‏آخر المستجداتفنون وثقافة

عبد الإله بلقزيز*: عبد الغني أبو العزم… سيرة صداقة ومعجم حياة بين الفكر والنضال

جوار ضريح الإمام أبي العباس السبتي، حيث ولدتُ وربيتُ وقَضيتُ شطرًا من الطفولة، كان مسكن أهلي بجوار مسكن العلامة عبد الغني أبو العزم. لكني ما تعرفت إليه باكرًا وإن عرفت عنه الكثير. كنت تلميذا في القسم الابتدائي أواسط الستينيات، حين كان عبد الغني طالبا في الجامعة، فكان يَعْسُر علي أن التقيه هو الغائب عن مدينة مراكش حينها، وكان يعشر على الشاب الصغير، الذي كُنتُه أن يُدرك قيمة مقام الشاب الجامعي الراشد. عرفت في ما بعد، وأنا تلميذ في الثانوي، أن عبد الغني أصبح من أطر قيادة “منظمة 23 مارس”؛ المنظمة الماركسية السرية التي تأسست في العام 1970، والتي كانت مواقفها السياسية الراديكالية ومواقف رفيقتها الماركسية منظمة إلى الأمام، تصلنا ونحن تلامذة فترسم في مخايلنا صورًا للبطولة جذابة، وتزج بنا في أتون معارك تنوء أعمارنا الفتية بحمل

أثقالها.

عرفت، في ما بعد، وأنا ما زلت في الثانوي في أوائل السبعينيات، أن أبا العزم غادر الوطن، في جملة من غادروه من أطر اليسار، هربا من القمع الأعشى ليستقر في منفاه الباريسي. ولما كانت باريس حينها، ملجأ لمئات اليساريين المغاربة الذين شدّوا إليها الرحال إبان ضربات القمع الشديدة، في العامين 1972 و 1974، التي انتهت باعتقال مئات أطر اليسار الماركسي المغربي؛ ولما كانت ملجاً لآلاف المناضلين والكتاب والصحفيين العرب الوافدين إليها من كل صفع عربي للأسباب عينها، فقد وجد فيها عبد الغني أبو العزم المكان المناسب الذي يتيح له أن يستكمل ما كان قد بدأه في وطنه على جبهتي النضال والمعرفة على السواء. هكذا بقي وفيا لمشروعه السياسي ولرفاقه في المشروع ذاك، في الوقت عينه الذي استكمل فيه تكوينه العلمي العالي في جامعة السوربون، وعمل في دوريات ثقافية عربية ذات صيت كبير.

حين عودته إلى الوطن بمعية زوجته الرائعة ورفيقة دربه السيدة أن ماري، وكان ذلك في أوائل الثمانينيات، اتصلت بيننا العلاقة والمودة وتوثقت عراها، فكنا نلتقي باستمرار، وكان بيننا من روابط الفكر والخيارات في الحياة والهموم المشتركة ما يرسخ تينك العلاقة والمودة؛ من قضية فلسطين – وقد أفنينا أكثر العمر في سبيلها – إلى آخر مسألة في المعرفة والفكر والثقافة، دعك من الولع باللغة العربية والانسحار بجمالياتها وقد وحد بيننا حتى لكأنا واحد في جسمين. كل شيء بيننا كان مشتركا الحي والمدينة اللذان نشأنا فيهما المنابع الثقافية والسياسية التي متحنا منها؛ القضايا الوطنية والقومية والأممية التي انهممنا بها وصرفنا في سبيلها النفيس والعزيز الخيارات السياسية الكبرى التي انتحلناها لأنفسنا؛ الأمكنة التي تعشقناها وسكنت منا الشغاف كمراكش وبيروت وباريس؛ أطباق الطعام التي تَلَمَّظْنا مذاقاتها ودبجنا فيها المدائح؛ بل الخيارات السياسية التي ارتضيناها وتقلبنا في دروبها وتعرجاتها؛ حتى الأصدقاء من المفكرين والأدباء والسياسيين ، مغاربة وعربا، كانوا مشتركين. وإني لأحْمَدُ هذه الصدفة الرائعة التي سمحت لي بأن أكون شريكا لأبي العزم في ما اختارته نفسه وانشدت إليه من أفكار وقيم أذواق وأمكنة.

