
ـ ”حوار نقدي مع الأستاذ الصحفي أحمد الشرعي حول مقولة «كلنا إسرائيليون»” ـ
الأستاذ الصحفي أحمد الشرعي، تحية طيبة،
قرأت مقالكم المنشور في موقع The Jerusalem Strategic Tribune في أكتوبر 2023، تحت عنوان «كلنا إسرائيليون»، وتابعت ما أثاره من ردود فعل واسعة في المغرب وإلى . وأود، بعيدًا عن المراء أو المهاترة، أن أتناول بعض الأفكار التي طرحتموها في مقالكم من زاوية فكرية ونقدية، انطلاقًا من ضرورة التمييز الدقيق بين ثلاثة مفاهيم متمايزة في أصلها ودلالتها: اليهودية، والصهيونية، والهوية المغربية.
ولذلك، فإن ما أطرحه هنا ليس محاكمة لشخصكم، ولا طعنًا في نياتكم، ولا محاولة لمصادرة حقكم في اتخاذ الموقف السياسي الذي ترونه؛ وإنما هو محاولة لفتح نقاش هادئ حول الدلالات التي تحملها عبارة «كلنا إسرائيليون»، وحول مدى انسجام هذه العبارة مع التاريخ والهوية والسياق المغربي.
فالكلمات، ولا سيما حين تتصل بالهوية والانتماء، ليست مجرد أوعية محايدة للأفكار؛ إذ قد تحمل معها تصورات كاملة عن الإنسان، والجماعة، والوطن، والتاريخ. ومن هنا تأتي ضرورة تحرير المصطلح قبل بناء الموقف عليه.
- أولًا: هل اليهودية هي الصهيونية؟
يحتاج التفريق بين اليهودية والصهيونية إلى قدر كبير من الدقة؛ فاليهودية، بوصفها دينًا وتقاليد دينية وحضارية ممتدة في التاريخ، ليست هي الصهيونية بوصفها حركة سياسية حديثة نشأت في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر.
ومن هنا، فإن مساواة المفهومين قد تؤدي إلى نتيجة لا تخدم أيًّا منهما؛ فهي، من جهة، تختزل اليهودية في مشروع سياسي حديث، ومن جهة أخرى، تجعل الصهيونية ممثلةً لكل اليهود، مع أن المواقف اليهودية منها لم تكن، تاريخيًا ولا دينيًا، واحدة.
ولعل من الأمثلة التي تستحق التوقف عندها حركة «ناطوري كارتا»، أي «حراس المدينة»، وهي جماعة يهودية أرثوذكسية معروفة بموقفها الرافض للصهيونية. وقد عبّر عدد من أتباعها وقياداتها عن موقف ديني يرى أن المشروع الصهيوني لا يمثل جوهر اليهودية، بل إن بعضهم ذهب إلى رفض قيام دولة إسرائيل من منظور ديني.
والمقصود هنا ليس جعل «ناطوري كارتا» ممثلةً لليهودية كلها؛ فهذا تعميم لا يقل إشكالًا عن التعميم المقابل. وإنما المقصود إثبات حقيقة أبسط وأدق: أن اليهودية والصهيونية مفهومان غير متطابقين، وأن داخل المجتمعات اليهودية نفسها مواقف متعددة من الصهيونية.
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن الانتقال من نقد الصهيونية أو تأييدها إلى القول إن «كلنا إسرائيليون»؟
وأي معنى يراد بكلمة «إسرائيلي» في هذه العبارة؟ أهو المعنى الديني؟ أم القومي؟ أم السياسي؟ أم أنها مجرد صيغة للتعبير عن التضامن مع دولة إسرائيل؟
إن تحديد المقصود هنا ليس مسألة لغوية هامشية، بل هو أساس النقاش كله؛ لأن الحكم على العبارة يتوقف، في جانب كبير منه، على تحرير المفهوم الذي تحمله كلمة «إسرائيلي» في سياقها.
- ثانيًا: من هو «الإسرائيلي» في مقولتك؟
تثير عبارة «كلنا إسرائيليون» سؤالًا آخر يتعلق بالهوية والانتماء. فالمغربي، أيًّا كانت ديانته أو خلفيته الثقافية، ينتسب إلى وطنه المغربي، في حين أن «الإسرائيلي» في الاستعمال السياسي المعاصر يحيل، في المقام الأول، إلى مواطن دولة إسرائيل.
