‏آخر المستجداتبقية العالم

منع صحافي جزائري من السفر يفجر جدلا جديدا حول حرية التنقل..

ـ قضية مصطفى بنفضيل تعيد الأسئلة القانونية إلى الواجهة ـ

كش بريس/خاص ـ

أعادت قضية منع الصحافي والكاتب المسرحي الجزائري مصطفى بن فضيل من مغادرة بلاده للمشاركة في مهرجان أفينيون الدولي للمسرح بفرنسا فتح النقاش حول الضمانات القانونية المرتبطة بإجراءات المنع من السفر في الجزائر، ولا سيما في الحالات التي لا تكون مصحوبة بقرار قضائي معلل أو تبليغ رسمي للمعني بالأمر. وقد تحولت الواقعة إلى محور تضامن واسع داخل الأوساط السياسية والثقافية والإعلامية، بالتزامن مع تجدد الحديث الرسمي عن الانفتاح السياسي واستعداد السلطات لاستقبال المعارضين الراغبين في العودة إلى البلاد.

واقعة تعود إلى مقال صحافي

بحسب ما أورده مصطفى بن فضيل في بيان نشره عبر حسابه الشخصي، فإن أصل القضية يعود إلى شهر يناير الماضي، عندما استدعته مصالح الاستعلامات العامة للاستماع إليه بشأن مقال صحافي تناول دراسة علمية حول ملف الغاز الصخري في الجزائر، كانت قد نشرتها مجلة أكاديمية تصدر بصفة قانونية.

وأوضح أن المحققين أخبروه آنذاك بخضوعه لإجراء يمنعه من السفر، رغم أن الملف لم يعرف، وفق روايته، أي متابعة قضائية، ولم يُعرض على النيابة العامة أو قاضي التحقيق، كما لم تتقدم أي جهة بشكاية ضده، معتبراً أن الإجراء يفتقر إلى السند القانوني.

وأشار بن فضيل إلى أنه تلقى لاحقاً تطمينات غير رسمية تفيد بإمكانية تنقله بحرية، ما دفعه إلى الاعتقاد بأن الموضوع قد أُغلق، رغم اضطراره آنذاك إلى إلغاء عدد من التزاماته الخارجية.

مهرجان أفينيون يكشف استمرار المنع

عاد الملف إلى الواجهة بعدما تلقى الكاتب دعوة رسمية للمشاركة في مهرجان أفينيون الدولي لتقديم عمل مسرحي جديد يتناول التجارب النووية الفرنسية في الجزائر. غير أنه فوجئ، لدى وصوله إلى مطار الجزائر مطلع الأسبوع الجاري، بإبلاغه من طرف شرطة الحدود بأن قرار المنع من السفر ما يزال سارياً، الأمر الذي حال دون مغادرته البلاد.

ورأى بن فضيل أن مشاركته كانت تندرج في إطار نشاط ثقافي يمثل الجزائر في محفل دولي، معتبراً أن منعه من السفر لا يضر به شخصياً فحسب، بل ينعكس أيضاً على صورة البلاد الثقافية في الخارج.

مجلة “نقد”: الصحافي مارس عمله المهني فقط

وفي أول رد فعل مؤسساتي، أصدرت هيئة تحرير مجلة “نقد” (NAQD) رسالة مفتوحة أكدت فيها أن القضية ترتبط بمقال نشره بن فضيل في صحيفة “الوطن”، اقتصر على تقديم العدد الرابع والأربعين من المجلة، المخصص لموضوع الغاز الصخري وتداعياته.

وشددت الهيئة على أن العدد المشار إليه صدر بصورة قانونية، ووزع داخل الجزائر دون أن يخضع لأي قرار بالمنع أو السحب، مؤكدة أن الصحافي لم يتجاوز حدود عمله المهني المعتاد في التعريف بإصدارات المجلة.

كما اعتبرت أن أي تقييد لحرية التنقل ينبغي أن يستند إلى أسس قانونية واضحة، مع احترام مبادئ الشرعية والتناسب والضرورة، متسائلة عن مدى انسجام غياب قرار قضائي أو إداري معلل مع متطلبات دولة القانون.