في منات اللقاءات بيننا خلال ثلث قرن مضى؛ في بيتينا، والمقاهي وبيوت الأصدقاء، والمنتديات، والفنادق، في المغرب وخارجه، لا يطيب حديث مع أصدقاء إلا متى طَوَّبَه عبد الغني وكان شريكا فيه. حتى المساجلات لا طعم لها إلا معه؛ وحدها لاءاته تُشغلها في النفوس قبل أن تُطفئها هيبته والشعور الجماعي بنظافة طويته حين يُمعن في المجادلة. وأنا أعترف الآن أن الكثير مما أتاه عبد الغني من آراء أو أبداه من تحفظات كان حصيفا وسديدا، أو قل هكذا يبدو لي اليوم، بعد إذ تبددت الأسباب التي كانت تحول دون تبين وجه السداد والحصافة فيه. هكذا أفهم، اليوم، معدل نباهته في ما أتاه من مواقف، قبل ثلاثين عامًا؛ من الحرب العراقية – الإيرانية؛ ومن الخلاف داخل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بعد الغزو الصهيوني للبنان وحصار بيروت وخروج فصائل الثورة منها في صيف العام 1982؛ ثم ما أبداه من مراجعة للموقف من حركة “فتح” في وسط يساري مغربي كنا مشدودين فيه إلى مواقف اليسار الفلسطيني “الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين” و “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”. وأنا زعيم بأن التصحيحات المتبادلة لمواقفنا من الشأن الخلافي الفلسطيني أتت علينا بأجزل ثمارها، وأي ذلك هو وأنا – من علاقات حميمة جمعتنا معا برموز الثورة الفلسطينية من قادة ومفكرين وأدباء وكتاب بالشهيد ياسر عرفات، والقائد الرحل جورج حبش، والقائد المناضل نايف حواتمة، والقائد الراحل خالد الحسن، والفقيدين الكبيرين إدوارد سعيد ومحمود درويش وطيب الذكر بلال الحسن والقائمة طويلة.
تعددت وجوه العمل العلمي الذي خاض فيه الأستاذ عبد الغني أبو العزم؛

من تحقيق نصوص التراث في علم الكلام – نظير تحققه نص أعز ما يُطلب للمهدي بن تومرت وتحقيقه مخطوطة عن الطبخ المغربي في العهد الوسيط؛ إلى الترجمة نظير ترجمته كتاب أمير المؤمنين لواتربري إلى العربية، وترجمته – وصديقه الأستاذ أحمد شحلان – كتاب ألف سنة من حياة اليهود في المغرب لحاييم الزعفراني؛ وفي الدراسات النقدية، على مثال كتابه النّص والمنهج مدخل إلى التحليل الإحصائي اللغوي للنصوص الأدبية؛ إلى الإبداع الأدبي، نظير روايتيه الضريح والضريح الآخر، ونظير مجموعته القصصية ظلال البيت القديم وديوانه الشعري هكذا حدثني المنفى…. غير أن أظهر مساهمات أبو العزم العلمية وأميزها مساهمته في التأليف المعجمي والدراسات المعجمية؛ فإلى كتب وضعها في المعاجم من قبيل كتاب المعجم المدرسي أسسه ومناهجه والمعجم الصغير، ومعجم تصريف الأفعال، ثم المعجم اللغوي التاريخي منهجه ومصدره، أصدر عمله العمدة الغني الزاهر في أربعة مجلدات، وقد اشتغل فيه بمعاناة لما يزيد عن العشر

سنوات من غير كلل أو قنوط أو ياسة.

