‏آخر المستجداتلحظة تفكير

د مصطفى غلمـــان: تحرير الكتاب من المعرض

يبدو  اختفاء الكتاب من موائدنا اليومية أشبه بانسحابٍ صامت للمعنى من قلب الحياة، حيث تتوارى الكلمة خلف ضجيج الاستهلاك، وتُستبدل لذّة التأمل بإيقاعٍ متسارع لا يتيح للوعي أن يرسخ أو يستقر. فالكتاب، الذي كان يومًا طقسًا من طقوس بناء الذات، يغدو اليوم هامشًا في زمن تُصاغ فيه الرغبات وفق منطق العاجل والزائل. هنا يصدق حدس غي ديبور حين اعتبر أن “مجتمع الفرجة” لا يكتفي بعرض الواقع، بل يستبدله بصورٍ تبتلع التجربة الحية، فيتحول الإنسان من قارئٍ للعالم إلى مستهلكٍ لتمثلاته.

ولعل ما يزيد هذا التواري تعقيدًا أن حضور الكتاب لم يعد ينعدم تمامًا، بل يظهر في شكل موسمي، احتفالي، كما لو أن الثقافة نفسها تُستدعى على هيئة حدث عابر. فالمعارض الكبرى، بما تحمله من زخم رمزي، تخلق لحظة كثيفة من الانتباه، لكنها لا تضمن استمرار الأثر خارج زمنها المحدود. وهنا تتبدّى المفارقة: كيف يمكن لوعيٍ يُبنى ببطء أن يُستعاد في لحظات متقطعة؟ إن ما نعيشه، في العمق، ليس أزمة عرضٍ للكتاب، بل أزمة علاقة به، علاقة تتطلب ما سماه بيير بورديو “رأسمالًا ثقافيًا” يُكتسب بالتراكم، لا بالاستهلاك العابر.

ومن جهة أخرى، تتسلل هذه القطيعة إلى بنية اليومي، حيث تتراجع القراءة كفعلٍ حميمي لصالح أنماط جديدة من التلقي السريع، تُعيد تشكيل الحواس وتعيد ترتيب سلّم القيم. فالكتاب يطلب زمنًا داخليًا، نوعًا من الصمت الذي يسمح للذات بأن تُصغي إلى نفسها، بينما تُغري الوسائط الجديدة بانتباهٍ مشتت، لا يلبث أن يتبدد. وفي هذا التوتر، يمكن استحضار مارتن هايدغر الذي رأى أن الإنسان الحديث مهدد بفقدان “الإقامة في اللغة”، أي تلك القدرة على السكن في المعنى بدل المرور السريع فوقه.

أما حين تُنظَّم معارض الكتاب، كما هو الحال في الرباط، فإنها تكشف بقدر ما تحتفي. تكشف هشاشة علاقتنا بالكتاب حين تتحول الطرقات إلى اختناقات، ويصير الوصول إلى المعرفة مشروطًا بمشقة يومية، وكأن الثقافة لا تزال خارج أولويات التنظيم الحضري والاجتماعي. لكنها، في الآن ذاته، تفتح فجوة أمل، إذ تذكّر بأن الكتاب لم يمت، بل ينتظر فقط شروطًا جديدة للاندماج في الحياة.

إن السؤال، في جوهره، ليس لماذا غاب الكتاب، بل كيف تغيّرت شروط حضوره. فالثقافة لا تختفي، بل تتحول، غير أن هذا التحول قد يفرغها من بعدها العميق إذا لم يُعاد وصلها بالتربية والخيال والحرية. ولعل الرهان الحقيقي لا يكمن في كثرة المعارض، بل في قدرة المجتمع على جعل الكتاب عادة يومية، لا استثناء احتفاليًا؛ أن يعود الكتاب إلى الطاولة لا كزينة، بل كحوار مفتوح مع الذات والعالم، حيث تُستعاد إنسانيتنا في بطء القراءة وعمقها.

في امتداد هذا القلق حول معنى الفعل الثقافي، ينكشف المعرض لا كاحتفال بالكتاب فحسب، بل كمرآة لاقتصادٍ رمزي تتصارع داخله المواقع والاعترافات. فحين يتكثف الحضور وتتعالى الشعارات، يظهر في الخلف ما يشبه «اللا-مرئي» الذي يحكم توزيع الأدوار: من يتكلم؟ من يُستدعى؟ ومن يظل خارج المشهد؟ هنا تتبدّى ملاحظة بيير بورديو حول الحقول الثقافية بوصفها فضاءات صراع، لا تُوزَّع فيها الشرعية بالتساوي، بل وفق رساميل خفية تُعيد إنتاج الامتياز.

إن ما يُسمّى بـ«الخنق الإداري» وفوضى البرمجة ليس مجرد اختلال تنظيمي عابر، بل عرض لبنية أعمق، حيث تتحول الثقافة إلى جهاز تدبير، وتغدو البرمجة شكلًا من أشكال الضبط لا الانفتاح. وفي هذا الأفق، يمكن استحضار ميشيل فوكو الذي نبّه إلى أن السلطة لا تعمل فقط بالقمع، بل عبر تنظيم الخطاب وتوزيع إمكانات قوله. هكذا يصبح المعرض فضاءً يُنتج فيه ما يمكن قوله ثقافيًا، وما يجب أن يظل في الهامش.

