
كش بريس/التحرير ـ
تستعيد العلاقة بين العمل النقابي والعمل الحزبي حضورها بقوة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري، بعدما كشفت مواقف عدد من المركزيات النقابية عن انخراط مباشر، بدرجات متفاوتة، في توجيه قواعدها نحو خيارات حزبية محددة، بين دعم مرشحين وأحزاب ترتبط بها تاريخياً أو سياسياً، والدعوة إلى التصويت العقابي ضد أحزاب أخرى.
ولا تبدو هذه المواقف مجرد تفاصيل عابرة في حملة انتخابية محتدمة، إذ تكشف عن سؤال أعمق يتعلق بحدود الفصل بين الوظيفة النقابية والوظيفة الحزبية، وبمدى قدرة المركزيات العمالية على الاحتفاظ باستقلالية قرارها السياسي حين تصبح صناديق الاقتراع امتداداً للصراع الاجتماعي والسياسي الذي تخوضه داخل المؤسسات وخارجها.
فعدد من النقابات اختار مبكراً تحديد موقعه في الخريطة الانتخابية، مستنداً إلى روابط تاريخية أو عضوية أو تقاطعات سياسية وبرنامجية. وفي حالات أخرى، تجاوز الخطاب النقابي حدود التعبئة العامة للمشاركة، ليتحول إلى توصية انتخابية صريحة، بما يجعل من القاعدة العمالية كتلة انتخابية قابلة للتوجيه والحشد.
وفي هذا السياق، دعت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT) الكونفدراليات والكونفدراليين وعموم المواطنين إلى المشاركة في الانتخابات ودعم «تحالف اليسار»، الذي تقدمه باعتباره حليفاً للطبقة العاملة ولنضالاتها.
واعتبرت النقابة، في بيان لمكتبها التنفيذي، أن الانتخابات التشريعية، رغم ما وصفته بمحدودية شروط الممارسة الديمقراطية واستمرار عوامل تؤثر في أدوار المؤسسات المنتخبة، تظل محطة سياسية يمكن من خلالها ربط المسؤولية بالمحاسبة ومواجهة استعمال المال والنفوذ وشراء الأصوات وكل أشكال التحكم في الإرادة الشعبية.
أما الاتحاد العام للشغالين بالمغرب (UGTM)، فقد اتخذ موقفاً أكثر مباشرة، حين دعا منتسبيه إلى دعم لوائح مرشحي ومرشحات حزب الاستقلال بمختلف الدوائر المحلية والجهوية، إلى جانب التعريف ببرنامج الحزب الانتخابي لدى الفئات والأوساط التي يتعامل معها المنتمون إلى النقابة.
وفي الاتجاه ذاته، دعا الكاتب العام للفيدرالية الديمقراطية للشغل (FDT) المنتسبين إلى النقابة إلى دعم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، داعياً إلى تجاوز مرحلة «التخبية» والتشبث بما وصفه بالارتباط العضوي بين الفيدرالية و«حزب الوردة».
وخلال تجمع خطابي بالرباط، عبّر المسؤول النقابي عن ثقته في قدرة المناضلين والمناضلات المنتمين إلى الفيدرالية على تقديم الدعم للحزب خلال الاستحقاق الانتخابي، في تأكيد واضح لاستمرار الارتباط التاريخي بين التنظيمين.
وبالمقابل، لا يخفي الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب (UNTM) دعمه لحزب العدالة والتنمية، حليفه السياسي، خصوصاً مع ترشح عدد من المنتسبين إليه باسم الحزب. ودعا الكاتب العام للاتحاد، خلال تجمع خطابي، المواطنين إلى المشاركة في الانتخابات وتوجيه ما وصفه بـ«الدرس» للحكومة الحالية، عبر عدم التصويت للأحزاب المشكلة لها، في صيغة انتخابية صريحة من «التصويت العقابي».
