‏آخر المستجداتفنون وثقافة

الأغنية الشعبية الطربية المغربية بين ذاكرة الرموز وجيل النُّسَخ المُستهجنة (حميد الزاهر نموذجا)

أحمد الشيخاوي

دعوني أشبّه ما يجدر أن تكون عليه العلاقة ما بين المبدع والوطن، بصلة أو ” رحِمية”، نسبة إلى الرحم، بالطبع، ووشائج الجدة للأم، بالبكر، أول العنقود من الأحفاد، باعتبارها جنةـ مجازاـ لا تنضب شلالات حنانها، وتجليات رعايتها المجانية، حتى أنه ليخيل إليك أنها تحمله، أي هذا الملاك الذي ليس من رحمها المباشر، وتدسّه في عينيها وفي قلبها.

فالأول، أي المبدع، مُطالب، على الدوام، بأن يعطي، دون أن يهجس عقله بمقابل، ومن ناحية أخرى، الثاني والذي هو الوطن، معني بالاحتواء في أسمى معاني توفير الكرامة والحرية والعدالة والأمن، فهلم جرا، مما هو والج في منظومة قيمية، تولي بالغ الأهمية بالعنصر البشري، بعدّه الرأسمال الحقيقي، المتوجب الاستثمار فيه، أولا وأخيرا.

إنما أردت أن أخلص عبر ما استفتحت به، هذه الورقة، إلى أنه لو كان ثمة مدينة في مغربنا الحبيب، تدين بالاحتواء والتكريم، لفنان شعبي مجيد وملتزم، أفنى عمره في رسم ملامح الذاكرة  الشعبية الطربية الألصق لحمة بالأسلوب الجماهيري، فهي العاصمة الحمراء، المنبت الولاّد، مدينة التراث والثقافة، مراكش، في حضرة الغائب/ الحاضر، رائد الأغنية الشعبية، بامتياز، ومن دون منازع، الرمز حميد الزاهر(1918م ــــ 2018م) المنحدر من دوار أولاد زراد، قلعة السراغنة، من أب مغربي وأم سورية، كان والده قد تعرف عليها، عندما كانت مغنية تحت فرقة تسمى” شاميات” فمال قلبه إليها، من نظرة، كما يُقال، كي تنتهي علاقتهما بالزواج.

 يعرف عن عميد الأغنية المراكشية، حسب سيرته الحياتية والفنية، أنه عشق الغناء في سن مبكرة جدا، وهو في عمر الزهور، بحيث كان يرتاد ساحة” جامع الفنا” الشهيرة، التي بدأ الغناء منفردا في فضاءاتها،  في الفترة الزمنية الممتدة ما بين(1947م ـــ 1951م) ؛متنصلا من روتين العمل بمعية والده في محل الجزارة؛ قبل أن تختمر التجربة الفنية لديه أكثر، ليبادر بتأسيس فرقته الخاصة، فيدشن البدايات الفعلية والمؤثرة، في مشروعه الفني الذي اكتسى روح العالمية، على الرغم من أنه حاول اقتسام  حيثيات فصول كل ما هو محلي، محيط به، مع جمهوره، في دائرة المشترك الإنساني، فاستعذب ألحانه وكلماته الكل بمن فيهم الأجانب.

استهل بجملة من الأغاني الشعبية التي لاقت تجاوبا كبيرا، من قِبل المغاربة وغيرهم، حتى أنها لم تزل، أي تلك الأغاني الأيقونية، محفوظة عن ظهر قلب، راسخة ومتجذّرة في الموروث، إلى يومنا هذا، نجرد من بينها الأغنية الأكثر شعبية، من حيث تزيين اللوحة الفنية بأسلوب” الدقة المراكشية” لها؛ كما المحمول على دوال تيمة الأنثوي، لنذكر رائعة “للافاطمة”، وإن أعاد الزاهر صياغتها وإنتاجها، من زاوية مختلفة ومغايرة تماما لرؤية وفنية وفلسفة مبدعها الأول المطرب جبران كأحد أبرز رواد الأغنية المغربية في الستينيات.

 هذه الأغنية التي استلهم من طقوسها الكاتب والممثل والسيناريست المغربي الراحل عزيز سعد الله(1950م ـــ 2020م)، إلى جانب زوجته خديجة أسد(1952م ــ 2023م) ــ رحمهما الله ــ  سلسلته الكوميدية  التلفزيونية الحاملة للعنوان ذاته، الأغنية التي غيّر الزاهر جلدها وروحها، على حد سواء؛ بحيث عمد رمز الأغنية المغربية، إلى ضخّ دماء جديدة في هذه الأغنية، لحنا وغناء وإيقاعات، وخطابا.

 من أخوات هذه الأغنية الخالدة، نلفي أغنية” أنا عندي ميعاد”، “واش داك تمشي للزين”،” الليلة ليلة لخميس”، وغير هذا كثير.

أما الالتزام بالقضايا الوطنية، فشكل الهاجس الأول، عند هذا الفنان المتمكن، ولا أدلّ على ذلك من أغنية “وا مراكش يا سيدي كلو فارح بيك” احتفاء بقدوم الملك الراحل الحسن الثاني إلى مدينة مراكش، وقتها.

من هنا يبرز حرص فنان استطاع الانتقال وضعية الموهوب، إلى سماوات احتراف الفن، بعد أن نجح وعن جدارة في فرض صوته وأسلوبه، عبر التمكين لخطاب تشاكل المفردات، في اللوحة الفنية الواحدة، فهجس وعيه بالبعد الهوياتي كما المنزع الأنثوي، بالإضافة إلى ما تزخر به الطبيعة والذاكرة التراثية والانسانية، من تفاصيل، منحت لأغنية حميد الزاهر الرمزية والفوقية والبصمة الخاصة والاستثناء.

لذا فإن أفصح ما يمكن أن نسدل به الستار على سيرة وتجربة هذا الفنان العميد المغربي الأصيل، في هوية عالمية جاذبة، هو زعمنا بأن الرجل، أبدا لن يتكرر، ولن يجود بمثله تاريخ الطرب المغربي، بالنظر إلى ما تفرزه الساحة، اليوم من غوغاء، وأصوات فجة وعارية، إلاّ فيما ندُر، تحرّكها الأطماع المادية، ويوجّهها الجشع الاقتصادي، حيثما ولّت، ضمن منظومة عالمية متوحّشة، تُعربد في المشهد، ألحانا وكلمات وصورة عامة، بما يفسد الذائقة ويسمّم الوعي، فتستأسد الفوضى والركاكة والميوعة والاستهتار، من غير حسيب ولا رقيب.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button