اسمحوا لي، أيها الحضور الكرام، أن أقول كلمة في هذا المعجم الذي أرهق بدن صديقنا عبد الغني وهد قواه قبل أن يُخرجه إلى الوجود. من دون تزيد مني أو مداهنة أو محاباة، أضع معجم الغني الزاهر في مرتبة أمهات المعاجم العربية لسان العرب لمحمد بن منظور، والقاموس المحيط لمحمد بن يعقوب الفيروزبادي، و تاج العروس لمرتضى الزبيدي، ومحيط المحيط للمعلم بطرس البستاني، والمعجم الوسيط الصادر من مجمع اللغة العربية في القاهرة، و المعجم للشيخ عبد الله العلايلي الذي وبد في الحرب اللبنانية فلم يصدر من أجزائه الأربعة والعشرين إلا أجزاء أربعة فيما احترقت بنيران الحرب آلاف الجذاذات التي كان قد هيأها الشيخ العلايلي لإصدارها في بقية الأجزاء). لا أجامل صديقي عبد الغني حين أهنّى جَهْدَه ومعجمه باحتلال السُّدة والسُّؤدد، وبوضعي إياه في مقام كبرى المعاجم في تاريخ الثقافة العربية؛ فهو الأغرف بما تعنيه لي المعاجم، وباتصالي اليومي بأمهاتها، وولعي بلغة الضاد؛ معانيها ونحوها وصرفها ووجوه التطور والتجديد فيها؛ الأمر الذي يبرئ شهادتي في معجمه من تهمة الإرجاف في ما ليس لي عليه دليل؛ فأنا في حكمي هذا لا أهرف بما لستُ أعرف، ولا أخوض في شأن هو عني بِمبْعَدٍ وأنا عنه بمنأى إن معجما يحوي خمسة وستين ألف مدخل لغوي، كمعجم الغني الزاهر لهو حقا معجم شامل. وللمرء أن يتخيل الكم الهائل من المفردات التي تتولد من كل مدخل وتنتسب إلى جذره. وإلى ذلك زخر المعجم بآلاف الاقتباسات والنقول من المصادر العربية القديمة والحديثة، لبيان وجوه الاستخدامات المختلفة والمتباينة للألفاظ، ووجوه التبدل في معانيها والدلالات. وفي الاقتباسات هذه كان الأستاذ أبو العزم يدخل في غميس التعبير الأدبي العربي، قديمة والحديث، لاستصفاء ما يُبلغ في التمثيل للمراد من معاني الكلام في اللسان العربي، حتى لكأن المعجم بات، بهذه الطريقة، سفرًا من منتخبات الكلام المطرز البديع فعل ذلك على طريقة الكبار الذين سبقوه في هذا الباب؛ على طريقة الجرجاني، والزمخشري، وابن منظور والفيروزبادي، والزبيدي، وفارس الشدياق وبطرس البستاني، وشيخ العربية الكبير الشيخ عبد الله العلايلي، فأضاف إليهم جميعهم.

الأستاذ عبد الغني العزم أيها الحضور الكرام، من آخر سدنة المعبد اللغوي العربي وحراس اللسان العربي في هذا البلد، كما في مجمل الوطن العربي وما من ضهي له، في هذا الباب، إلا القليل من اللغويين والمعجميين العرب ممن اختاروا ركوب الصعب والاصطبار على مشاقه وأثقال حمله. لذلك يليق به أن يفخر الوطن، رمةً به على نحو ما تفخر به المحافل العلمية والأكاديمية في الوطن العربي قاطبة، وعلى نحو ما ستفخر به الثقافة العربية في الحاضر والمستقبل. وهو وإن لقي الاحتفاء العلمي به في جامعات مغربية عدة، نظير تكريمه في جامعات ومنتديات عربية، فسدَّد الباحثون ما عليهم من دين يدينون به، فهو لم يلق، من أسف شديد، أي تكريم رسمي له حتى يوم الناس هذا بحسبانه واحدا من علماء المغرب ورجالاته الأفذاذ !

أهتبل المناسبة الطيبة هذه، التي أتاحها لنا السيد العميد الصديق عبد القادر كنكاي، للتعريج على الإنساني العميق في وجدان الأستاذ أبي العزم ومسلكه. عبد الغني رجل ذلق لسانُه وطَهُرَ جَنَانُه حتى لتكاد أن تخاله وليا من الأولياء. لا مكان في قاموسه اليومي لمفردات القدح والتشنيع ونَق النُّفَّاف؛ وديع هو مع الأصدقاء والناس والرفاق، سموح لا يَضْغَنُ على أحدٍ ضِعْنًا، ولا على أحدٍ يَجِدُ الموجدة بل يجد به الوجد إن هو استحقه طفل كبير هو عبد الغني؛ في براءته وعفويته وبلورية دخيلته ما رأيته يوما يحتقد على أحد حتى من أساء إليه. يعف لسانه والقلب عن مقابلة الخطيئة بالخطيئة؛ يتعالى عن الألم وكأن ما به من الكلام شيئًا وإن أثخن هذا وغارت في النفس جراحاته. هكذا هي سيرته مع الناس والأصدقاء. لذلك ظل يعيش في سلام داخلي مع النفس، وظل عنفوان مقامه يعلو عند من يحفظون له المودة ويزعون الوفاء مدرسة هو في النظافة الأخلاقية والمبدئية ونكران الذات؛ يعرف قدره العالي ولا يباهي به أو يَلْبَسُه من الشعور به مقدار ذرة من كبر أو عُجب كل ما يأتيه بجهده وكده من جميل الأعمال هو عنده في حكم أقل الواجب الذي عليه، من غير أن يستأتي من وراء تأديته شكورا. من معدن نفيس هو ، نفاسة مختده العريق، وهو من قلة قليلة ظلت تمسك بالجمر، بعد سنوات الجمر، فلم تك من الذين عما آمنوا به أعرضوا وانصرفوا وولوا الأدبار. ليس من شأن شخصي عنده ينقفل عليه انقفالاً ؛ شأنه الشخصي هو الشأن العام، وشأنه العام شأن مغربي وشأن عربي لا ينفصلان وهو في انهمامه بهما، يتحرك بين ضفاف السياسة والثقافة مثلما يتحرك بين غرفتين في المسكن الواحد. شجاع هو في خياراته، لكنه واقعي في تدبيرها؛ يُدرك الفوارق بين الواجب والممكن لأنه متشبع بثقافة تاريخية وسياسية رصينة تجنبه من مغبة ركوب مركبي العدمية والرومانسية الممجوجتين.

