‏آخر المستجداتفنون وثقافة

جمال بدومة: أدب وقلة أدب

إلى حدود الجمعة الماضية، كان الكاتب الكندي تيليسون أوريليان يحلق في السماء، والجوائز تركض خلفه، وكانت روايته “كان هذا أو الموت”، الصادرة عن “دار غراسيه”، على وشك الفوز بـ”غونكور”، أرفع جائزة أدبية في فرنسا، لكن لجنة التحكيم أصدرت بياناً مقتضباً أعلنت فيه استبعاده من قائمة المرشحين، للاشتباه في أن روايته “بنت حرام”، أو “ابنة غير شرعية” مولّدة بالذكاء الاصطناعيّ. الشبهة وحدها أسقطت الكتاب، والويل لمن أشارت إليه الأصابع!

لو كنت مكان الكاتب الكندي، لقطعت حملة الترويج لروايتي، وقصدت أول محل عربي لشراء “خميسة” أو “خرزة زرقاء”، أو ذهبت عند عرّاف محترف كي يحضّر لي تميمة تحميني من العين، وهم موجودون بوفرة في كندا وفرنسا، بحي “باربيس” و”شاتو روج”، بالدائرة 18 من باريس، مادام الكاتب الكندي موجوداً في العاصمة الفرنسية هذه الأيام.

ولو كان أوريليان صديقي لنصحته بأن يقرأ “قل أعوذ بربّ الفلق” ثلاث مرات، قبل كل لقاء حتى يبطل السحر والعين والحسد، والنفاثات في العقد. الآية قصيرة، والمنفعة كبيرة. وإذا كان لا يعرف العربية، بإمكانه أن يسأل “تشات جي بي تي” كي يترجم له الآية الكريمة، التي تفتك بالحساد دون مشكلة. لن يتهمه أحد باستعمال الذكاء الاصطناعي، لأنها ليست من تأليفه.

بعض الأشخاص يملكون مدافع رشاشة في عيونهم، بمجرد ما ترتفع درجة الغيرة في قلوبهم ينطلق القصف، وقد أصابوا الكاتب في مقتل، لأن روايته الأولى حققت نجاحاً منقطع النظير، ملأت الدنيا وشغلت الناس، وبيعت منها 35 ألف نسخة في 5 أسابيع، وهو رقم قياسي، كما رُشِّحتْ لمعظم الجوائز، من “غونكور” الى “رونودو” مروراً بـ”فيمينا”، بل فازت بجائزة “فناك”، وظلت الأضواء والجوائز تطارد كاتبها إلى أن أصابته العين، وتحطمت أحلام المجد الأدبي، كما يتحطّم قصر من ورق. فتكت عيون الحسّاد بأوريليان المسكين، فتدحرج من القمة إلى الحضيض…

“غونكور” لم تعد جائزة بل لعنة، كل من يقترب منها تنزل عليه المصائب. ورود اسم أوريليان في قائمة المرشحين كان كافياً كي تستهدفه أسهم الحاسدين والعنصريين، خصوصاً أن أصله من هايتي، وروايته تمنح صوتاً للمهاجرين الهاربين من جحيم بلده الأم، وتحكي قصصهم المأساوية، بأسلوب مؤثر.

قبل أوريليان، تابعنا مسلسل كمال داوود، الذي فتحت عليه “غونكور” أبواب جهنم، وتعرّض للتنمُّر والشتم والتخوين، ورُفِعَت ضده شكوى في المحاكم بتهمة سرقة موضوع روايته الفائزة “حور العين”، بل صدرت في حقه مذكرات جلب وإحضار دولية، كأنه مجرم، ومن يومها لا يستطيع العودة إلى بلده الجزائر!

وقبل داود وأوريليان، اتُّهِم ميشال ويلبيك بسرقة صفحات من “ويكيبيديا” في روايته “الخريطة والإقليم”، التي فازت بـ”غونكور” 2010. كما تعرض لتهديدات بالقتل، والفضل كله للجائزة الحقيرة، التي لا تتعدى قيمتها المالية عشرة يورو!

مشكلة أوريليان أنه سرق أضواء الموسم الأدبي الفرنسي، كما سرق بروميثيوس النار من الآلهة وأعطاها للبشر، ما جعله يتعرض لعقاب شديد. روايته سحرت القراء والنقاد والصحافيين، وأزعجت الحسّاد والعنصريين، واستطاعوا النيل منه. لم ينفعه دفاع الناشر ولا الكتّاب والنقاد الذين أعجبتهم الرواية، وقدموا شهادات تدافع عن نسبها الشرعي.

رغم نفي المؤلف المتكرر، كلّ من أجروا فحصاً للرواية على جهاز كشف الذكاء الاصطناعي، “بانغرام”، يؤكدون تدخل الآلة في كتابة “كان هذا أو الموت” بنسبة كبيرة، بما فيها الصحف التي دافعت عن أوريليان، لكن الجدل حول الرواية يخفي معركة إيديولوجية، لأن التحريض ضد الكاتب جاء من معسكر اليمين المتطرف، الذي يزعجه التعاطف مع المهاجرين، في وقت تشكل الرواية مرافعة عن قضيتهم.

