقتصاد إلى السياسة: إذا عاد النظام المالي إلى طلب الإنقاذ العمومي، فهل يكتفي العالم مرة أخرى بإخماد الحريق، أم يجرؤ هذه المرة على تفكيك الشروط التي تجعله يتكرر؟

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button