
سنة 1962 زار السفير الأمريكي بالرباط، مختلف القيادات الوطنية محاولا إقناعهم بالبرنامج الاقتصادي/الاجتماعي الذي وضعته الإدارة الأمريكية لصالح المغرب. كانت الولايات المتحدة الأمريكية لها سمعة طيبة وسط الجماهير المغربية، وحتى لذى الأحزاب السياسية لكون واشنطن لم تظهر أنيابها بعد -أو على الأقل لم تعرف هذه الأنياب وسط المغاربة- وكانت المقارنة بينها وبين الاستعمار الفرنسي/الإنجليزي تميل لصالح الولايات المتحدة، خاصة أن المساعدات الأمريكية الغذائية على الأخص كانت تملأ الأسواق المغربية/الشعبية: دقيق وحليب مجفف وزيوت وأجبان ومكتوب على علبها وأكياسها : «هدية من الشعب الأمريكي»، وبالتالي فأي اقتراح من واشنطن آئنذ كانت له خلفية النية الحسنة من الأمريكي الهادئ، علما أن الجلاء العسكري للقواعد الأمريكية تم بسلاسة أثناء الاتفاق مع حكومة عبد الله إبراهيم 1958-1960، لذلك تشجع الأمريكيون ووضعوا /اقترحوا برنامج اقتصادي جديد يحل -كما يبدوا- محل المخطط أو التصميم الخماسي الذي وضعته لجنة واسعة من الفعاليات المغربية وتم تبنيه من طرف السلطان المغفور له محمد الخامس 1927-1961، وذلك في خطابه بتاريخ 18 نونبر 1959 : «سنواصل ما بدأناه هذه السنة لتحرير اقتصادنا ونشرع في تطبيق التصميم الخماسي» -الخطاب منشور بالجريدة الرسمية العدد:3367 بتاريخ 27 نونبر 1959-، والتصميم الخماسي يتميز بتغيير الزراعة في الريف إلى الشاي واستغلال منجم الناضور لبناء قوة صناعية وإنشاء فلاحة ذات بعد تقني مع توزيع الأراضي على الفلاحين لمردود أكثر إنتاجية ومناسب لعيش المغاربة ومحاربة الأمية بشكل مكثف، وإنشاء تعليم وطني /مهني، فضلا عن اقتصاد جماعي ومحاربة الجريمة الاقتصادية والإثراء.
فما هو المشروع الأمريكي؟ يتركز المشروع الأمريكي الذي أصبح نافذا والمقترح من السفير الأمريكي في 1962 على الأسس التالية:
أولا: أن أوروبا خرجت من حرب طاحنة وفقدت 40 مليون فردا من الحرب العالمية الثانية، وهي في حاجة ماسة إلى يد عاملة يتوفر عليها المغرب المجاور لأوروبا.
ثانيا: أن بوادر نشوء طبقة متوسطة الثراء وحتى ثرية ستولد أو ولدت ستحتاج إلى عطل وراحة في أقرب نقطة جغرافية، فيجب تهييئ البنية السياحية في المغرب لاستقبال هذه الأفواج باعتبار المغرب أقرب نقطة جغرافية.
ثالثا: أن الاختلاف المناخي بين أوروبا والمغرب فارق، إذ أن البواكر/الحوامض والفواكه، وحتى الخضر تنضج في المغرب قبل نضجها في أوروبا بأسابيع وحتى أشهر، فآن الأوان لتهيئ الأراضي الفلاحية للبواكر والتخلي عن الفلاحة المعيشية وإنشاء فلاحة مرتكزة على التصدير. وبالتالي التخلي عن القمح والشعير والذرة التي يمكن شراءها بثمن أرخص من السوق العالمية؛
كان رفض الحركة الوطنية حادا لهذا البرنامج حتى أن الاتحاد المغربي للشغل في خطاب للراحل المحجوب بن الصديق 1916-2010 أكد: «لا لتصدير اللحوم البشرية» في خطاب فاتح ماي 1963، إلا أن البرنامج تم الأخذ به رسميا وطبق بحذافيره تقريبا، إذ بدأ تهجير العمال – وفيما بعد العاملات- نحو أوروبا، وتم تهييئ الفنادق وتأسيس بنية سياحية تنافس البلدان السياحية في العالم الثالث.
أيضا فإن الأراضي الفلاحية تحولت إلى زراعة الحوامض للتصدير والفواكه، واكبتها هجرة ضخمة نحو المدن القديمة/الجديدة، والذين فقدوا الماء الذي استولت عليه الشركات الفلاحية الضخمة مع حملة إعلامية / رسمية بجدوى البرنامج وإصدار قوانين مضادة اجتماعيا، ورافقته الرغبة في التهجير نحو الخارج، وهجرة داخلية ونشوء أحياء الصفيح التي ضمت الملايين من التي انعكس عليها البرنامج الأمريكي أياه، ورغم توقف الهجرة الشرعية أو المنظمة أو الرسمية، فإن الهجرة اللاشرعية لم تتوقف، وأضيفت لها هجرة من الغرب الإفريقي محاولة الوصول إلى البر الأوروبي هي الأخرى، واضطرت السلطات الوطنية إلى حراسة مزدوجة، ورغم أن المغرب ليس له حدود برية مع أوروبا، إلا أن الاحتلال الإسباني لمدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية زاد من استفحال المأساة التي ظل يعاني منها المغرب منذ القرن الخامس عشر ميلادي تاريخ احتلال المدينتين؛
*بـــاحـــث





