‏آخر المستجداتفنون وثقافة

عز الدين بوركة* يكتب: في عودة القصيدة الما بعد حداثية إلى التصوّف

يكاد يكون الشعر هبة الآلهة، أو هبة الأولمب، أو بالأحرى إنه الشيء الذي نمتلكه ونمارسه ونهتدي به بدون أن نعلم من أين قد أوتيناهُ.

يندرج الشعر في خانة الفنون التي ينتجها الإنسان ويهتدي بها إلى عوالمه الداخلية وعالمه الخارجي، إنه شيء “منا” من حيث هو اللغة شفوية ومكتوبة، ومن حيث أن اللغة هي “نحن”. فلا يمكن أن نميّز بين القائل والمقول، بين الشعر والشاعر، بين اللغة والإنسان.

“الشعر ضرورة، وآه لو كنت أعرف لماذا؟” هكذا كتب ذات يوم الشاعر الفرنسي جان كوكتو وهو يتحدث عن هذا الشيء الشفاف المسمى شعرا. لا أعلم قوما لم يكتبوا الشعر ولم يجعلوه أمرا مقدسا، أو جزء من طقوسيتهم وحياتهم اليومية، ولا أعلم قوما مثل العرب قدّس الشعر كما قدسوه. فالقصيدة عند العرب تتجاوز اللغة أحيانا كثيرة، بل إن اللغة صنيعة القصيدة، فيصير الواقع كله لغة ورهين الشعر /القصيدة. من حيث أن الشاعر هو الذي يسمي الأشياء كلها، إنه يمتلك “سلطة التسمية”، هذه السلطة التي يجعل القصيدة مركزا سريا وعلنيا لها. فتكاد القصيدة تصير أداة “ديكتاتورية ” بيد الشاعر، يضرب بها أعداءه ومن يشاء، ومن يجرُأ أن يكون عدوا لشاعر !!.

ولجت القصيدة ما بعد الحداثة، فتجاوزت الصحراء وغنائيتها، وتجاوزت الصراع السياسي والإيديولوجيات وصراعاتها، لم يعد الشاعر هو ذلك الذي يشعر الأشياء ويكتبها، أو ذلك الذي يمتلك حسا رهيفا أو حساسا وعاطفيا، فالشاعر امتلك ساطورا وشاقورا وبندقية، بل دبابات وغزى عوالمَ وأدغالا كانت صعبة ووعرة ومخيفة، لقد فتح أراضيَ لم يكن من المستطاع حتى الاقتراب من حدودها… كتبت ذات نص الشاعرة الأمريكية إيميلى ديكنسون: “حين أشعر وكأنني مشدودة من أخمص رأسي، أعرف أن هذا هو الشعر”، كأن الشعر تجاوز “القلب”، باعتباره مركز لاستشعار والشعور والإحساس عند القدامى، وصعد إلى الأعلى ونزل إلى الأسفل، والتبس لبوسا مغايرا، وولج منافذَ لم يكن توقع ولوجه إياها… إنه الشعر هكذا ينبع من أخمص الرأس ومن أخمص القدم…. فالقصيدة “الما بعد حداثية”، وأهوى استعمال لقب “ما بعد القصيدة” الذي أقتبسه من الشاعر صلاح بوسريف، هي تداخلات لأجناس عدة، لكل جنس قوامه وركائزه وثوابته (التي تنهار في ما بعد القصيدة)، فقصيدة ما بعد الحداثة ليست صنيعة تيار محدد أو أفقا مرسوم سلفا، فليس لها أوزانا تتكئ عليها ولا تفاعيل تستند عليها، وليست نثرا تسبح فيه بعماء. فهي قصيدة تستطيع أن تخرج من ذاك وتثور على الآخر، وتستطيع أن تجمع بينهما في سرير واحد.

ولأن “الفن ابن زمنه” ووليد عصره حيث يترعرع ويكبر ويشتد عوده، فالشعر فن متجدد مع كل عصر وليس رهين القوالب الجاهزة والقواعدَ السالفة، ولأن الشاعر لم يعد يبحث عمن يتبع خطواته كحواريين أو صحابة وتابعين، فلم يعد الشاعر ينتظر وحيا أو نبوءة، بل إنه يبحث عن القارئ المجهول، يبحث عن من يحيا فيما هو يموت. فلم تعد القصيدة أو ما بعد القصيدة تبحث عن أن تصير “كتابا مقدسا”، بل أن تكون “ما بعد القصيدة” لا غير.. تحيا في تجدد وتوالد مستمر وتغير لا ينقطع، بفعل القراءة المتجددة لها والمتعددة. هذا ما يهب القصيدة إكسيرها الفنيقي، إذ تصير خالدة وإن تم نسيانها بين أدراج المكاتب وعلى رفوف المكتبات، فــ”الما بعد قصيدة” تبحث عن أن تمتلك صورا شعرية بألوان الحرباء، صور تتخذ أشكالا تتجدد وتغيّر جلدها وألوانها وشكلها مع كل فضاء جديدة، مع كل قارئ جديد. فالقصيدة الما بعد حداثية لا تهاب نفسها لقارئ واحد، إنها “مومس” -بهذه العبارة- ولا تشيخ، قادرة على أن تمتلك قلب أي قارئ وأن تأخذه إلى سرير رغبتها، لتتولد لذة من شبقية القراءة، وتنتعش هي بروح جديدة، تسرقها من بذهنية القارئ المتحمس لإفراغ لذته سريعا أو بطيئة. وكم أهوى اللذة البطيئة!  تلك اللذة التي تُطهى على نار هادئة لقصيدة.

