
بقلم عبد العالي الوالي :

لقد شكل المقدس عبر التاريخ مفهوما اجتماعيا وانشغالا تطرح حوله العديد من الأسئلة الملحة والتي تتجدد بتجدد مظاهره وباختلاف أوجهه مما جعل منه ظاهرة اجتماعية مركبة يصعب الإحاطة بها. ليبقى بذلك المقدس عنوانا مفتوحا على كل المجتمعات الإنسانية، وعلى كل الأزمنة والأمكنة وحتى على المنطوق والمكتوب من الكلام، في الحكاية وفي الأشعار والزجل وخاصة المقدس الضارئحي. ويؤكد ذلك حضوره القوي في مطلع القصائد البدوية التي تجسد حضور هذا المقدس في التمثلات الاجتماعية إلى أن أصبح يشغل بال المنشدين والناظمين. وهو ذات الشأن بالنسبة للقيم الاجتماعية التي رافقت الوجود الإنساني على أرض هذا الكون، قيم إنسانية تندرج ضمن البنيات الاجتماعية وتؤطر العلاقات والتفاعلات الإنسانية وتضمن صيرورتها. وتجسد قصيدة الشيخ مولاي عبد الواحد الاسماعيلي الملقب بـ”السي حاد” المعنونة بـ “نوض أرقّاصي”(1) إحدى القصائد ذات الانتشار الواسع محليا، والتي افتتحها بمقدمة ذكر في مطلعها المجال الجغرافي الذي يود محاورته من خلالها وهو منطقة ميسور.
” نوض أرقاصي وسير لميسور”
وفي رواية أخرى “وصل لميسور”، ذلك لان مقامه كان بـ”ويزغت” وهي إحدى المناطق البعيدة عن مركز ميسور بما يقارب (30كلم)، منطقة معروفة بالزجل و تنتمي لميسور لكن اسم ميسور اشتهر عند أهل المنطقة بالدواوير التي تنتمي لجماعة سيدي بوطيب، وقد أصبحت جماعة مستقلة بذاتها بفعل التقسيم الإداري. والمجال هنا لا شك له رمزيته الاجتماعية والروحية التي جعلت منه موضوعا يتغنى به الشعراء ويتفاعلون معه. وأظهر الناظم في قصيدته مدى أهمية المقدس الضرائحي الحاضر في التمثلات الاجتماعية والمتمثل في ضريح الولي الصالح سيدي بوطيب ” مول العرݣوب”(2) والذي تعتبر زيارته من أولويات طقوس العبور إلى هذا المجال، الشيء الذي يؤكد معرفته الجيدة للمنطقة وارتباطه الوثيق بعاداتها وطقوسها ومواثيقها العرفية.
” أو زور مول العرݣوب ودغیا احضر”

كما أن حضور المقدس الضارئحي وذكر الأولياء الصالحين بيّن في كثير من قصائد الشيخ، وهو ما يؤكد الحضور الاجتماعي الواسع للأولياء في المنطقة وفي التمثلات الاجتماعية لأهلها، وخاصة المناطق التي تعيش على ضفاف ملوية أو أم الأولياء كما يحب أن يلقبها أهل المنطقة، مؤكدا أن رضا الولي سيدي بوطيب ربح كبير ومن لم ينله فقد باء بالخسران الشامل والعام، وهو اعتقاد جازم بقدرته وتأثيره وببركته.
” ݣدّامهم سيدي بوطيب فالبلان
حتى هو راه في د الجورنال
اللي ما دّاش رْضاتو كاملو اخسر”.
