
كش بريس/خاص ـ
يقدّم الصحافي التونسي محمد كريشان في كتابه الجديد «تونس… سبع عجاف»، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في 422 صفحة، قراءة نقدية لمسار حكم الرئيس قيس سعيّد، ترصد تحولات السلطة التونسية وتداعياتها على النظام السياسي والحريات العامة والإعلام والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. ويحمل الكتاب عنوانًا فرعيًا هو «قراءة نقدية لحكم قيس سعيد»، ويجمع حصيلة مقالات أسبوعية نشرها المؤلف في صحيفة «القدس العربي» على امتداد سبع سنوات من متابعة المشهد التونسي.
ويعيد كريشان، من خلال هذه المقالات، بناء مسار سياسي انتقل، وفق قراءته، من التفاؤل الحذر ببدايات التجربة إلى تصاعد المخاوف بشأن توجهاتها، وصولًا إلى ما يصفه بالانقلاب وما ترتب عليه من إعادة تشكيل لموازين السلطة وإضعاف للمؤسسات السياسية وتضييق على المجال العام. ويستند الكتاب إلى متابعة متزامنة للأحداث، تتيح رصد التحولات في سياقها، ومقارنة الوعود الأولى بالحصيلة السياسية التي انتهت إليها البلاد.
ويشير المؤلف إلى أن المواد المنشورة رصدت سياسات سعيّد منذ الأيام الأولى لحكمه، مرورًا بما أثارته الأشهر الأولى في قصر قرطاج من تساؤلات، وصولًا إلى ما يعتبره مسارًا متتابعًا من التراجع السياسي. وقد أعاد مراجعة المقالات وتصنيفها ضمن اثني عشر فصلًا، تتناول مؤسسة الرئاسة والحكومة والبرلمان والانتخابات والمعارضة، إلى جانب التحولات التي عرفها الإعلام التونسي وأوضاع الصحافيين.
وتكشف عناوين الفصول عن المسار التحليلي الذي ينتظم الكتاب؛ من «تفاؤل حذر» و«تصاعد القلق» إلى «منعرج الانقلاب» و«قمع متصاعد» و«معاناة الإعلاميين»، ثم «الساحة السياسية» و«البرلمان والحكومة» و«مسخرة الانتخابات» و«تونس والخارج» و«الشعب… والشعبوية» و«الكرة والسياسة». وتضع هذه المحاور تركّز السلطة، وتراجع التعددية، وأزمة المؤسسات التمثيلية، وحدود حرية الصحافة، في صلب مساءلة التجربة السياسية التونسية.
وتنبع أهمية الكتاب من جمعه بين التوثيق الصحافي والتقويم السياسي لمرحلة اتسمت بتغييرات عميقة في بنية الحكم وعلاقة السلطة بالمؤسسات والفاعلين السياسيين والإعلاميين. كما يتيح تتبع المقالات زمنيًا قراءة التحولات في المواقف والتوقعات، ورصد المسافة بين الخطاب السياسي ومآلات الممارسة، مع إبراز انعكاسات الخيارات السياسية على شروط المشاركة والتعبير والمساءلة.
وعلى الرغم من غلبة التشخيص النقدي، يخصص كريشان خاتمة الكتاب لاستشراف إمكانات تجاوز الأزمة، داعيًا إلى تضافر الجهود لإعادة صياغة المشروع السياسي والتنموي والثقافي التونسي. ويضع إصلاح التعليم في صدارة الأولويات، باعتباره مدخلًا لتكوين جيل جديد يمتلك أدوات المعرفة والانفتاح على العالم، بعيدًا عن الجمود الفكري واستنزاف المجال العام في الصراعات الأيديولوجية.
ويعقد المؤلف رهانًا على الشباب بوصفه قوة قادرة على تجديد الحياة الوطنية وتجاوز إخفاقات المرحلة، معتبرًا أن أخطاء السنوات الماضية يمكن أن تتحول إلى دروس للمستقبل، شريطة استخلاص نتائجها وإعادة بناء المشروع التونسي على أسس أكثر انفتاحًا وفاعلية.
وبذلك، يقدّم «تونس… سبع عجاف» سجلًا نقديًا لتجربة حكم قيس سعيّد، يجمع بين متابعة الوقائع وتحليل اتجاهاتها، ويطرح أسئلة بشأن مستقبل المؤسسات الديمقراطية والحريات وإمكانات استعادة التوازن السياسي في تونس.