ومن ثم، فإن الانتقال من المواطنة المغربية إلى الهوية الإسرائيلية يحتاج إلى تفسير يتجاوز مجرد الرغبة في التعبير عن موقف سياسي أو تضامن إنساني؛ إذ ثمة فرق بين أن يتضامن الإنسان مع دولة أو شعب في قضية معينة، وبين أن يجعل هوية ذلك الشعب أو الدولة وصفًا له هو.
وقد تتعدد لدى الإنسان دوائر الانتماء، ولا يلزم من ذلك أن تلغي إحداها الأخرى؛ غير أن تعدد الانتماءات لا يعني سقوط الحدود الدلالية بين المواطنة، والدين، والقومية، والثقافة، والموقف السياسي.
وهنا تحضر خصوصية التجربة المغربية.
فقد عرف المغرب، عبر قرون طويلة، وجودًا يهوديًا أصيلًا ضمن نسيجه الاجتماعي والثقافي، كما تشكلت في مدنه وبلداته ذاكرة مشتركة بين المسلمين واليهود، وإن لم تخلُ هذه التجربة، بطبيعة الحال، من تعقيدات تاريخية ومراحل مختلفة لا يصح اختزالها في صورة واحدة.
فالتاريخ المغربي، كغيره من تواريخ المجتمعات، لم يكن صفحة واحدة من الوئام، كما لم يكن تاريخًا من القطيعة الدائمة؛ بل عرف فترات من التعايش والتعاون، كما عرف مراحل من التوتر والتمييز والاضطراب. والإنصاف العلمي يقتضي ألا نُجمّل التاريخ حتى نفقد حقيقته، ولا أن نختزله في أسوأ لحظاته فنفقد كذلك حقيقته.
ومن الشواهد التي تستحق الذكر موقف الملك محمد الخامس من اليهود المغاربة خلال فترة الحماية الفرنسية وحكومة فيشي؛ إذ تروي المصادر التاريخية أنه رفض معاملتهم بوصفهم فئة أجنبية عن المجتمع المغربي، وتمسك بمبدأ شمول الحماية الملكية لجميع رعاياه.
وتكتسب هذه الذاكرة أهمية خاصة لأنها تكشف أن الوجود اليهودي في المغرب لم يكن، في أصله، وجودًا إسرائيليًا، بل كان جزءًا من التاريخ المغربي نفسه.
فاليهودي المغربي في «الملاح» كان يهوديًا ومغربيًا في آن واحد؛ له دينه وتقاليده، وله في الوقت نفسه لغته وعاداته وذاكرته المحلية وعلاقاته الاجتماعية. ولم يكن انتماؤه اليهودي يلغي انتماءه المغربي، كما لم تكن خصوصيته الدينية تقتضي أن ينفصل عن المجال الوطني الذي نشأ فيه وعاش ضمنه.
ومن هنا ينبغي الحذر من إسقاط التصنيفات السياسية المعاصرة على هويات تاريخية أكثر تركيبًا.
فالماضي لا ينبغي أن يُعاد تفسيره كله بمفردات الحاضر، كما أن الهويات التاريخية لا يصح اختزالها في التصنيفات السياسية التي نشأت في سياقات لاحقة.
وحتى حين غادر عدد كبير من اليهود المغاربة إلى إسرائيل، ظلّت لدى كثير منهم صلات قوية بالمغرب، وبقيت الذاكرة المغربية حاضرة في اللغة والعادات والموسيقى والطعام والروابط العائلية والثقافية. وهذه المعطيات لا تعني، بطبيعة الحال، أن جميعهم يتبنون موقفًا سياسيًا واحدًا، وإنما تؤكد أن الهوية يمكن أن تكون مركبة، وأن الانتماء المغربي لا يختزل بالضرورة في الدين أو في مكان الإقامة.
فإذا كان الأمر كذلك، فما الذي تضيفه عبارة «كلنا إسرائيليون» إلى هذه التجربة المغربية؟
وهل تعبّر عن واقع تاريخي، أم عن موقف سياسي معاصر؟
- ثالثًا: ما الذي يترتب على هذا الخطاب؟
هنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية: ما الأثر الذي يمكن أن تتركه هذه العبارة في فهم المغاربة لهويتهم، وفي فهم اليهود المغاربة لموقعهم داخل المجتمع المغربي؟
حين يُقال «كلنا إسرائيليون»، فإن العبارة، بصرف النظر عن النية التي تقف وراءها، قد تُفهم على أنها نقل للهوية من إطارها المغربي إلى إطار سياسي آخر. وهذا ما يستدعي مساءلة العبارة عن حدودها ومقاصدها وسياقها.