وفي المقابل، ظل الاتحاد المغربي للشغل (UMT)، إلى حدود اليوم الثاني من الحملة الانتخابية، خارج الاصطفافات المعلنة، ولم يكشف عن دعم رسمي لأي توجه سياسي، وهو موقف يكتسب دلالته بالنظر إلى الوزن التاريخي والتنظيمي للمركزية العمالية الأكبر في المملكة.
وكان الاتحاد قد دعا خلال انتخابات 8 شتنبر 2021 إلى قطع الطريق أمام من اعتبرهم مهاجمين للطبقة العاملة، مستحضراً آنذاك ملفات الحوار الاجتماعي والأجور والتقاعد والحريات النقابية والقوانين المنظمة للعمل. ويكشف استحضار هذا الموقف عن أن الامتناع عن إعلان دعم حزبي مباشر لا يعني بالضرورة خروج النقابة من المجال السياسي، وإنما قد يعكس اختياراً مختلفاً لإدارة علاقتها بالاستحقاق الانتخابي.
ذاكرة حزبية طويلة
يصعب فهم هذه الاصطفافات الانتخابية من دون العودة إلى الجذور التاريخية للعلاقة بين الحركة النقابية والأحزاب السياسية في المغرب. فقد نشأت أغلب المركزيات النقابية الكبرى في سياقات سياسية كان فيها التنظيم النقابي امتداداً عضوياً للصراع على السلطة والتمثيلية الاجتماعية، الأمر الذي جعل الحدود بين الدفاع عن المصالح المهنية والتعبئة السياسية حدوداً مرنة وقابلة لإعادة الرسم بحسب موازين القوى.
وعلى امتداد عقود، تحولت النقابات إلى واحدة من أهم قنوات الحضور الاجتماعي للأحزاب، كما تحولت الأحزاب بدورها إلى مظلة سياسية لمطالب فئات واسعة من الأجراء والموظفين والعمال. ومن هنا نشأت علاقة تبادلية معقدة: الحزب يحتاج إلى القاعدة الاجتماعية والتنظيمية التي توفرها النقابة، والنقابة تحتاج إلى القوة السياسية والمؤسساتية التي يستطيع الحزب توفيرها داخل البرلمان والحكومة ومجالس القرار.
غير أن هذه العلاقة أنتجت، في الوقت نفسه، إشكالية مزمنة تتعلق باستقلالية القرار النقابي. فكلما اقتربت النقابة من الحزب، أصبح من الصعب رسم الخط الفاصل بين الدفاع عن المصلحة المهنية وبين خدمة مشروع سياسي بعينه. وكلما ابتعدت عنه، وجدت نفسها مطالبة بإعادة بناء أدوات تأثيرها السياسي والاجتماعي من خارج القنوات الحزبية التقليدية.
من «خزان الأصوات» إلى سوق التعاقدات الاجتماعية
لطالما نظر الفاعلون الحزبيون إلى النقابات باعتبارها خزانات انتخابية ذات قدرة عالية على التعبئة، بحكم امتلاكها شبكات تنظيمية ممتدة داخل القطاعات المهنية ومواقع العمل والمدن والجهات. غير أن هذه المعادلة لم تعد بالبساطة التي كانت عليها في مراحل سابقة.
فالعامل والموظف اليوم لا يتحرك بالضرورة داخل المجال السياسي وفق الانتماء النقابي نفسه، كما أن تراجع الثقة في الأحزاب والنقابات، وتغير أنماط التصويت، واتساع الفئات المهنية الهشة، وتراجع الانتساب التنظيمي، كلها عوامل أضعفت فكرة «الكتلة الانتخابية المضمونة».
لهذا انتقل الرهان تدريجياً من مجرد تعبئة القواعد إلى محاولة بناء نوع من التعاقد الانتخابي معها. وصارت البرامج الحزبية تستحضر قضايا الأجور والحماية الاجتماعية وقوانين الشغل والتقاعد والحريات النقابية والاستقرار المهني، باعتبارها مداخل لاستعادة ثقة الناخبين المنتمين إلى الطبقة العاملة.
