‏آخر المستجداتقضايا العدالة

مالكي: المحكمة الدستورية لم تحسم دستورية قانون المحاماة.. وإعادة الإحالة تظل ممكنة

كش بريس/التحرير ـ

اعتبر الفقيه الدستوري الدكتور امحمد مالكي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية والعميد السابق لكلية الحقوق بمسقط في سلطنة عمان، أن قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26، الصادر في الملف عدد 317/36 بشأن فحص قانون مهنة المحاماة، لم يحسم في مدى مطابقة القانون للدستور، وإنما انتهى إلى تعذر البت فيه بسبب عدم استيفاء ملف الإحالة لوثائقه المطلوبة.

وأوضح مالكي الذي ينتمي حاليا لجسم المحاماة بهيئة مراكش، أن المحكمة أصدرت قرارها داخل الأجل المحدد لها قانوناً، والمتمثل في ثلاثين يوماً من تاريخ تبليغها بالإحالة، والتي توصلت بها في 8 يوليوز 2026، مبرزاً أن المحكمة بنت موقفها أساساً على كونها توصلت بتقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، وليس بالنص الكامل والنهائي للقانون كما تمت الموافقة عليه من قبل مجلسي البرلمان.

الرقابة تنصب على النص النهائي

وأوضح الفقيه الدستوري أن هذه النقطة تكتسي أهمية خاصة، لأن الرقابة الدستورية، في جوهرها، تنصب على النص التشريعي النهائي الذي استكملت بشأنه المسطرة التشريعية، وليس على تقارير اللجان البرلمانية التي تندرج ضمن الأعمال التحضيرية للتشريع.

وأشار إلى أن المحكمة اطلعت، في المقابل، على الملاحظات التي أدلى بها أعضاء مجلسي البرلمان يومي 20 و22 يوليوز 2026، قبل أن تنتهي، استناداً إلى الفصل 132 من دستور 2011 والمادة 26 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، إلى عدم البت في القانون المحال عليها، بسبب عدم توصلها بنسخته الأصلية والكاملة والنهائية.

وبحسب مالكي، فإن المحكمة اعتبرت أن هذا النقص جعل ملف الإحالة غير مستوفٍ للشروط والإجراءات المطلوبة، وبالتالي حال دون انتقالها إلى فحص مضمون القانون ومدى مطابقته لأحكام الدستور.

هل كان يمكن للمحكمة اعتماد مسار آخر؟

ويرى أستاذ القانون الدستوري أن قرار المحكمة يظل من الناحية القانونية ضمن سلطتها التقديرية، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً حول إمكان اعتماد مسار إجرائي آخر لتجاوز النقص الذي شاب ملف الإحالة.

وأوضح أن من بين الخيارات التي كان يمكن للمحكمة اللجوء إليها مطالبة الجهة صاحبة الإحالة، أي رئيس مجلس النواب، باستكمال وثائق الملف وإرفاقه بالنص الكامل والنهائي لقانون مهنة المحاماة كما صادق عليه مجلسا البرلمان.

وأشار مالكي إلى أن هذا الاحتمال يجد، في تقديره، ما يسنده في سوابق للمحكمة الدستورية، مستحضراً في هذا السياق تعاملها مع قانون المسطرة المدنية، حيث يرى أن المحكمة كان بإمكانها معالجة النقص الإجرائي دون أن يصل الأمر إلى عدم البت في الموضوع.

وفي المقابل، حمّل الفقيه الدستوري رئيس مجلس النواب مسؤولية التأكد من استكمال ملف الإحالة قبل إحالته إلى المحكمة، باعتبار أن الأمر يتعلق بمؤسسة دستورية يفترض أن تتوفر على الإمكانات القانونية والاستشارية اللازمة لتفادي مثل هذه الإشكالات الإجرائية.

القرار لا يعني سقوط حق الإحالة

وشدد مالكي على أن الأثر الأساسي لقرار المحكمة يتمثل في أنها لم تفصل في دستورية قانون مهنة المحاماة، وإنما أثارت عيباً شكلياً يتعلق بوثائق الإحالة، وهو ما ترتب عنه عدم الانتقال إلى فحص موضوع القانون.

