
عاشت دولة الهند خلال شهر مايو الماضى أزمة سياسية واجتماعية تطورت إلى مظاهرات مليونية قادها طلبة متفوقون تم حرمانهم من الالتحاق بكليات القمة ، وشبان متعلمون عاطلون عن العمل ، وقد تسبب رئيس المحكمة العليا فى نيودلهى العاصمة فى هذه الأزمة التى أطاحت بوزير التعليم من منصبه وكادت أن تطبح برئيس وزراء الهند ناريندرا مودى .
والحقيقة أن ناريندرا مودى كان مثار إعجاب كثيرين عندما وصل إلى موقع رئاسة وزراء الهند لأول مرة عام ٢٠١٤ ، وقد استقبلت شعوب آسيا حديثه المتكرر عن انتمائه لأفقر طبقات الشعب الهندى بارتياح شديد ، فهاهو شخص عمل منذ طفولته وحتى حصوله على شهادة التعليم الأساسى بائعا للشاى والمياه المثلجة فى كشك يملكه والده بمحطة قطارات ، يضع نهاية لتوارث النخبة السياسية الثرية حكم أكثر بلدان العالم فى الكثافة السكانية ، ولكن سرعان ماخابت الآمال فى هذا الرجل المسكون بعداء جنونى للمسلمين ، والمهووس ببناء قومية هندية متحالفة مع الاحتكارات المالية العالمية على حساب شعبه، وعلى حساب كل القيم الإنسانية.
لقد كان ” مودى ” هو أول رئيس وزراء هندى يزور دولة ” إخرائيل” عام ٢٠١٧ ، وهو دائم التباهى بعلاقته الوطيدة بالمجرم العتيد نتنياهو ، ولم يحدث أبدا أن تورط فى تصريح ضد المجازر وجرائم الحرب التى ترتكبها هذه العصابة المتوحشة فى غزة والضفة ، بل لم يتورع عن إمداد هذا الكيان المجرم بكل مايحتاجه من الذخائر والمعدات العسكرية فى حربه على ايران. ولقد لاحظ كثيرون أن هذا الرجل الذى بنى شهرته على الزهد والتواضع ، لايملك شعارا يدغدغ به مشاعر القاعدة الانتخابية فى بلده غير التنمر والسخرية من مسلمى الهند – حوالى ٢٠٥ مليون نسمة !- فهو يسميهم “الدخلاء الذين لايجيدون غير انجاب الكثير من الأطفال”.
والذى حدث أن سياسة هذا الرجل ، وتفضيله للاحتكارات المالية المحلية وتحالفه مع شياطين الصهيونية ، تسببا فى تدمير حاضر ومستقبل مئات الملايين من الشبان الهنود الذين يعانون منذ سنوات طويلة من تفشى البطالة ومن هشاشة ورداءة الوظائف المتاحة لأبناء الفقراء ،ومن بيع امتحانات القبول فى كليات القمة لأبناء الطبقة الثرية ، ومن إتاحة الوظائف المرموقة فى كل المجالات للقادرين على دفع مبالغ تتراوح بين ٢٠ و٥٠ ألف دولار حسب أهمية الوظيفة. ثم تطور الفساد إلى درجة تخصص مكاتب وشركات فى بيع شهادات مزورة للقادرين على شرائها ، وخلال السنوات الماضية نشطت بعض المنظمات الأهلية فى فضح ومقاضاة بعض الذين حصلوا على شهادات مزورة واحتلوا بموجبها مواقع وظيفية مهمة فى الوزارات وفى القضاء أيضا.
ويوم ١٥ مايو الماضى ( ٢٠٢٦) كانت المحكمة العليا فى نيودلهى تنظر واحدة من هذه القضايا ، وأثناء جدل عاصف بين أطراف القضية تطوع رئيس المحكمة القاضى ( سوريا كانت) بتصريح انتقد فيه الأشخاص الذين يمارسون التقاضى الكيدى ويهاجمون المؤسسات القضائية والحكومية عبر منصات التواصل الاجتماعى .. وقال القاضى نصا : ” هناك شبان كثيرين مثل الصراصير لايجدون مكانا لهم فى أى مهنة فيتحولون إلى منصات التواصل والصحافة والنشاط الحقوقى لمهاجمة النظام .. هؤلاء مجرد طفيليات تعيش عالة على المجتمع “.
فى اليوم ذاته قام شاب هندى اسمه ” أبهيجيت ديبكة” عمره ٣٠ سنة وحاصل على ماجستير فى الصحافة والإعلام الرقمى، بإعادة تدوير الإهانة إلى هوية نضالية ، فأطلق منصة رقمية ساخرة على الإنترنت تحت إسم ” حركة شعب الصراصير ” واستعان ” ديبكة” بالذكاء الاصطناعي فى كتابة بيان تأسيسى للحركة وإنشاء مواد بصرية عبارة عن شعارات ورموز وأزياء على شكل الصراصير ، وخلال أقل من ثلاث ساعات تحول إسم الحركة إلى حركة احتجاج عارمة ضد نظام حكم يتعامل مع الفقراء والكادحين وكأنهم حشرات غير مرئية رغم أنهم درسوا واجتهدوا وانتظروا فرص العمل والوظائف المستقرة دون جدوى.