أخي وصديقي عبد الغني؛

إن أنسى شيئًا لا أنسى لطفك العذب، وبهاء حضورك، وشدة مروءتك، وعفة لسانك، وما مَنَحْتَنِيه من اللحظات الجميلة بقربك. أنت المثال الأمثل للصداقة والمحبة والوفاء، بل أنت الوفاء يمشي بقدمين ويُعلن في الناس تعاليم شريعته. وإن أنسى، في مئات اللقاءات بيننا، لا أنسى لقاءاتنا في الاجتماعات الأسبوعية للمكتب التنفيذي لـ ” المنتدى المغربي العربي، في سنوات التسعينيات من القرن الماضي؛ التي رحل عنا من المشاركين فيها فقيدان كبيران هما الأستاذ عبد الكريم غلاب والأستاذة زهور العلوي. كما لست أنسى لقاءاتنا الحميمة مع صديقنا المشترك بلال الحسن شفاه الله، وأحاديثنا معه في الشأن الفلسطيني والشأن العربي التي لا تنتهي؛ هو الذي عرفناه في محطات تاريخية مختلفة في بيروت وباريس والرباط. وقطعًا لا يسعني أن أنسى لقاءاتنا الأسبوعية المنتظمة التي تجمعنا – في حضرة شيخنا وجامع شملنا الأستاذ محمد الحبيب طالب – بالصديقين العزيزين الأستاذ نور الدين العوفي وجليل طليمات، وسيل المناقشات المتدفق فيها.

أخيرًا، إن أنسى فأنا لا أنسى زيارتك لي إلى بيروت وإقامتك عندي لأيام قبل سبعة عشر عاما، قضيناها سويا في عاصمة الثقافة العربية والتنوير. لا أنسى جولاتنا في أرجائها وزيارتنا الجبل ومدينة بيبلوس العريقة وقلعتها التاريخية ومتحف الشمع والميناء الأثري من العهد الفينيقي المشيد قبل أربعة آلاف عام. لا أنسى لقاءاتنا الحارة بالأصدقاء اللبنانيين والعرب من المثقفين؛ لقاءك لأول مرة -بعد سبعة وعشرين عامًا من الغياب – بصديقنا الباحث السوري الكبير منير العكش وإجهاشكما بالبكاء كطفلين صغيرين. لا أنسى لحظات الاستماع الصوفي في البيت إلى الصوت الملائكي للسيدة فيروز ورحلتنا معه إلى الأعالي. إنها، يا صديقي واحدة من أجمل ذكرياتي في تلك البلاد التي أحبها.

و یا عبد الغني؛ من أين لك هذا الذخر الهائل من السحر والجاذبية لدى جميع من ساقتهم الصدفة الجميلة إلى صحبتك؟ ما سر هذه القوة المغناطيسية التي تشدنا إليك وتضعنا في أرباق اسمك و أصفاده؟ أنت تعطي ولا تفتقر إلى ما أعطيت مثل الشمس تهبنا الضوء والدفء ولا تفقد منهما شيئًا. يكبر المرء بك، يا صديقي ويغتنى داخله بالكثير. أنت غني كاسمك واسم معجمك وإن أنت، بطبعك، لا تبغى الغنى ولا تسعى إليه، وأنت عنه دومًا في غنى.

أيها الغني بعلمه وقلبه وأخلاقه وسيرته، أنا لستُ عنك في غنى لأني

أحبك.

دعني يا صديقي استأذن ذكرى شاعرنا أبي الطيب المتنبي في إجراء تحريف حلال على كلمة واحدة من بيت شعري له، لأخاطبك بما كنت أخاطبك دائما فأقول:

على قدر أبي العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم

صديقي؛

في هذه المناسبة الجميلة، ليس لي غير أن أنتظر من عطائك المزيد، وأن أتمنى لك شدة الشكيمة وثبات الجلد وموفور الصحة والعمر المديد.

*شهادة ألقيت في الندوة التكريمية عن الأستاذ عبد الغني أبو العزم في كلية الآداب والعلوم الإنسانية .

بن مسيك في 5 ديسمبر 2019

(الصورة بكاميرا الفنان أحمد بنسماعيل)

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button