
ـ البرنامج الحكومي الجديد يقرّ بتعثر تحويل الإمكانيات المالية إلى مكاسب اجتماعية ملموسة، ويضع غلاء المعيشة والبطالة وتشتت السياسات العمومية في صدارة اختلالات الولاية السابقة ـ
كش بريس/خاص ـ
أعاد البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، الذي تقوده فاطمة الزهراء المنصوري، ملف الحصيلة الاجتماعية لحكومة عزيز أخنوش إلى واجهة النقاش السياسي، من خلال تقييم نقدي لمدى نجاعة التدخلات المالية التي رُصدت لدعم القدرة الشرائية، والتي ناهزت 280 مليار درهم، وفق الأرقام الواردة في البرنامج. وتتمحور الخلاصة الأساسية لهذا التقييم حول فجوة بين حجم الموارد التي عبأتها الدولة وبين الأثر الذي شعر به المواطنون في معيشتهم اليومية، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتفاقم الضغوط على ميزانيات الأسر.
ويكتسب هذا التقييم دلالته السياسية من كون الحكومة الجديدة تضم حزبين شاركا في الائتلاف الحكومي السابق، هما الأصالة والمعاصرة والاستقلال، بما يجعل مراجعة الحصيلة اختباراً لقدرة الأغلبية الجديدة على الاعتراف بمواطن الخلل وتصحيحها، من دون التنصل من مسؤولية مكوناتها السياسية عن المرحلة الماضية. فالبرنامج لا يقدم مجرد جرد للتحديات الاجتماعية والاقتصادية، وإنما يطرح، في جوهره، سؤال نجاعة السياسات العمومية: كيف أمكن تعبئة موارد مالية بهذا الحجم من دون أن يواكبها تحسن محسوس في القدرة الشرائية وفرص الشغل ومستوى الثقة لدى الأسر؟
280 مليار درهم وسؤال المردودية الاجتماعية
خصص البرنامج الحكومي الجديد حيزاً لتقييم الولاية السابقة، معتبراً أن الحكومة لم تنجح في تحويل الإمكانيات المالية التي أتاحتها الإصلاحات الجبائية والتدابير الاقتصادية والاجتماعية إلى نتائج ملموسة في الحياة اليومية للمواطنين. ويضع هذا التشخيص مسألة المردودية الاجتماعية للإنفاق العمومي في قلب المراجعة الحكومية، من خلال التمييز بين حجم الاعتمادات المرصودة وبين الأثر الفعلي الذي أحدثته في الأسواق وفي ميزانيات الأسر.
ووفق التقييم الوارد في البرنامج، تعرضت القدرة الشرائية لضغط متواصل بفعل ارتفاع الأسعار، فيما لم تتمكن التدخلات الحكومية من معالجة الاختلالات البنيوية التي تؤثر في المنافسة ومسالك التوزيع وآليات تكوين الأسعار. وهكذا، اتجه جانب من التدخلات نحو تخفيف آثار الغلاء وتمويل إجراءات الدعم، من دون أن يحقق، بالقدر الكافي، تحولاً في الشروط التي تنتج ارتفاع الأسعار وتحد من استفادة المستهلك النهائي من المنافسة.
ويستدعي هذا المعطى التمييز بين الدعم الذي يخفف العبء المالي عن الأسر في مرحلة معينة، والإصلاحات التي تحد من استمرار هذا العبء. فالمساعدات والتحويلات المالية والإجراءات الظرفية قد تؤدي دوراً ضرورياً في مواجهة الأزمات، لكنها تظل محدودة الأثر عندما تستمر اختلالات السوق، أو تتسع الفجوة بين تكاليف الإنتاج وأسعار البيع، أو تتعثر آليات مراقبة المنافسة وحماية المستهلك.
ومن هذا المنطلق، يربط البرنامج بين ضعف الأثر الاجتماعي للتدخلات الحكومية وبين استفحال الوساطة الانتهازية واتساع شبكات المصالح، بما فيها المصالح العائلية والفئوية، خارج الضوابط المطلوبة للشفافية وتكافؤ الفرص. ويضع هذا التشخيص الحكامة الاقتصادية وتوزيع منافع السياسات العمومية ضمن العوامل التي ينبغي إخضاعها للمراجعة، إلى جانب مسألة حجم الإنفاق ذاته.