وذكر “الشيخ السي حادْ” بعض محاسن الأخلاق وقيم الجود والكرم التي تميزت بها بعض العائلات الميسورية بذكر بعض أفرادها ومنازلها، قيم ظلت ثابتة معهم حاملة للمعنى الحقيقي للمجتمع الميسوري. مبرزا طبيعة العلاقة التي تربطه بأهلها والتي وصلت حد الأخوة وهي صلة اجتماعية قويمة وقوية بمثابة صلة الدم “مْشاركين الدم” أي أبناء عمومة أو يجمعهم النسب. ولم يتردد الشيخ “السي حاد” في ذكر الأماكن التي زارها بأسمائها( القصور)، وهو شأن مقصود قد يساهم بشكل أو بآخر في إعادة إنتاج تمثلات إيجابية حول تلك المجالات أو الأماكن التي ذكرها، باعتبارها مجالات اجتماعية وليست جغرافية فقط. فقال في قصيدته:
“أوْلاد سْݣير(3) ݣاع عندي خيّات…منين توصل ليهم اهْضر بالتبات
راها من زمان ليهم نعطات…يقوموا بالخير جواد وأكثرّ…”
ومما لا شك فيه أن حضور المرأة في القصائد البدوية كان ولا يزال حضورا قويا يلامس الوجدان والأفكار، ويراوح ما بين محاسن الأوصاف التي تتمثل في ظاهرِ المرأة من جمال وحسن فاتن يحرك في الناظم ملكة الإبداع ونظم القصيد، وما بين محاسن الأخلاق التي تتمثل في القيم الاجتماعية السمحة، من جود وكرمن، والخصال الحميدة والمحبّة التي تميزت بها المرأة في جل المجتمعات الإنسانية. حيث إنها قادرة على لمّ الشمل والمحافظة على لحمة الجماعة” العائلة” من التفكك والتشتت ورمزا للثبات أمام أوجه التغير التي طالت المجتمعات ودليل ذلك قول الشاعر:
“أم ولاد بوشتى عربية…في ولاد سݣير راها بنيا
سير أرقّاصي ودير مزية…ݣولها راه عْطاك الله الستر”

وجاء الشاعر على ذكر بعض المظاهر الاجتماعية التي تخالف قيم الجود والكرم السائدة في المنطقة ولو أن الأمر ذكر بطريقة فيها بعض اللطف وكأن الأمر قد صعب عليه ذكره، ولكن صراحته كانت تحمل طابع الاحترام، أو حاول أن يجد لهم العذر وعدم الاحتكام لسوء النية الذي قد يخالف العرف في المجتمعات الصغيرة المحلية كهذه. ولأنه كذلك كان يرغب في أن يحكي عن أخبار هذا الدوار لكن أحدا لم يفتح له الباب أو كما قال:
“لولاد سليمان ݣاع ما جبت اخبار…كا ندوز عليهم فم باب الديار
حتى واحد ما وݣف ليه العار…إدخّلني نجيب حساب لكصر…”
وبالتالي فالمجتمع الميسوري في نظر الشاعر مجتمع موسوم بقيم الجود والكرم والسخاء التي ألهمت الشاعر وجعلته يتغنى به من خلال نظمه الزجلي الذي لا يزال يعيش بيننا إلى حد الآن. وللشيخ مولاي عبد الواحد قصائد كثيرة ومتعددة منها” الدّامية، لْمّاس الحافية، خلّيني نبكي بالدموع، خوي الدنيا خسرت والمسكين نحݣرْ، صابغ لشْفار، ياخوي بغيت نخطرْ، يا مرسولي نوض توصل لحليمة ” وقصائد ذات حمولة قيمية متعددة ومشاهد مختلفة لواقع اجتماعي زامن أو تزامن مع مجالات أو أمكنة محلية مختلفة. إضافة إلى رائعته الخالدة في الأذهان والموسومة بعنوان ” بودوّاح”(4) وهي قصيدة فيها من الجمال والدهشة والعفوية والصدق، صدق العاشق الولهان الذي لحقه غدر مرسوله أو “رقّاصه” كما جاء على حال لسانه:
“و را رقّاصنا يدي الذنوب بكثرة اللعوب
لبدة خبرو يوصلو مݣلوب والف بالغدر “
والرقّاص أو المرسول بالغ الحضور في التمثلات الاجتماعية وفي قصائد “شيوخْ الكلام” بالمنطقة ومنها:
” نوض أمرسولي تحزم ولميسور غدّا اقدم .. يا مع الزايخة تكلم شوف النفخة والعناد