فى اليوم التالى انتقلت الاحتجاجات من الفضاء الإلكترونى إلى حشود مليونية فى الشوارع والميادين عجزت الشرطة بكل ماتملك من أدوات قمع عن فضها ، فأصدر رئيس المحكمة العليا بيانا أكد فيه أنه كان يقصد بالصراصير هؤلاء الذين يزورون شهاداتهم ويهاجمون مؤسسات الدولة ، ولم يكن يقصد اطلاقا الشبان الطموحين الذين يعتبرهم أهم أعمدة الدولة ، ولكن اعتذاره لم يؤثر فى الشبان ، وبعد ساعات تورط وزير التعليم الهندى فى إصدار بيان أكد فيه عدم صحة بيع وظائف أو امتحانات أوشهادات لأبناء الأثرياء وأن هذه الاتهامات مجرد شائعات يروجها المغرضون الذين يريدون هدم الدولة !، فتسبب هذا النفى لما هو معلوم من الفساد ، فى اتساع عواصف الاحتجاج ونزل الملايين إلى شوارع نيودلهى العاصمة وطالبوا بعزل وزير التعليم ، وكانت المأساة الحقيقية عندما خرج الوزير فى اليوم التالى ليتراجع عن كل ماقاله ، ولبعترف بأن بعض كبار الموظفين فى وزارته تورطوا فعلا فى هذه الجرائم وأنه قام بإحالتهم إلى التحقيق وفسخَ العقود مع بعض شركات طباعة ونقل وتأمين امتحانات القبول بكليات القمة ، فما كان من حركة شعب الصراصير إلا أن طالبت بإقالة الوزير وإحالته للمحاكمة، ولكن “مودى ” العنيد رفض إقالة الوزير .
بعد أيام من اتساع الاحتجاجات وسقوط مصابين بسبب عنف الشرطة فى فض المظاهرات ، انتقلت المعركة إلى البرلمان ونزل ” رائول غاندى ” رئيس حزب المؤتمر المعارض لحزب الشعب الهندى الحاكم إلى الشارع ، وانضم مع أعضاء حزبه ونوابه فى البرلمان إلى المتظاهرين ، الذين نظموا مسيرات إلى منزل رئيس الوزراء وطالبوه بالاستقالة، ولكن مودى تركهم وسافر إلى المالديف ثم عاد فى اليوم التالى ليكتشف أن الأمور ستخرج عن سيطرة الشرطة ، فأصدر قرارا بعزل وزير التعليم ، ثم نشر فيديو وعد فيه الشباب الغاضب بإصلاح نظام الامتحانات وتشكيل لجنة قضائية للبت فى قضايا الفساد الأكاديمى.وبعدها بأيام أعلنت حركة شعب الصراصير عن اكتفائها بعزل الوزير الفاسد ومحاكمة عدد كبير من تجار الامتحانات والشهادات والوظائف، مع استمرارها كحركة ضغط مدنية لمتابعة حقوق العاطلين وإصلاح نظام التعليم الفاسد.
المثير واللافت فى هذه الأزمة التى عاشتها الهند ، أنها طرحت قضية على جانب كبير من الأهمية ، تتعلق بهؤلاء السياسيين الكبار الذين صعدوا من قاع المجتمع إلى قمة السلطة ، وبدلا من العمل لصالح الغالبية العظمى من شعوبهم يختارون بمحض إرادتهم الإنتماء إلى النخبة السياسية والمالية المسيطرة عالميا ، وينتهجون سياسات تعمق فقر الفقراء وتزيد ثراء اللصوص والمغامرين والسفاحين ، فرئيس المحكمة العليا الذى وصف المعترضين على فساد الامتحانات والتوظيف بأنهم صراصير ، ينتمى إلى أسرة متواضعة جدا ، شق طريقه إلى أعلى منصب قضائى بعصامية شديدة ، وكان إلى وقت قريب مثار إلهام لملايين الشباب الفقراء ، ومودى رئيس وزراء الهند الذى منعه الفقر من الانتظام فى الدراسة وحصل على بكالوريوس العلوم السياسية بنظام التعليم المفتوح ، تحول من عصامى ملهم ، إلى محرض على الطائفية وإلى أقوى وأهم داعم للشركات الاحتكارية العملاقة التى سيطرت على معظم الأعمال فى بلاده، وتسببت فى مزيد من إفقار الطبقة التى أنجبته.
* كاتب مصري