«القفة» تتحول إلى مقياس للثقة في الحكومة
في واحدة من أكثر خلاصات البرنامج دلالة، يربط التقييم بين ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع الثقة لدى الأسر، مشيراً إلى أن الانشغال اليومي بتوفير المواد الغذائية الأساسية فرض نفسه على اهتمامات المواطنين، بعدما كانت قضايا السكن والشغل والتعليم تتصدر جانباً مهماً من انشغالاتهم الاجتماعية.
وتحمل عبارة تحول «القفة» إلى كابوس يومي لملايين الآباء والأمهات دلالة تتجاوز التعبير عن الغلاء؛ فهي تختزل المسافة بين المؤشرات الاقتصادية الإجمالية والتجربة المعيشية للأفراد. فقد تسجل بعض المؤشرات تحسناً على المستوى الوطني، بينما تستمر الأسر في مواجهة تآكل قدرتها على تغطية النفقات الأساسية، خصوصاً عندما ترتفع أسعار الغذاء والنقل والسكن بوتيرة تتجاوز نمو المداخيل.
ويشير البرنامج إلى أن هذا التباعد بين التحسن الماكرو-اقتصادي والإحساس الاجتماعي لم يقتصر على الضغط المالي، وإنما انعكس أيضاً على الثقة في السياسات الحكومية وقدرتها على الاستجابة للاحتياجات اليومية. فالثقة السياسية تتشكل، إلى حد بعيد، من خلال النتائج التي يلمسها المواطن في حياته، وليس فقط من خلال حجم البرامج المعلنة أو الأموال التي تخصص لها.
ومن ثم، فإن استعادة هذه الثقة تقتضي الانتقال من منطق إعلان التدابير إلى تقييم نتائجها، وربط الإنفاق العمومي بمؤشرات واضحة تتعلق بتطور أسعار المواد الأساسية، ومستوى الدخل الحقيقي، والقدرة على تلبية الحاجات الضرورية، ومدى استفادة الفئات الأكثر هشاشة من الدعم.
التشغيل: نمو اقتصادي لم يترجم إلى فرص كافية
لم يقتصر النقد الذي تضمنه البرنامج الحكومي على القدرة الشرائية، بل امتد إلى التشغيل، الذي ظل، وفق التقييم الجديد، إحدى أبرز نقاط الضعف خلال الولاية السابقة. ويستند البرنامج إلى أرقام عن سنة 2026 تشير إلى بلوغ معدل البطالة نحو 13%، وارتفاعه إلى 37,2% لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، وإلى 20,5% لدى النساء.
وتكشف هذه المستويات، بحسب التشخيص الحكومي، عن محدودية قدرة النمو والاستثمار وبرامج الإدماج المهني على توليد فرص شغل تتناسب مع حجم الطلب على العمل. كما يشير البرنامج إلى أن إحداث نحو 193 ألف منصب شغل لم يترك سوى هامش يناهز 16 ألف منصب لتقليص عدد العاطلين، في ظل تزايد عدد السكان النشيطين.
وتبرز هذه الأرقام، إذا تأكدت وفق المنهجية الإحصائية المعتمدة، حجم التحدي الذي يواجه السياسة الاقتصادية والاجتماعية، لأن خلق مناصب الشغل لا يقاس بعدد الوظائف المحدثة وحده، وإنما بمدى تجاوزها نمو اليد العاملة الجديدة، وقدرتها على استيعاب العاطلين وإعادة إدماج النساء والشباب في النشاط الاقتصادي.
كما يثير البرنامج مسألة محدودية الأثر الإجمالي لبعض برامج الإدماج والمقاولة الذاتية، التي ظلت، وفق تشخيصه، متفرقة أو غير كافية قياساً بحجم الإشكالية. ويعيد ذلك النقاش إلى ضرورة الربط بين الاستثمار المنتج وسياسات التشغيل والتكوين، وتوجيه الحوافز نحو القطاعات القادرة على إحداث فرص عمل مستدامة، مع تحسين شروط ولوج النساء والشباب إلى سوق الشغل.
