‏آخر المستجداتالمجتمع

تقرير “جودة النخب 2026”: المغرب بين تموقع متوسط وتباينات بنيوية

كش بريس/التحرير ـ في قراءة جديدة لموقع المغرب داخل خرائط تقييم النخب عالمياً، كشف تقرير “جودة النخب 2026” عن صورة مركبة تجمع بين تموقع متوسط عالمياً وتباينات داخلية لافتة بين مؤشرات القوة والإنتاج التنموي، ما يعكس تعقيد النموذج المغربي في تدبير العلاقة بين السلطة الاقتصادية والسياسية وبين خلق القيمة المستدامة.

فقد حلّ المغرب في المرتبة 92 عالمياً من أصل 151 دولة ضمن مؤشر “جودة النخب”، وفق التقرير الصادر عن مؤسسة “خلق القيمة” بشراكة مع جامعة “سانت غالن السويسرية”، بينما سجل أداء أفضل نسبياً في مؤشر “الجيل القادم لخلق القيمة” بحلوله في المرتبة 40 عالمياً، وهو المؤشر الذي يقيس عدالة الفرص بين الأجيال وقدرة الدول على بناء مسارات تنموية طويلة المدى. وعلى المستوى الإفريقي، جاء المغرب في المرتبة 26 ضمن التصنيف القاري العام.

ويعتمد هذا التقرير على منظومة تقييم معقدة تضم 148 مؤشراً موزعة على 12 ركيزة رئيسية، ضمن أربعة مجالات كبرى، إضافة إلى مؤشرين محوريين هما “القوة” و“القيمة”. ويقوم المفهوم المركزي للمؤشر على قياس مدى قدرة النخب السياسية والاقتصادية على إنتاج قيمة اجتماعية وتنموية مستدامة، بدل الاكتفاء بتوظيف مواقع النفوذ في إعادة توزيع الثروة بشكل ريعي أو احتكاري.

وبحسب نتائج “الجيل القادم لخلق القيمة”، سجل المغرب تقدماً بأربع مراتب مقارنة بالسنة الماضية، منتقلاً إلى المرتبة 40 عالمياً، وهو تحسن لافت يضعه في موقع أفضل بـ52 مرتبة مقارنة بترتيبه في المؤشر العام لجودة النخب، ما يعكس، وفق منهجية التقرير، دينامية نسبية في بعض مؤشرات التنمية المستقبلية.

لكن هذا التحسن يخفي تفاوتات بنيوية داخلية حادة، إذ يظهر التفصيل القطاعي للمؤشر تبايناً واضحاً في الأداء المغربي؛ حيث حلّ في المرتبة 95 عالمياً في محور البيئة والرأسمال الطبيعي، و61 في تكافؤ الفرص، و55 في التعليم والرأسمال البشري، و49 في الصحة والرفاه، بينما جاء في المرتبة 47 في الابتكار والتكنولوجيا. وهي أرقام تعكس أداءً متوسطاً إلى متباين، خصوصاً في المجالات ذات الصلة بالاستدامة والعدالة الاجتماعية.

وتبرز القراءة القارية للمؤشر بدورها مفارقة لافتة، إذ احتل المغرب المرتبة الخامسة إفريقيا في مؤشر “القوة السياسية”، بما يعكس، وفق التقرير، وجود بنية مؤسساتية وقدرة تنظيمية معتبرة مقارنة بعدد من الدول الإفريقية. غير أنه تراجع إلى المرتبة 34 إفريقيا في “القوة الاقتصادية”، وإلى المرتبة 15 في “القيمة السياسية”، وصولاً إلى المرتبة 40 في “القيمة الاقتصادية”، ما يكشف فجوة واضحة بين امتلاك أدوات التأثير وبين القدرة على تحويلها إلى إنتاج تنموي فعلي.

ويقوم التمييز المفاهيمي داخل التقرير على الفصل بين بعدي “القوة” و“القيمة”، حيث تعكس القوة مستوى التحكم في المؤسسات والموارد والقواعد الاقتصادية، بينما تقيس القيمة مدى مساهمة هذا التحكم في خلق الثروة والتنمية بدل توجيهه نحو أنشطة ريعية أو احتكارية. ومن هذا المنظور، تصبح القوة عاملاً إيجابياً فقط حين تقترن بإنتاج القيمة، وإلا تحولت إلى مؤشر على اختلال بنيوي في النموذج التنموي.

ويؤكد التقرير أن تقييم “جودة النخب” لا يرتكز على مؤشرات النمو الكلاسيكية أو الناتج الداخلي الخام، بل على طبيعة الاختيارات الاقتصادية والسياسية التي تتبناها النخب، ومدى قدرتها على إنتاج تنمية مستدامة قائمة على الابتكار، وتكافؤ الفرص، والاستثمار في الرأسمال البشري، وحماية البيئة، بدل الاعتماد على الامتيازات الريعية أو التحكم غير المنتج.

وبحسب المنهجية المعتمدة، يستند المؤشر إلى بيانات دولية متعددة، يتم تحليلها عبر 148 متغيراً تغطي مجالات الفساد، والتعليم، والصحة، وسوق الشغل، والبيئة، والابتكار، والهجرة، والتفاوت الاجتماعي، والقدرة التكنولوجية. كما يمنح وزناً خاصاً للبعد البيئي بنسبة 30 في المائة، باعتباره محدداً مركزياً للاستدامة، مقابل أوزان متساوية لباقي المحاور الأربعة الأساسية.

ويضع التقرير المغرب ضمن فئة الدول ذات الأداء المتوسط في مؤشرات التنمية طويلة الأمد، في سياق عالمي تتصدره دول مثل سنغافورة والولايات المتحدة واليابان وسويسرا والسويد، فيما تتقدم دول آسيوية ناشئة بشكل لافت في مؤشرات خلق القيمة. أما في مؤشر “الجيل القادم لخلق القيمة”، فقد تصدرت الدنمارك التصنيف، متقدمة على سويسرا وإسرائيل وألمانيا.

وتخلص خلاصات التقرير إلى أن مستقبل التنمية لا تحدده وفرة الموارد أو حجم النمو فقط، بل طبيعة النخب الحاكمة والاقتصادية وقدرتها على تحويل القوة إلى قيمة. فحين تنجح النخب في بناء توازن بين السلطة والإنتاج، تتحقق دينامية تنموية مستدامة، أما حين يختل هذا التوازن، فإن الاقتصاد يميل إلى إعادة إنتاج الفوارق والاختلالات بدل تجاوزها، بما يضع الدول أمام تحديات طويلة الأمد تتجاوز المؤشرات الظرفية للنمو.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button