فكتابة الذات أو الذاتية والانزياح نحو الهامشي والزائل والعابر éphémère، لقد عاد الشعر وعادت معه القصيدة وما بعدها إلى عوالم الصوفي وسلالمه وغموض تعابيره، فمن الغموض تتولد غيمات ماطرة بأسئلة غزيرة، تجعل القارئ ليس أمام نص لا يستطيع فكّ شفرات كما يتوهم الواهمون، فبئسا للواهمين!  بل إنه نصٌ ممتلئ بقراءٍ نائمين، على كل قارئ أن يجد ذاته النائمة ليوقظها. فليس غرض الغموض صناعة الغموض، بل جعل القارئ يسبر أعماق ذاته ويبحث عن نفسه بين الكلمات، التي تأتي كمطبات الذات. بينما يهوى شعراء مابعد حداثيون آخرون، كتابة قصيدة شبيهة بنهر هادئ السطح، لكنه هدار في أعماقه وعميق، وكم من عجائب في النهر لا توجد خارجه !. بينما يهوى شعراء آخرون أن يكتبوا قصائد شبيهة بالمحكيات عامرة بالأساطير المعاصرة والغابرة، تشم فيها حساء القرون الوسطى وطبخ العظام في كهف استوائي، ونكهات إيطالية أو فرنسية أو مشرقية أو في أقصى دول القارة الفتية، نكهات تمّ اكتشافها للتو. بينما لا يكتب آخرون سوى “ما بعد القصيدة” لا يهمه أي شيء من هذا أو ذاك، بل لم يسمعوا سوى ما يكتبون.

تتعدد أساليب القصيدة الما بعد حداثية، من سرد ومحكيات ونثر وغنائية داخلية، وحوارية (منولوغات) والجامعة بين الموزون والمنثور، والبرقية والشذرية والسريالية والكاليغرافية والمتشظية، وذات الصورة المركزية، والتكرار، والمأثور…. فليست كما يعتقد مُعتقد واهم أن قصيدة ما بعد الحداثة أو “ما بعد القصيدة” هي قصيدة النثر فحسب، بل إنها تتجاوز القصيدة المنثورة والموزونة والمُفعّلة إلى التداخل والتجانس، بل تجاوز كل هذا إلى الشعر بالمعنى الأدق والأحق، إلى الصورة الشعرية وحلم يقظة كما يحلو لباشلار وصفها. وما ميلها إلى الجنائزية والموت وقدسيته، إلا رجوعا لما يحمله هذا الأخير من قلق وجودي لا ينزاح عن كتف الإنسان /الشاعر، فالموت مطاردنا المحتوم، إننا لا نولد إلا ومعنا العداد التنازلي للموت. أما الخراب فهو شكل العالم الخارجي، والفوضى معناه، فلا نظام إلا الفوضى، أما الشاعر وإن يوظف الخراب والجنائزية والفوضى فليس لغرض في ذاتها، بل إدراك منه لدوره كمحارب للموت، سلاحه “خلود القصيدة”.

فالقصيدة الما بعد حداثية، لا تعيش أبدا اليوم نهايتها أو حتفها أو انهيارها ولا “سنّ يأس” لها. فهي مازالت فتية وستطل شابة لا تشيخ، فلها إكسيرها الفينيقي، الذي يحيها قبل أن تموت، إنها امتلك الصورة الشعرية وتجاوزت القولبة والتجنيس، واستحال القبض عليها في قفص، إنها الآن حرة طليقة، لا أرض لها ولا سماء والبحر ولا بر. إنها ابنة الهواء وابنة الروح، فلا مستقر لها إلى يوم يُبعثون. هذا ما يجعل الشعر اليوم شعرا “مابعديا” ليس رهين اللحظة أو الزمن أو حتى العصر، وليس رهين انتفاضاته وثوراته وحتى لغته، إنه إذ يأتي من اليومي والهامشي والذاتي، ليحفر أنفاقا في الأعماق ويسبر الفضاء ويتحرر من القيود، فتصير صُوَره تُجَدّدُ نفسها مع كل “جيل”. فما بعد القصيدة أفق متجدد.

*(شاعر وناقد جمالي)

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button