
كش بريس/التحرير ـ
كشفت موجات الحر القياسية التي ضربت شمال إفريقيا خلال السنوات الأخيرة عن اختلالات عميقة في منظومات إنتاج وتوزيع الكهرباء بعدد من دول المنطقة، حيث حذرت وكالة بلومبرغ من أن الانقطاعات المتكررة التي شهدتها كل من الجزائر وتونس وليبيا لم تعد مجرد تداعيات ظرفية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، وإنما أصبحت مؤشرا على أزمة هيكلية مرتبطة بتقادم الشبكات، وتنامي الطلب على الطاقة، وضعف وتيرة تحديث البنية التحتية الكهربائية.
وأشارت الوكالة إلى أن فترات الذروة الصيفية تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الأنظمة الكهربائية في المنطقة على الصمود، بعدما أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة إلى تضاعف الضغط على شبكات التبريد والاستهلاك المنزلي والصناعي، في وقت تعاني فيه العديد من المنشآت الكهربائية من محدودية قدرتها الاستيعابية وتقادم تجهيزاتها.
وتبرز حالة الجزائر، التي تعد من أكبر منتجي الغاز الطبيعي في القارة الإفريقية، مفارقة لافتة بين وفرة الموارد الطاقية وصعوبات تأمين استقرار الإمدادات الكهربائية خلال فترات الضغط القصوى. فارتفاع الاستهلاك الداخلي، خصوصا بسبب الاعتماد المكثف على أجهزة التكييف خلال موجات الحر، كشف الحاجة إلى استثمارات أكبر في تحديث شبكات النقل والتوزيع وتعزيز قدرات التخزين والربط الكهربائي.
أما تونس، فتواجه تحديات أكثر تعقيدا بفعل محدودية الموارد الطاقية وارتفاع الاعتماد على واردات الغاز، إلى جانب صعوبات مالية تؤثر على قدرة قطاع الكهرباء على تنفيذ مشاريع التوسعة والتجديد. وقد أصبحت الانقطاعات خلال الصيف تعكس حجم الفجوة بين ارتفاع الطلب وتطور العرض المتاح.
وفي ليبيا، تتداخل أزمة الكهرباء مع عوامل سياسية واقتصادية وأمنية، إذ تعاني الشبكة الوطنية من أعطاب مزمنة ونقص في الاستثمارات، رغم الإمكانات الكبيرة التي يوفرها قطاع الطاقة. وتؤدي الظروف المناخية القاسية إلى مضاعفة هشاشة النظام الكهربائي، خصوصا مع ارتفاع الطلب في المدن الكبرى.
ويرى خبراء الطاقة أن المشكلة الأساسية لا تكمن في موجات الحر بحد ذاتها، بل في عدم قدرة بعض الأنظمة الكهربائية على مواكبة التحولات الجديدة التي فرضها تغير المناخ والنمو الديمغرافي والتوسع الحضري. فدرجات الحرارة القياسية أصبحت عاملا ضاغطا يكشف نقاط الضعف الموجودة أصلا في شبكات صممت في فترات كان فيها الطلب أقل بكثير من المستويات الحالية.
كما تفرض التحولات المناخية على دول المنطقة إعادة النظر في سياساتها الطاقية، عبر تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتطوير شبكات كهرباء ذكية قادرة على إدارة الطلب، وتحسين الربط الإقليمي بين الدول المغاربية، بما يسمح بتبادل الطاقة وتقليص مخاطر الانقطاعات.
وتعكس هذه الأزمة، حسب مراقبين، انتقال ملف الكهرباء من مجرد قضية تقنية مرتبطة بالإنتاج والتوزيع إلى قضية استراتيجية تمس الأمن الاقتصادي والاجتماعي للدول، خاصة في ظل تزايد الاعتماد على الكهرباء في قطاعات حيوية مثل الصحة والصناعة والخدمات.
وبينما تتجه دول شمال إفريقيا إلى تعزيز مشاريع الطاقة الشمسية والرياح، فإن التحدي الأكبر يبقى مرتبطا بقدرتها على تحويل هذه الاستثمارات إلى شبكات حديثة ومرنة، قادرة على مواجهة عصر تتزايد فيه الضغوط المناخية وتتغير فيه أنماط استهلاك الطاقة بوتيرة غير مسبوقة.





