
كش بريس/خاص ـ في امتدادٍ لرهانه على جعل الثقافة أفقاً للتلاقي لا مجرد عرضٍ عابر، ينخرط معهد ثيربانتيس بمراكش من جديد في برنامج «ليالي رمضان»، المبادرة التي تتقاسمها سفارة إسبانيا بالرباط مع شبكة معاهد ثيربانتيس بالمغرب. ليس الأمر احتفاءً موسيقياً فحسب، بل فعلُ إنصاتٍ متبادل بين ضفّتين ظلّتا، عبر التاريخ، تتبادلان الأصداء والأنغام والرموز.
في هذا الأفق، تغدو الموسيقى الروحية والأندلسية وموسيقى الثقافات الثلاث أكثر من تراث فني؛ إنها ذاكرة حيّة تعيد وصل ما انقطع، وتستحضر زمناً كان فيه المتوسط فضاءً لعبور المعاني لا للحدود. إن المشاركة في «ليالي رمضان» تبدو، بهذا المعنى، تمريناً على إعادة اكتشاف المشترك الإنساني عبر لغة تتجاوز الكلمات.

وتحظى دورة مراكش بدعم المديرية الجهوية لوزارة الثقافة بجهة مراكش–آسفي، وباحتضان قصر الباهية، ذلك الفضاء الذي تختزن جدرانه طبقاتٍ من الحكايات، فيتحول المكان نفسه إلى عنصرٍ من عناصر العرض، حيث يلتقي الحجر بالصوت، والتاريخ بالنغم.
ضمن هذا السياق، يلتقي جمهور المدينة الحمراء مع عرض «جنّان الأندلس»، الذي تقدّمه فرقة حميد أجبار للموسيقى الصوفية، المقيمة بمدينة غرناطة. العنوان ليس استعارةً عابرة، بل إشارة إلى الفردوس الرمزي الذي شيّدته القصيدة الصوفية في المخيال الأندلسي؛ حيث تتحوّل الحدائق إلى مقامات، ويصير العشق لغةً كونية. يستلهم البرنامج نصوصاً وموشحات لكبار الأعلام، من قبيل ابن عربي و**رابعة العدوية** و**الششتري** و**الحراق** و**البوصيري**؛ وكأن الأمسية سفرٌ في جغرافيا الروح قبل أن تكون رحلةً في جغرافيا المكان.
يمتد المسار الموسيقي من حدائق قرطبة وغرناطة إلى حدائق دمشق، في تنويعٍ للإيقاعات والمقامات والأساليب، حيث تتجاور الخصوصيات دون أن تتنافى. إنها رؤية فنية تمتح من الأصالة دون أن تنغلق فيها، وتغامر بالتجديد دون أن تقطع خيط الذاكرة.
يقود الفرقة الفنان حميد أجبار، صوتاً وكماناً أندلسياً، بمشاركة عزيز السمساوي (قانون)، فتحي بن يعقوب (كمان)، محسن قريشي (عود)، وخالد أهبون (إيقاع). غير أن القيادة هنا ليست تقنية فقط، بل روحية أيضاً؛ إذ تتحول الآلات إلى وسائط للعبور، ويغدو الأداء ضرباً من الذكر الموسيقي.
ينحدر حميد أجبار من شفشاون، وتكوَّن موسيقياً بين المغرب وإسبانيا، قبل أن ينضم إلى الأوركسترا الوطنية للموسيقى الأندلسية ويستقر في غرناطة، حيث نسج تعاونات مع أسماء وازنة مثل Paco de Lucía وJosé Mercé وCarmen Linares وEl Lebrijano وEduardo Paniagua. هذا المسار العابر للثقافات جعله أحد أبرز الأصوات التي تنسج حواراً حقيقياً بين التقاليد، لا على مستوى التقنية فقط، بل في عمق الرؤية.
يقام الحفل مساء الأربعاء 25 فبراير 2026 على الساعة التاسعة والنصف ليلاً بقصر الباهية بمراكش. غير أن الموعد، في جوهره، ليس مجرد توقيت في روزنامة ثقافية، بل لحظة إنصاتٍ إلى ما تبقى من الأندلس في الذاكرة المشتركة، وإلى ما يمكن أن تولده الموسيقى حين تتحرر من الحدود، وتستعيد قدرتها على أن تكون جسراً بين الأرواح.





