
كش بريس/التحرير ـ
في خطوة ذات دلالة رمزية وسياسية، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، صباح الجمعة، قراراً تقدمت به المجموعة الأفريقية يفتح النقاش حول الطريقة التي جرى بها تمثيل العالم على الخرائط، ويدعو إلى اعتماد تصورات خرائطية أكثر إنصافاً ودقة في تمثيل المساحات، ولا سيما مساحة القارة الأفريقية.
وحظي القرار بتأييد واسع بلغ 164 صوتاً، مقابل صوت أمريكي واحد رافض، فيما امتنعت ست دول عن التصويت، هي إستونيا ومولدوفا وأوكرانيا وليتوانيا وصربيا وجورجيا، في مشهد يعكس اتساع التأييد للمبادرة الأفريقية داخل الجمعية العامة.
وتولت توغو قيادة المفاوضات بشأن مشروع القرار، الذي قدمه وزير خارجيتها روبرت دوسي باسم المجموعة الأفريقية، بدعم من الاتحاد الأفريقي. وأكد دوسي أن المبادرة لا تستهدف إلغاء إسقاط مركاتور، الذي لعب دوراً مهماً في الملاحة، كما أنها لا تسعى إلى فرض نموذج خرائطي واحد على العالم، موضحاً أن الغاية تتمثل في إعادة النظر في الطريقة التي تُعرض بها أحجام القارات ونسبها أمام الأجيال.
وقال الوزير التوغولي إن «الخريطة العادلة لا تغير جغرافية العالم، بل تغير نظرتنا إليه»، في عبارة تختزل البعد الرمزي للمبادرة التي تتجاوز الحسابات التقنية للخرائط إلى سؤال أكثر اتساعاً يتعلق بصورة العالم التي تنتجها الخرائط وتعيد ترسيخها في الوعي الجماعي.
ويستند القرار إلى اعتبار أن الخرائط ليست أدوات تقنية محايدة بالكامل، وأن الطريقة التي يتم بها إسقاط سطح الأرض الكروي على خريطة مسطحة يمكن أن تنتج فروقاً كبيرة في تمثيل أحجام القارات والمناطق. وترى الجمعية العامة أن هذه الاختلالات المتوارثة تاريخياً يمكن أن تكون لها انعكاسات معرفية وتعليمية وثقافية وجيوسياسية واجتماعية واقتصادية، وأن تصحيحها قد يسهم في تعزيز الاعتراف والإنصاف، خصوصاً بالنسبة إلى أفريقيا.
مركاتور تحت المجهر
ولا يتضمن القرار حظراً لإسقاط مركاتور، ولا يفرض اعتماد بديل محدد، وإنما يشجع الحكومات والمؤسسات التعليمية والمنظمات الدولية وشركات التكنولوجيا على استخدام إسقاطات متساوية المساحة عندما يكون الهدف هو المقارنة الدقيقة بين أحجام المناطق والقارات.
ويشير القرار إلى أن إسقاط مركاتور، المستخدم على نطاق واسع في الخرائط والملاحة، يؤدي إلى تضخيم المساحات كلما ابتعدت المناطق عن خط الاستواء باتجاه القطبين. ونتيجة لذلك، تبدو بعض المناطق الشمالية والجنوبية أكبر من مساحتها الحقيقية، في حين تظهر أفريقيا، التي تقع نسبة كبيرة من مساحتها في المناطق المدارية، بحجم أصغر نسبياً مقارنة بمناطق أخرى.
ولهذا السبب، يشجع القرار على استخدام إسقاط الأرض المتساوية وغيره من الإسقاطات متساوية المساحة في الحالات التي تكون فيها المقارنة بين المساحات ذات أهمية، باعتبارها أكثر ملاءمة لعرض النسب الحقيقية لأحجام الكتل القارية.
كما تدعو الجمعية العامة إلى تعزيز الوعي بحدود الخرائط المسطحة، باعتبار أن أي خريطة ثنائية الأبعاد لكوكب كروي تنطوي بالضرورة على قدر من التشويه، سواء تعلق الأمر بالمساحة أو الشكل أو المسافة أو الاتجاه. ومن ثم، فإن الإشكال لا يتعلق فقط باختيار إسقاط معين، وإنما أيضاً بضرورة تعليم المستخدمين كيفية قراءة الخرائط وفهم ما يمكن أن تخفيه عملية تحويل الكرة الأرضية إلى سطح مستوٍ.
من التقنية إلى سؤال التمثيل
وتمنح الوثيقة الأممية لهذا النقاش بعداً يتجاوز علم الخرائط، حين تربط بين التمثيل البصري للعالم وبين الطريقة التي تتشكل بها التصورات الجماعية حول أهمية المناطق ومكانتها. فالخريطة، وفق هذا المنظور، ليست مجرد وسيلة لتحديد المواقع والمسافات، وإنما أداة معرفية يمكن أن تؤثر في الطريقة التي نتخيل بها العالم ونرتب أجزاءه في أذهاننا.
ومن هنا تكتسب أفريقيا موقعاً مركزياً في المبادرة؛ إذ ترى الدول الأفريقية أن الصورة التقليدية التي تقدمها بعض الخرائط العالمية لا تعكس بصورة عادلة الحجم الفعلي للقارة، وأن استمرار استخدام تمثيلات مضللة للمساحات في التعليم والإعلام والفضاء الرقمي قد يرسخ، بصورة غير مباشرة، تصوراً غير متوازن عن موقع أفريقيا في الجغرافيا العالمية.
غير أن الولايات المتحدة اختارت معارضة القرار، معتبرة أن القضية تتجاوز حدود التصحيح التقني للخرائط. فقد وصف مندوبها القرار بأنه «يسخر من عمل هذه المؤسسة وأهدافها»، معتبراً أن ما يقدم باعتباره مبادرة لتحديث التمثيل الخرائطي يخفي، في نظر واشنطن، مشروعاً أيديولوجياً أوسع.
واستند الموقف الأمريكي كذلك إلى الإشارات الواردة في القرار إلى قضايا من قبيل التعويضات و«العدالة المعرفية»، إذ اعتبر المندوب الأمريكي أن إدخال هذه المفاهيم في مثل هذه المبادرات يمثل عائقاً أمام عمل الأمم المتحدة، وقد يسهم في إضعاف مصداقيتها.
وبين الموقفين، تبدو المعركة حول الخريطة أبعد من كونها خلافاً بين إسقاطات هندسية. فحين تصبح مساحة قارة ما أكبر أو أصغر على الورق مما هي عليه على سطح الأرض، فإن السؤال الذي يطرح نفسه يتصل أيضاً بمن يمتلك حق تعريف العالم وتمثيله، ومن يحدد الصورة التي يتعلمها الأطفال في المدارس ويستعيدها الجمهور على الشاشات والكتب والخرائط الرقمية.
وهكذا، تضع المبادرة الأفريقية «الخريطة» في قلب نقاش أوسع حول المعرفة والتمثيل والسلطة؛ إذ لا تتغير جغرافية الأرض بتغير الإسقاطات، لكن الطريقة التي نراها بها يمكن أن تتغير. وربما تكمن أهمية القرار الأممي في أنه أعاد فتح سؤال بدا، لوقت طويل، تقنياً ومحايداً: هل الخرائط التي اعتدنا النظر إليها ترسم العالم كما هو، أم كما اعتدنا أن نراه؟