وتتجاوز الإشكالية هنا حدود المؤشرات العددية إلى طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه: هل يتيح النمو المسجل فرصاً كافية لاستيعاب اليد العاملة؟ وهل تتوزع ثماره بين القطاعات والجهات والفئات الاجتماعية بصورة تقلص التفاوتات؟ أم أن تحسن بعض المؤشرات يظل محدود الانعكاس على الفئات التي تحتاج إلى دخل قار وفرص مستقرة للاندماج الاقتصادي؟
تشتت المبادرات وضعف التنسيق بين القطاعات
وسجل البرنامج الحكومي اختلالات في تنظيم العمل الحكومي السابق، تمثلت في اتساع الفجوة بين الطابع الأفقي للأولويات الوطنية وبين التنظيم القطاعي للسياسات العمومية. فبعض الأوراش، بحكم طبيعتها المتداخلة، كانت تتطلب تنسيقاً مستمراً بين قطاعات متعددة، غير أنها لم تستفد دائماً من قيادة موحدة أو آليات تحكيم فعالة تضمن انسجام التدخلات وترتيب الأولويات.
ويربط هذا التقييم بين تشتت المبادرات وصعوبة تحديد المسؤوليات، معتبراً أن التركيز على حجم التدابير المنفذة لم يصاحبه دائماً اهتمام كافٍ بقياس أثرها النهائي. وتظهر أهمية هذا النقد في المجالات التي تتقاطع فيها السياسات الاقتصادية والاجتماعية، مثل التشغيل والتعليم والحماية الاجتماعية والتنمية المجالية، حيث لا يمكن لأي قطاع أن يحقق أهدافه بمعزل عن بقية القطاعات.
فحين تتوزع المسؤوليات من دون مؤشرات مشتركة للنتائج، يصبح من الصعب تحديد الجهة المسؤولة عن التعثر، كما تتراجع القدرة على تصحيح البرامج في الوقت المناسب. أما حين تُربط التدابير بأهداف محددة وآجال واضحة ومؤشرات قابلة للتحقق، فإن المساءلة السياسية والمالية تصبح أكثر دقة، ويغدو تقييم الأداء الحكومي أقرب إلى قياس النتائج الفعلية منه إلى جرد الأنشطة والإجراءات.
ومن هذه الزاوية، يضع البرنامج الجديد مسألة التنسيق الحكومي في صلب مراجعة الحصيلة السابقة، بما يفتح المجال أمام إعادة ترتيب الأولويات وتحديد المسؤوليات وتقوية آليات التتبع والتقييم.
حكومة جديدة بأحزاب قديمة: اختبار المسؤولية السياسية
تكتسب هذه المراجعة بعداً سياسياً إضافياً من استمرار حزبَي الأصالة والمعاصرة والاستقلال ضمن الأغلبية الحكومية الجديدة، بعدما شاركا في حكومة عزيز أخنوش. فالنقد الموجه إلى الحصيلة السابقة لا يتعلق بحكومة غادرت المشهد بالكامل، وإنما بمرحلة شاركت فيها أحزاب تستمر في تحمل المسؤولية التنفيذية.
ويضع هذا الامتداد الحكومة الجديدة أمام معادلة دقيقة: الاعتراف بأوجه القصور وإطلاق إصلاحات تصحيحية، مع الحفاظ على استمرارية المؤسسات والأوراش التي لا تزال قيد التنفيذ. كما يطرح ضرورة التمييز بين المسؤولية السياسية الجماعية عن حصيلة الائتلاف السابق، والمسؤوليات القطاعية المرتبطة بتدبير ملفات بعينها.
وتظل قيمة هذا النقد رهينة بمدى تحوله إلى التزامات تنفيذية قابلة للقياس، لأن تشخيص الاختلالات، مهما بلغت دقته، لا يشكل في حد ذاته ضمانة لتجاوزها. ويقتضي ذلك تحديد أسباب تعثر التدابير السابقة، والكشف عن مواطن الخلل في تصميمها وتنفيذها، وتوضيح الكيفية التي ستعتمدها الحكومة الجديدة لتجنب تكرار النتائج نفسها.