الحملة بدأت بتدوينة من حساب مجهول على منصة “إكس”، تتهم الكاتب بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابة روايته، تبين فيما بعد أن وراءه الكاتب المعروف بمواقفه الرجعية سامويل فيتوسي، سرعان ما تناقلتها عدد من الشخصيات المقربة من أقصى اليمين، من بينهم رئيس تحرير مجلة Valeurs Actuelles، المعروفة بمعاداتها للمهاجرين، وتكفلت صحيفة “لوفيغارو” اليمينية بالبقية..

ورغم أن صحفاً مثل “لوموند” و”ليبيراسيون” حاولت الدفاع عن الكاتب، فإن موقفه أصبح ضعيفاًَ، بعد أن كشفت صحف كندية عن قيامه بانتحال مقالات ونصوص، ما بين 2012 و2014، سنوات قبل ميلاد الذكاء الاصطناعي، وبذلك انتقلنا رسمياً من الأدب إلى قلة الأدب!

رواية أوريليان ليست أول كتاب يثير الجدل في فرنسا بسبب شبهات حول ظروف تأليفه. قضايا الانتحال كثيرة، وأحياناً مضحكة. الكاتب الشهير برنار-هنري ليفي سبق أن استشهد في أحد كتبه بفيلسوف غير موجود، اخترعه صحافي في جريدة “لوكانار أونشينيه” وسماه جان-باتيست بوتيل. القضية خلَّفت موجة من السخرية أكثر من أي شيء آخر، وعلَّق عليها الصحافي الماكر ساخراً: “المشكلة ليست في حقيقة وجود فيلسوف اسمه جان-باتيست بوتيل بل في حقيقة وجود فيلسوف اسمه برنار هنري ليفي!”

ومن أشهر السجالات في العالم العربي، ذلك الذي دار حول رواية “ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي، التي قيل إن مؤلفها الحقيقي هو الشاعر الراحل سعدي يوسف، ما جعل الكاتبة تنتفض ضد النزعة الذكورية المهيمنة على المشهد الأدبي العربي.

كثير من الكتّاب اتُّهِموا بأنهم لم يكتبوا أعمالهم، بل كان وراءها “كُتّاب ظل” أو ما يعرف في الثقافة الفرنسية بـ”الزنوج”، لكنها المرة الأولى التي يكون فيها “الزنجي” آلة.

لقد تسلَّلت سوسة الغش إلى الرواية، بسبب الذكاء الاصطناعي، كما تسلَّلت إلى سباق الدراجات، بسبب المنشطات. منذ تأسيسه عام 1903، ظل طواف فرنسا للدراجات من أكثر المسابقات شعبية، ينتظره الجمهور بفارغ الصبر، حيث ينزل الآلاف لمشاهدة الدراجين وهم يمرون من بلداتهم، ويحرص الملايين على تتبع رحلة القميص الأصفر بين الفائزين، لكن في نهاية التسعينيات، تعرضت المنافسة لنكسة لم تستطع أن تنهض منها أبداً، وأصبحت تشبه رياضات أخرى مملة، بلا تشويق: فضائح المنشطات قضت على روح المسابقة، وأصبح الشك هو القاعدة، كل فائز غشَّاش إلى أن يثبت العكس.

مثلما سقط الدراج الشهير لانس أرمسترونغ بسبب المنشطات، ها هو تيليسون أوريليان يسقط بسبب “الذكاء الاصطناعي”… فهل يموت الشَّغف بالأدب، كما مات الشَّغف بسباق الدراجات؟

في المستقبل، ربما أصبحت الرواية المكتوبة دون تدخل من الذكاء الاصطناعي هي الاستثناء، والقاعدة هي الكتابة بمساعدة الآلة. لكن الأمر غير مزعج في الحقيقة، هناك ما يكفي من الكتب لتغطية قرن من القراءة، لمن يريد أن يستمتع ويستفيد، بعيداً عن الذكاء الاصطناعي، يكفي أن ننفض الغبار عن الكلاسيكيات..

لقد دخل الأدب عصر الشُّبهة، ومن الآن فصاعداً كل ما يصدر من روايات سيجري فحصه بـ”بانغرام” ومشتقاته، وربما أصبح الناشر مضطراً إلى وضع علامة على الغلاف توضّح نسبة تدخل الآلة في العملية الإبداعية، كأن يكتب جنب اسم المؤلف: “100% إبداع بشري” أو “50% ذكاء اصطناعي”، وتكون مناسبة لاستحداث علامة كان ينبغي وضعها منذ عقود على كثير من الروايات العربية التي تصدر كل عام: “100% غباء بشري”!

عن موقع “غلوبال ووتش عربية”/ الأحد 27 سبتمبر 2026

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button