تضامن سياسي وإعلامي واسع

القضية أثارت موجة تضامن امتدت إلى شخصيات سياسية وصحافيين وكتاب وفاعلين ثقافيين، الذين طالبوا السلطات بتوضيح الأساس القانوني لمنع بن فضيل من السفر.

وقال الكاتب الصحافي حميدة العياشي إن ما حدث يبعث برسائل متناقضة، في وقت تتحدث فيه السلطات عن توسيع فضاءات الحوار والانفتاح السياسي وتشجع شخصيات معارضة على العودة إلى البلاد، بينما يُمنع صحافي وكاتب معروف من المشاركة في تظاهرة ثقافية دولية.

كما انضم إلى المطالبين بتوضيح القضية عدد من الشخصيات، من بينهم الرئيس السابق لحزب “جيل جديد” جيلالي سفيان، والقيادي في حزب العمال رمضان تعزيبت، إلى جانب عشرات الإعلاميين والحقوقيين، معتبرين أن تمثيل الجزائر في الفعاليات الثقافية الدولية ينبغي أن يحظى بالدعم لا بالتقييد.

ملف يعيد فتح جرح قديم

ولم تكن قضية مصطفى بن فضيل الأولى من نوعها، إذ سبق أن أثار صحافيون وناشطون جزائريون خلال السنوات الأخيرة شكاوى مماثلة بشأن منعهم من مغادرة البلاد دون إبلاغهم بقرارات قضائية أو إدارية تبرر تلك الإجراءات.

ومن بين أبرز هذه الحالات، ما أعلنه الصحافي رؤوف حرز الله سنة 2025 بشأن خضوعه لمنع من السفر دون إشعار رسمي، إضافة إلى الصحافي مصطفى بن جامع، الذي أكد في مناسبات متعددة منعه من عبور الحدود نحو تونس دون تمكينه من نسخة من القرار أو معرفة الجهة التي أصدرته.

وقد دفعت هذه الملفات منظمات حقوقية دولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، إلى الدعوة منذ سنة 2022 إلى مراجعة آليات المنع من السفر وضمان حق المتضررين في معرفة أسباب القرار والطعن فيه أمام القضاء.

كما شهد البرلمان الجزائري نقاشاً حول مقترح تشريعي كان يرمي إلى حصر قرارات المنع من السفر في أوامر قضائية معللة تصدر عن قاضي الحريات، مع إلزام السلطات بإخطار المعنيين بحقوقهم في الطعن، غير أن المقترح لم يحظ بالموافقة، ليظل الملف مفتوحاً أمام استمرار الجدل القانوني والحقوقي.

بين الخطاب السياسي والواقع الميداني

وتزامنت هذه القضية مع تصريحات للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أدلى بها خلال زيارته الأخيرة إلى ألمانيا، أكد فيها ترحيبه بكل معارض يمارس العمل السياسي “بطريقة حضارية”، معتبراً أن النقد الموضوعي وتقديم البدائل يسهمان في تطوير التجربة الديمقراطية بالبلاد.

وأكد تبون، في لقاء مع أفراد من الجالية الجزائرية، أن لكل جزائري الحق في التعبير عن رأيه وانتقاد السلطة، شريطة احترام الضوابط الأخلاقية والابتعاد عن خطاب السب والكراهية، وهي تصريحات اعتبرها متابعون مؤشراً على رغبة رسمية في تعزيز الانفتاح السياسي.

غير أن تزامن هذه الرسائل مع استمرار الجدل حول منع شخصيات إعلامية وثقافية من السفر أعاد طرح التساؤلات حول مدى اتساق الخطاب الرسمي مع الممارسات الإدارية، وحول الحاجة إلى إطار قانوني أكثر وضوحاً يوازن بين مقتضيات الأمن وضمان الحقوق الدستورية، وفي مقدمتها حرية التنقل وحق المواطنين في المشاركة في الفضاءات الثقافية والفكرية الدولية.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button