أما مركزة الثقافة، فهي ليست مجرد خيار جغرافي، بل نمط في التفكير يُعيد رسم خريطة الرمزي بين مركز مُكتفٍ بهامشه، وهوامش محرومة من حق الظهور. في هذا التفاوت، تتعمق قطيعة صامتة بين مثقفين يعيشون في «الأطراف» وآخرين يتموضعون في قلب الدائرة، بما يعيد إنتاج ما يسميه أنطونيو غرامشي بالهيمنة الثقافية، حيث لا تُفرض السيطرة بالقوة، بل عبر احتكار تمثيل المعنى ذاته.

وتزداد المفارقة حين تُخصَّص مساحات واسعة من اللقاءات لدوائر محددة من المنظمين أو المتحكمين في البرمجة، فتتحول التظاهرة من فضاء تعددي إلى ما يشبه «حلقة مغلقة» تعيد إنتاج نفسها. هنا يفقد المعرض أحد شروطه الأساسية: أن يكون فضاءً للقاء المختلف، لا لتكريس التشابه. وهو ما يذكّر بنقد يورغن هابرماس لانحراف الفضاء العمومي، حين يتحول من مجال للنقاش الحر إلى مجال مُؤطر بمصالح جزئية.

غير أن أخطر ما في هذا المسار ليس الإقصاء في حد ذاته، بل تحوله إلى نسق مألوف، إلى عادة تُفرغ الاحتجاج من معناه، وتجعل الدعوات إلى إعادة الهيكلة تبدو كأنها صدى بلا أثر. وهنا يتولد السؤال الحاد: هل نحتاج إلى إلغاء المعرض، أم إلى إعادة تخيّله؟ هل الأزمة في الشكل أم في الرؤية التي تنتجه؟

ربما لا يكمن الجواب في القطيعة الجذرية، بل في تفكيك شروط الإمكان نفسها: كيف يمكن تحويل المعرض من حدث مركزي إلى دينامية موزعة؟ كيف يصبح الفعل الثقافي ممارسة يومية لا موسمية؟ وكيف يُعاد الاعتبار للمثقف لا كضيف في برنامج، بل كفاعل في بناء المعنى الجماعي؟

ووفق هذا المنظور، لا يعود المعرض غاية، بل اختبارًا لمدى قدرة المجتمع على إنتاج فضاء ثقافي عادل، حيث لا تُختزل الثقافة في موقع جغرافي أو في أسماء بعينها، بل تنفتح كأفق مشترك، يتسع لاختلاف الأصوات، ويعيد للكتاب وظيفته الأصلية: أن يكون لقاءً حيًا بين ذوات متعددة، لا منصة مغلقة لإعادة تدوير المعنى ذاته. هكذا يتضح أن اختزال الثقافة في موعد موسمي، مهما كان باذخًا، لا ينتج أثرًا مستدامًا، بل يعيد تدوير الأزمة في شكل احتفالي. البديل لا يبدأ من إلغاء المعرض، بل من قلب معادلة المركز والهامش، ومن تحويل الكتاب من حدث إلى ممارسة يومية موزّعة داخل النسيج الاجتماعي. فالثقافة، كما يلمّح أنطونيو غرامشي، لا تُبنى بقرارات فوقية، بل عبر «مثقفين عضويين» منخرطين في حياة مجتمعهم، يصنعون المعنى من الداخل لا من منصات معزولة.

إن استعادة حلم الكتاب تقتضي إعادة زرعه في تربة الأسرة، حيث تُبنى العادة الأولى للقراءة، وفي المدرسة التي ينبغي أن تتحول من فضاء للتلقين إلى مختبر للخيال، وفي الجامعة التي عليها أن تعيد وصل المعرفة بالحياة، لا أن تظل حبيسة التخصصات المغلقة. كما يتطلب الأمر فتح المجال أمام المجتمع المدني ليكون شريكًا فعليًا في إنتاج الفعل الثقافي، لا مجرد متلقٍّ له، عبر مبادرات محلية، مكتبات أحياء، نوادٍ للقراءة، ومنصات رقمية تتيح تداول المعرفة خارج القيود التقليدية.

وفي هذا السياق، يصبح الناشر والكاتب ومدبّر الوسائط الجديدة فاعلين في شبكة حية، لا حلقات معزولة، يتقاطع فيها الورقي بالرقمي، والحضور المادي بالتفاعل الافتراضي، بما يعيد للكتاب ديناميته في زمن التحول. فالمطلوب ليس الدفاع عن شكل واحد للثقافة، بل تمكينها من التعدد، بحيث تصبح القراءة إمكانًا مفتوحًا، لا امتيازًا محدودًا.

وعموما فإصلاح المعرض لا يمكنه أن يكون سوى جزء من رؤية أوسع، تعيد تعريف الثقافة كحق يومي ومشترك، وتحرّرها من الارتهان للمناسبات. حينها فقط يمكن أن يستعيد الكتاب مكانه، لا كسلعة تُعرض، بل كفعلٍ حيّ يُمارس، وكجسرٍ يصل الفرد بذاته والعالم، في أفق مجتمع لا يستهلك الثقافة، بل يُنتجها ويعيشها.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button