‏آخر المستجداتلحظة تفكير

لحسن العسبي: ليست كلها سلبية.. ففيها دروس مفيدة كثيرة

في السياسة (في حكمة التاريخ أكثر ربما) كل يقرأ الأحداث حسب مصلحته وحساباته وهواه و أيضا على “قد فهمه”..

لهذا السبب ما وقع ويقع من “سيرة النمل” (أولادنا وأهلنا الطيبون الفقراء إلى رحمة ربهم) من الأجيال المغربية الجديدة صوب وهم “سكر أروبا” عند أبواب سبتة ومليلية المغربيتين المحتلتين (بكل تلك السرعة المثيرة في مكان ما)، يطرح وجوبا أسئلة جدية لازمة للتأمل والقراءة ومحاولة الإستشراف، ممكن ترتيبها اعتباطيا كالآتي:

– واضح أن سؤال الثقة بين المواطن المغربي والدولة يستوجب إعادة تمحيص جديدة.. علينا امتلاك شجاعة الإعتراف أن “التجريف” الذي طال رأسمال الثقة الذي ولد بينهما مغربيا، أساسا منذ جائحة كورونا (حيث تأكد المغربي أن له دولة حاضنة وحامية وقادرة على الفعل الملموس في الواقع الملموس لمواجهة الكارثة)، ثم منذ ملحمة شبيبة وليد الركراكي في قطر (التي جعلتنا نثق أن لنا القدرة على اجتراح الفوز بالثقة في الذات وبحسن النية)، وبعدها زلزال الحوز (الذي أخرجت فيه البلاد أجمل ما فيها من تضامن شعبي مواطن بدون بهرجة ولا ادعاء، مثلما أظهرت مؤسسات الدولة أنها تطورت تقنيا وكفاءة من جيش ودرك وأمن ووقاية مدنية وآلية مركزية لمواجهة الكوارث، ووقفت ندا صلبا ضد وصاية بعض الخارج في باريس الذي ظل يراهن دوما على إضعاف بطاريات الثقة في ذواتنا وأننا قدريا محتاجون دوما رعايتهم ودعمهم وحمايتهم)، وصولا منذ شهور قليلة إلى مواجهة فيضانات الشمال (خاصة بمدينة القصر الكبير) حيث نجحت بلاد في إجلاء مدينة بكاملها في يومين بميزان دقيق (هذا منجز خرافي) ترجمانا لصلابة القرار المسنود بالقدرة والمعرفة، وأعادتهم إلى بيوتهم التي وجدوها آمنة كما تركوها لم يسرق منها شئ..

أقول إن “التجريف” الذي طال رأسمال هذه الثقة كما لو أن الحكومة الحالية تتحمل جزء كبيرا منه (هل لوحدها أم إنها سهلت أيضا حسابات بعض الخارج بدون انتباه ووعي).. حيث اتضح مرة أخرى بالدليل الملموس أن التكنوقراطي مهما علت مكانته التقنية لا يرقى قط إلى دربة رجل السياسة الذي يكون محكوما بفطنة عدم التفريط في الإستراتيجي على حساب التكتيكي.. نعم حكومتنا الحالية كانت قوية تقنيا لكنها ضعيفة سياسيا. أي خانتها دوما حصافة التوقع تلك التي لا تسجن نفسها فقط في توقع الأرقام بل تمتلك فطنة خلق أسباب رسوخ الثقة وتعزيز الأمل في صدور المغاربة، وأن تفهم عميقا أن التدبير في الشأن العام موضوعه الإنسان وليس الآلة..

– إن الرسالة الأخرى من الذي جرى الموجهة إلى الجميع وخصوصا إلى الحكومة القادمة أن التحديات لا تزال هائلة وأن الحاجة لنخب حاملة لمشروع سياسي وطني واضح المنطلقات والآفاق هي حاجة حيوية ملحة.. لأنه بكل المسؤولية الوطنية علينا الإقرار أننا مغربيا في حاجة إلى روح تدبيرية تشبه روح “حكومة عبد الله إبراهيم” (والأمر هنا ليس مزايدة سياسوية بل أمل للتطور تاريخي)، تلك التي تشتغل بصرامة الإنجاز واستقلالية القرار وجرأة البناء لتعزيز السيادة الوطنية التي هي الإسمنت الصلب لجدار الثقة بين المغربي ودولته.. فالأمل رأسمال هائل في خطو الشعوب ومن أكبر مداخله الإنهاء مع “مغرب بسرعتين”..

– إن هناك رسالة أخرى جميلة في “سيرة النمل” المغربية الزاحفة نحو هواء سبتة ومليلية المحتلتين، هي أن المغربي قادر بخطوه الراسخ أن يعيد عدادات التاريخ إلى صوابها في تلك الأراضي المغربية المحتلة.. وهذه رسالة مفروض أن تقرأها مدريد جيدا وأن تفهم أن “حل مشكل المدينتين المحتلتين” هو في تسريع التصالح مع منطق التاريخ والحق والعدل وأن تعيدهما لوطنهما الأصلي.. قد يأتي يوم ويتغلب المغاربة سلميا بمسيرة تحرير شعبية (هذه مجرد بروفة صغيرة منها) على قصة آخر قلاع الإستعمار الأروبي في إفريقيا.. تلك رسالة وطنية ضمنية لمن يفهم على أن القدرة المغربية شعبيا في التحرير رسالةٌ أن أحفاد أبطال معركة وادي المخازن ومعركة أنوال ليسوا بذاكرة ملحوسة أو معطوبة.. هل قرأت مدريد ونخبها الرسالة جيدا؟.. مؤكد أن الرصينون هناك (الذين ليسوا من سلالة سمبريرو إيكومباني) يستوعبون الأمر جيدا.. فيا له من درس تاريخي وطني ثاو وضمني في “سيرة النمل” المغربية هذه حتى وهي قد تحركت مكرهة الآن فقط بإغراء لذة “سكر أروبا” (متناسية ربما في مكان ما، حتى وهي لها كامل الحق في اجتراح أسباب العيش بكرامة واستخراجها بالأظافر من صخر الأيام، أنه “قطران بلادي ولا عسل بلادات الناس”، كونها في تفصيل ما أشبه ب “العاشق” الطامع، وكل عاشق أعمى، الذي يرى الربيع ولا يرى الحافة)..

– أمنيا أخيرا، ربما دخلنا مغربيا منذ مدة زمنا آخر لمواجهة “الجريمة المنظمة” و “الإتجار بالبشر” يوجب بهدوء ورصانة وكفاءة تطوير تقنيات (وتاحرميات) التدبير الأمني لملفات معقدة ومركبة مثل هذه الملفات، مفيد الإستفادة فيها من تجارب دول سبقتنا في هذه المواجهة بأحجام أكبر مثل تركيا والمكسيك والولايات المتحدة الأمريكية.. من يدري قد تكون لنا تجربتنا الوطنية المختلفة فيها مأمول أن تصبح مرجعا متمايزا يفيد الآخرين كل الآخرين..

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

Back to top button