من منطق الاستمرارية إلى تصحيح السياسات
أكد البرنامج الحكومي 2026-2031 أن مقاربته لا تقوم على القطيعة الشاملة مع الولاية السابقة، كما لا تتبنى تمديد سياساتها بصورة تلقائية، وإنما تستند إلى تثبيت الأوراش التي حققت نتائج إيجابية، واستكمال المشاريع التي تحتاج إلى وقت إضافي، وتصحيح البرامج التي لم تحقق الأثر المنتظر.
ويضع هذا التوجه النتائج الملموسة في صدارة معايير تقييم العمل الحكومي، من خلال تركيز المسؤولية السياسية والمالية على أهداف واضحة يمكن قياسها وربطها بالتزامات معلنة تجاه المواطنين. ويعني ذلك، من حيث المبدأ، الانتقال من تقييم السياسات بحسب حجم الموارد والتدابير إلى تقييمها بحسب ما تحدثه من تغير في حياة الأسر وفي فرص العمل وفي جودة الخدمات العمومية.
لكن نجاح هذا التحول يظل مرتبطاً بوضوح آليات التنفيذ، وشفافية المؤشرات، وانتظام نشر النتائج، والقدرة على مساءلة القطاعات الحكومية عن حصيلة تدخلاتها. كما يتطلب إصلاح منظومة الدعم وتطوير مراقبة الأسواق وتعزيز المنافسة، بالتوازي مع سياسة تشغيل أكثر قدرة على استيعاب الشباب والنساء، حتى لا يبقى الإنفاق العمومي منفصلاً عن النتائج الاجتماعية المنتظرة منه.
في المحصلة، يضع البرنامج الحكومي الجديد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام اختبار يتجاوز مراجعة حصيلة عزيز أخنوش إلى إعادة تعريف العلاقة بين المال العام والنتائج الاجتماعية. فالمعيار الحاسم لن يكون حجم الميزانيات التي ستُعبّأ خلال السنوات المقبلة، وإنما قدرتها على تخفيف أعباء المعيشة، وخلق فرص عمل كافية، وتحسين جودة الخدمات، واستعادة ثقة الأسر في السياسات العمومية. وعند هذه النقطة تحديداً، ستُقاس جدية الانتقال من تشخيص إخفاقات الماضي إلى بناء بدائل أكثر نجاعة وعدالة.
وتبقى المفارقة السياسية الأبرز أن رئيسة الحكومة الحالية، التي عرضت أمام نواب الأمة تشخيصاً نقدياً لاختلالات التدبير الحكومي السابق، كانت نفسها جزءاً من الأغلبية التي تولت المسؤولية خلال تلك الولاية. فكيف أمكن لهذه الاختلالات أن تتراكم، وفق ما يقر به البرنامج الحكومي الجديد، من دون أن تتحول إلى موضوع مساءلة سياسية صريحة من داخل الأغلبية ذاتها؟ وأين كانت شعارات الإصلاح والإنصاف والنجاعة حين كانت القدرة الشرائية تتآكل، والبطالة تتفاقم، والفجوة تتسع بين الإمكانيات المالية للدولة وانتظارات المواطنين؟ ولماذا غابت هذه النبرة النقدية عن الممارسة الحكومية السابقة، إن كانت الاختلالات اليوم تستدعي كل هذا التشخيص؟ إن المسألة تتجاوز مراجعة حصيلة حكومة عزيز أخنوش إلى مساءلة الموقف السياسي لمن شاركوا في تدبيرها، ثم عادوا إلى توصيف أعطابها من موقع المسؤولية الجديدة. فهل نحن أمام مراجعة نقدية حقيقية تقتضي الاعتراف بنصيب كل طرف من المسؤولية، أم أمام إعادة توزيع للأدوار السياسية، يُلقى فيها عبء الإخفاق على الولاية السابقة، فيما يُعاد تقديم مكوناتها نفسها في صورة القادرة على التصحيح؟ إن صدقية البرنامج الحكومي لن تُحسم بجرأة تشخيصه وحدها، وإنما بقدرته على تفسير هذا الصمت السابق، وتحديد المسؤوليات بوضوح، وإثبات أن نقد الأمس لن يتحول إلى مجرد خطاب لتبرير وعود اليوم.