لكن المفارقة تكمن في أن النقابة قد تجد نفسها، وهي تحاول التأثير في القرار الانتخابي، أمام اختبار استقلاليتها هي أيضاً. فحين تدعو مركزية نقابية قواعدها إلى التصويت لحزب محدد، هل يكون ذلك امتداداً طبيعياً لنضالها الاجتماعي، أم انتقالاً من التمثيل المهني إلى الوكالة السياسية؟ وحين تدعو إلى إسقاط حكومة أو معاقبة أحزاب عبر صناديق الاقتراع، هل تمارس حقاً مشروعاً في التأثير السياسي، أم تعيد إنتاج علاقة التبعية التي طالما كانت موضع نقد داخل الحركة النقابية نفسها؟
التصويت العقابي.. حين يصبح صندوق الاقتراع امتداداً للنزاع الاجتماعي
يكتسب مفهوم «التصويت العقابي» أهمية خاصة في الانتخابات الحالية، لأنه ينقل النقاش من سؤال من يستحق التصويت إلى سؤال من ينبغي إسقاطه. وفي الحالة النقابية، يتأسس هذا الخيار على تحويل الاحتجاج الاجتماعي إلى قرار انتخابي، بحيث تصبح قضايا الأجور والحوار الاجتماعي والتقاعد والحريات النقابية والحماية الاجتماعية معياراً للحكم على الأداء الحكومي والحزبي.
وهنا تتجاوز النقابة وظيفة تعبئة الناخبين للمشاركة، لتتحول إلى طرف في إنتاج معنى التصويت نفسه: تصويت تأييدي هنا، وتصويت عقابي هناك، وتصويت احتجاجي في اتجاه ثالث.
غير أن الرهان على التصويت النقابي الموجّه يصطدم بتحول أعمق في المجتمع المغربي؛ إذ لم تعد الانتماءات المهنية والتنظيمية وحدها كافية لتحديد السلوك الانتخابي. فالناخب العمالي لم يعد بالضرورة ناخباً نقابياً، والنقابي ليس بالضرورة ناخباً حزبياً، والعضوية التنظيمية لا تنتج آلياً ولاءً انتخابياً.
ومن ثم، فإن ما تكشفه مواقف المركزيات النقابية في انتخابات 2026 لا يتمثل فقط في اختلافها حول الأحزاب، وإنما في استمرار سؤال قديم بصيغ جديدة: أين تنتهي النقابة وتبدأ السياسة؟
فالديمقراطية النقابية تقتضي أن تكون النقابة قادرة على مساءلة الحكومة والأحزاب أياً كان موقعها، بينما تقتضي الديمقراطية الحزبية ألا تتحول النقابات إلى مجرد أذرع انتخابية. وبين الوظيفتين تتشكل منطقة رمادية، يصبح فيها الدفاع عن المصالح الاجتماعية متداخلاً مع إعادة توزيع النفوذ السياسي.
ولعل الرهان الحقيقي في هذه الانتخابات لا يكمن فقط في معرفة الحزب الذي ستدعمه هذه المركزية أو تلك، وإنما في قياس قدرة النقابات على تحويل قوتها الاجتماعية إلى تأثير سياسي مستقل، من دون أن تفقد وظيفتها الأصلية: تمثيل الأجراء والدفاع عن مصالحهم، ومساءلة السلطة، والتفاوض باسمهم، بعيداً عن اختزالهم في مجرد أرقام داخل صناديق الاقتراع.
فحين تصبح الطبقة العاملة «كتلة تصويتية»، يُختزل الاجتماع في الانتخاب؛ وحين تستعيد النقابة وظيفتها التمثيلية، يصبح الانتخاب واحداً من أدوات الصراع الاجتماعي والسياسي، لا نهايته.