اعطيها البرا واسّاخر تقرا العنوان بالجهر .. وجبها(5) وليك تهضر قيل النقصان والزياد”
“يا مرسولي نوض توصل لحليمة .. واعطيها البرا وتقرا عنواني
وعلمني في الحين لزين التبسيمة .. كولها رجعي غرامك رشاني”(6)
” غيبت آ الزايخة دي شهرين ما رسلت رقاص ولا شي برية “
” سير أرقاصي لقايد لبنات .. لحميمة الطوبية سكّانتْ لوْعرْ
كوليها في حبيبك نقضات .. واش تبْتِ ول ما جبتي خْبرْ”(7)
“يا مرسولي نوض بكّر سقسي في رقية وسال…يامرسولي نوض بكّرنعطيك مّايْر الغزال”(8)
والأمثلة على ذلك كثيرة. لكن يبقى الرقاص شخصية كانت تلعب دور الوساطة في تبليغ رسائل العشق والغرام وغيرها من الرسائل. وقد يكون الرقاص رجلا أو امرأة، وله دور مهم في عملية التواصل الاجتماعي في مراحل غاب فيها الهاتف النقال ومواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت تلعب هذا الدور الهام في الحياة وفي بناء العلاقات والروابط الاجتماعية المتعددة الصور والأوجه. كما يؤكد على أن الثقة أصبحت تتلاشى من الواقع الاجتماعي. ويقنع نفسه بضرورة الحذر لان الصداقة والصحبة كقيم اجتماعية وصور من صور العلاقات الإنسانية، ليست جيدة في كل الأحوال وقد لا تطول. وهو أمر يمكننا أن نلاحظه في مجتمعاتنا الحالية.
“يا خوي ما كانش فاش تيق ودّيرو صديق
أيا راسي ك يخص تفيق أمعمي لبصر
را الصحبة هاد الوقت ما تمّاش وما طايلاش”

وختاما يمكننا القول على أن القصيدة البدوية تبقى عملة صعبة في الأوساط الاجتماعية القروية، وأحد البنيات الأساسية في الثقافة الشعبية، والتي أصبحت مع الزمن تستهوي الشباب رغم الزحف القوي للحداثة التي حملت معها رياحا مختلفة لم تقدر على إزاحتها من الواجهة الثقافية، أو إخراجها من السياق الثقافي العام الذي يعيد إنتاجها. وبالتالي تبقى حاضرة في كل المحطات وراسخة في التمثلات الاجتماعية بنفس المكانة التي كانت عليها وربما أكثر، لأنها تمثل الارتباط والانتماء والهوية التي ينتجها الحنين والرغبة في العودة نحو الأصل. ولذلك وجب التفكير فيها بجدية من أجل تطويرها وتسويقها كمادة فنية وتراثية بما يساهم في خلق تنمية ثقافية واجتماعية واقتصادية من خلال استغلالها في المجال السياحي، نظرا لقدرتها على اختراق النفوس وعلى التسويق للمنطقة والتعريف بها برمزية فيها من الجمال ما يقري العين ويجلب الراغبين في تذوق الكلمة والاستمتاع بـ” لْمعاني” من خلال القصيد الشعبي.
*شاعر وباحث سوسيولوجي
الهوامش:
[1] نوض: دعوة للوقوف والتحرك بسرعة نظرا لأهمية الخبر الذي يتجسد في إيصال رسائل الشيخ” البروات” كما هو مذكور في القصيدة. الرقّاص: وهو المرسول أو الوسيط.
2 هي المنطقة أو الهضبة الصخرية العالية التي بني عليها ضريح الولي الصالح سيدي بوطيب وهي مكان يطل على ميسور القديم ولهذا لقب بها هذا الولي ويقال له مول العرݣوب.
3 قبيلة من القبائل العربية التي استقرت في المنطقة وهو نفس الاسم الذي يحمله الدوار وينتمي إداريا لجماعة سيدي بوطيب.
4 بودوّاح: واسطة العقد (القلادة).
5 واسّاخرْ: ارجع للخلف، وجبها: جاوبها بالقياس
6 مقتطفات من قصائد الشيخ مولاي عبد الواحد الاسماعيلي الملقب بـ” الشيخ السيحاد”
7 مقتطفات من قصائد الشيخ بن دحمان البوكايسي.
8 مقتطف من قصيدة للشيخ محمد بن شليخ من دوار ولاد بوخالفة. بكّر: باكرا، مّايرْ: الأمارة.