ومن هذا المنطلق، يرى أن حق الإحالة لم يسقط، وأن بإمكان الجهة صاحبة الإحالة إعادة تفعيل المسطرة عبر استكمال الوثائق المطلوبة، وفي مقدمتها النص الكامل والنهائي للقانون.

كما اعتبر أن اختصاص المحكمة في مراقبة دستورية القانون لم ينقضِ بسبب القرار، لأن المحكمة لم تنتج أثراً على النص من خلال الحكم بدستوريته أو بعدم دستوريته، وإنما توقفت عند عدم استيفاء ملف الإحالة للشروط الإجرائية.

ويرى مالكي أن القول بانتهاء مسطرة الإحالة لمجرد انقضاء أجل الثلاثين يوماً المحدد للمحكمة لا يستقيم، في تقديره، إلا إذا كانت المحكمة قد فصلت فعلياً في موضوع الإحالة وأصدرت قراراً منتجاً لأثره الدستوري، سواء بإقرار مطابقة القانون للدستور أو التصريح بعدم مطابقته أو تصحيح بعض مقتضياته.

أما في الحالة الراهنة، يضيف المتحدث، فإن المحكمة لم تفصل في الموضوع، وبالتالي لم ينتج قرارها أثراً على مضمون النص المحال إليها، وهو ما يجعل مصير القانون، من هذه الزاوية، ما يزال معلقاً.

إعادة الإحالة.. المخرج الذي يقترحه مالكي

وبناء على ذلك، يرى مالكي أن الحل الدستوري الذي يبدو له أكثر ملاءمة ومنطقية يتمثل في إعادة رئيس مجلس النواب إحالة قانون مهنة المحاماة إلى المحكمة الدستورية بعد استكمال جميع وثائق الملف، حتى تتمكن المحكمة من مباشرة الرقابة الدستورية على النص النهائي وإصدار قرارها بشأنه.

وبعد استنفاد هذه المسطرة، يمكن أن ينتقل القانون، بحسب ما ستنتهي إليه المحكمة، إلى المراحل الدستورية اللاحقة المتعلقة بتنفيذه ودخوله حيز النفاذ.

ولفت الفقيه الدستوري إلى أن عدم البت في موضوع قانون المحاماة، بسبب عيب شكلي في ملف الإحالة، يمثل حالة غير مألوفة في تاريخ القضاء الدستوري المغربي، مشيراً إلى أنه، في حدود علمه، لم يسبق للقضاء الدستوري، منذ عهد الغرفة الدستورية، أن امتنع عن البت في موضوع إحالة بسبب هذا النوع من النقص الشكلي.

القانون بين النص الدستوري وسياقه السياسي

وفي قراءة أوسع لمآل قانون مهنة المحاماة، دعا مالكي إلى عدم النظر إلى المسألة من زاوية قانونية صرفة، مستحضراً ما يسميه علم الاجتماع القانوني بأهمية السياق في إنتاج القانون وآثاره.

وقال إن نفاذ القاعدة القانونية لا يتحدد دائماً بالنص وحده، وإنما يتأثر بالبيئة السياسية والمؤسساتية والاجتماعية التي تتحرك داخلها، معتبراً أن السياق الحالي لقانون مهنة المحاماة قد تحكمه متغيرات تتجاوز المسطرة القانونية نفسها.

وفي هذا الإطار، أشار إلى أن التوازنات السياسية والوطنية والدولية يمكن أن تؤثر في مآل النص وفي توقيت دخوله حيز التنفيذ، بما يجعل مستقبل القانون مرتبطاً، إلى جانب المسار الدستوري، بالسياق السياسي الأوسع الذي يوجد فيه.

وبذلك، يضع قرار المحكمة الدستورية قانون مهنة المحاماة أمام مرحلة إجرائية جديدة، بعدما انتهت المحكمة إلى عدم البت في موضوعه، فيما يظل الباب مفتوحاً، وفق قراءة مالكي، أمام إعادة الإحالة واستكمال مسطرة الرقابة الدستورية قبل أن يتحدد المصير النهائي للنص.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button