كما أن إدخال اليهود المغاربة في هذا التصنيف قد يؤدي، بصورة غير مقصودة، إلى اختزالهم في الصراع السياسي المرتبط بإسرائيل، بدل النظر إليهم بوصفهم مكوّنًا تاريخيًا من مكونات المجتمع المغربي.
وهذا تحديدًا ما يستحق الانتباه إليه:
اليهودي المغربي لا يحتاج إلى أن يصبح «إسرائيليًا» حتى يكون يهوديًا، كما أن كونه يهوديًا لا ينتقص من مغربيته.
إن قوة النموذج المغربي، في صورته التي ينبغي الحفاظ عليها، تكمن في إمكان اجتماع الانتماء الوطني مع الاختلاف الديني والثقافي، لا في محو أحدهما لصالح الآخر.
فالتنوع لا يناقض الوحدة، والاختلاف لا يستلزم القطيعة، والانتماء الوطني لا يشترط تطابق الناس في الدين أو الثقافة أو الرؤية.
وهذا المعنى يجد أصله الأعمق في القرآن الكريم، حيث يقول الله تعالى:
«﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[الحجرات: 13]»
فالآية لا تجعل اختلاف الشعوب والقبائل مدعاةً لإلغاء أحدها للآخر، وإنما تجعل التعارف غاية من غايات هذا التنوع، وترد معيار الكرامة إلى التقوى، لا إلى الأصل أو العرق أو الانتماء القومي.
وفي هذا من الدلالة ما يكفي للتأكيد على أن التعدد لا يقتضي إلغاء الخصوصيات، وأن الاختلاف الديني والثقافي لا يمنع إمكان الاجتماع على رابطة أوسع تحفظ للإنسان كرامته وانتماءه.
وهذا المعنى يجد في التجربة المغربية إطارًا تاريخيًا ومؤسسيًا خاصًا، تتقدم فيه إمارة المؤمنين بوصفها أحد الثوابت الدينية والوطنية والدستورية الراسخة للمملكة المغربية، وإطارًا جامعًا لوحدة الأمة وصيانة ثوابتها، بما يسمح باجتماع التنوع الديني والثقافي داخل انتماء وطني واحد.
فالمغرب لا يحتاج إلى إلغاء اختلاف مكوناته حتى يثبت وحدته، كما لا يحتاج إلى استيراد هوية سياسية من خارج تجربته التاريخية حتى يعبّر عن موقفه من قضايا العالم.
ومن هذه الزاوية، قد يكون التعبير الأكثر انسجامًا مع هذه الذاكرة المشتركة هو:
«كلنا مغاربة».
أي إن اختلاف الدين أو المذهب أو الخلفية الثقافية لا يلغي الانتماء إلى الوطن.
- كلمة أخوية:
وأقول، في هذا السياق، لكل مغربي يهودي، داخل المغرب أو خارجه: إن مغربيتك ليست نقيضًا ليهوديتك، كما أن يهوديتك لا تنتقص من مغربيتك.
فلك أن تعتز بدينك وتراثك اليهودي، وأن تحفظ صلتك بتاريخ أسرتك وذاكرة مجتمعك، وأن تختلف سياسيًا وفكريًا مع غيرك؛ لكن هذه الاختلافات كلها لا تستلزم التخلي عن الذاكرة المغربية التي تشكل جانبًا أصيلًا من تاريخك.
بل إن صيانة هذه الذاكرة والمحافظة عليها يمكن أن تكون جزءًا من حفظ المغرب نفسه؛ لأن تاريخ اليهود المغاربة ليس تاريخ جماعة عابرة مرّت بالمغرب ثم غادرته، وإنما هو جزء من التاريخ الاجتماعي والثقافي للمغرب، بما له وما عليه، وبما فيه من صفحات مشرقة وأخرى تحتاج إلى قراءة علمية منصفة.
كما ينبغي التمييز، في كل نقاش من هذا النوع، بين اليهودية بوصفها دينًا، واليهود بوصفهم جماعات بشرية متعددة، والصهيونية بوصفها حركة سياسية، ودولة إسرائيل بوصفها كيانًا سياسيًا معاصرًا.
فالخلط بين هذه المستويات لا يساعد على فهم القضية، بل يزيدها تعقيدًا، ويجعل الحوار ينتقل من مناقشة الأفكار والمواقف إلى إطلاق الأحكام على جماعات كاملة.
ومن هنا، فإن احترام اليهودية لا يستلزم تبني الصهيونية، كما أن نقد الصهيونية لا ينبغي أن يتحول إلى موقف من اليهود بوصفهم جماعة دينية أو بشرية، والحديث عن دولة إسرائيل لا ينبغي أن يُحمّل تلقائيًا على جميع اليهود في العالم، ولا على جميع اليهود المغاربة على وجه الخصوص. فهذه التفرقة ليست ترفًا فكريًا؛ إنها شرط من شروط النزاهة في النقاش.
وأما إليك، أستاذ أحمد الشرعي…
فهذه هي المسألة التي أضعها بين يديكم للنقاش، لا على سبيل الخصومة، وإنما على سبيل الحوار:
- هل يحتاج المغربي إلى أن يكون «إسرائيليًا» حتى يعبّر عن موقف سياسي أو إنساني؟
- أم أن بإمكانه أن يتخذ موقفه، أيًّا كان، من موقعه الطبيعي كمغربي، دون أن يعيد تعريف هويته الوطنية؟
إنني أرى أن عبارة «كلنا مغاربة» أقدر على استيعاب هذا التنوع؛ فهي لا تنفي اليهودية، ولا تلغي الاختلاف، ولا تفرض موقفًا سياسيًا واحدًا، وإنما تؤكد أن الانتماء إلى الوطن يمكن أن يتسع للمختلفين في الدين والثقافة والرؤية.
فالمغربي يستطيع أن يتخذ موقفًا سياسيًا أو إنسانيًا من إسرائيل، ومن فلسطين، ومن غيرهما من قضايا العالم، من غير أن يحتاج إلى نقل هويته الوطنية إلى إطار سياسي آخر.
هناك فرق بين التضامن والتماثل، وبين الموقف والهوية، وبين التعاطف والانتماء.
وقد يكون هذا الفرق هو ما تحتاج إليه العبارة الأصلية قبل أن تصبح أساسًا لنقاش أوسع.
نحن مغاربة: مسلمون ويهود، أمازيغ وعرب، ومتعددون في المشارب والانتماءات الثقافية. وهذه التعددية جزء من تاريخ المغرب، لا عائق أمامه.
وفي هذا التعدد نفسه تكمن قيمة الذاكرة المغربية: أن يكون الإنسان مختلفًا في دينه أو ثقافته أو رؤيته، دون أن يكون اختلافه سببًا في إخراجه من دائرة الانتماء الوطني.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس:
- هل نحن إسرائيليون؟
بل:
- كيف نحافظ على مغربيتنا، بكل ما تحمله من تعدد وذاكرة، مع احترام اختلافاتنا الدينية والثقافية والسياسية؟
ذلك، في تقديري، هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح بهدوء؛ لأن قوة الهوية ليست في قدرتها على إلغاء المختلف، وإنما في قدرتها على استيعابه دون أن تفقد معناها.
وفي المغرب، يمكن أن يكون هذا المعنى أكثر بساطة وأشد عمقًا: نحن مغاربة.
والاختلاف بيننا لا يلغي هذا الانتماء، كما أن انتماءنا المشترك لا يلغي اختلافنا.
ولعل في قول الله تعالى:«﴿لِتَعَارَفُوا﴾» قرآن؛
كلمة جامعة تختصر كثيرًا مما نحتاج إلى قوله: أن نعرف بعضنا بعضًا، وأن نحفظ لكل إنسان خصوصيته، وأن نجعل اختلافنا سبيلًا إلى الفهم لا ذريعة إلى الإقصاء، وأن تبقى المواطنة مجالًا جامعًا لا يطلب من أحد أن يتخلى عن دينه أو ذاكرته أو خصوصيته حتى يكون جزءًا من وطنه.
فكلنا مغاربة؛ وهذه الهوية، بما فيها من تعدد وذاكرة وامتداد، أوسع من أن تختزل في هوية سياسية أخرى. ا.هـ
*: الإطار الإداري والباحث الأكاديمي
(متخصص في الشأن السياسي المغربي) الحسيمة / المملكة المغربية




