

في حقيقة الأمر، لسنا بصدد سيرة ومنجز أي كان، بل نحن إزاء مبدع خصب المخيلة موسوعي الخلفيات، غني عن التعريف على كل حال، وإن استحقت أعماله مزيدا من الدراسة والنقد والتمحيص.
هذا هو الإعلامي والكاتب المتعدد جلال برجس الغليلات(3يونيو1970)، الحائز على جوائز أدبية هامة ومتنوعة، وفوق ذلك الإنسان التقدمي النموذجي الذي يشهد له كثيرون بتواضع العظماء.
الحتمي أننا ما فذلنا بهذا مجاملة، إنما فرضت علينا اعترافنا بهذه الهامة وأملته الأمانة العلمية والمسؤولية التاريخية لا غير.
في محاولة منا لتقريب القارئ العربي من التجربة الروائية النوعية والباذخة لجلال، وقع اختيارنا على روايته( دفاتر الوراق) الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) سنة2021.
في مستهل هذه المناولة، نقتبس له الطقس الروائي التالي إذ يقول السارد:
{مهملين لا يكترث بأمرهم أحد، كأنهم براز عصفور سقط على كتف سيد يرتدي بذلة فاخرة وراح يمسحها بعجالة وقرف}(1).
إنه توصيف دقيق جدا، يحيل على تدبير السردية بالفنية المحكمة اللازمة، ويقود إلى موطن الإشراقات الشعرية في المنجز على نذرتها، كأنما يقصد من خلالها إلى منح القارئ فرصة لاستعادة النّفس، ومن ثم اكتساب القدرة على تجديد مطاردة خيوط السرد في خارطة تتعدد أصوات شخصياتها، وتتشابك أحداثها.
لن أقول طرد الملل عن القارئ، كوني تلقنّت الرواية كأنها جملة واحدة، ولم ابرح حتّى أنهيتها من ألفها إلى يائها، وهذا إن نمّ فعلى الثقافة العالية لدى صاحب العمل ووعيه العميق بآليات الاشتغال الروائي، فأهميتها، بلا ريب، تكمن في باقة من الأغراض، في طليعتها عنصر التشويق في شدّ الذائقة والإدراك، على حدّ سواء، على نحو تصاعدي لاهث، من مطلع السردية حتّى قفلتها.
في فصل الرواية الأول يتذكر البطل إبراهيم كيف أن والده وبعد خروجه من السجن الذي أمضى فيه ثلاث سنوات، وقد تمّ اعتقاله لضلوعه في قضية سياسية معينة، قرر على الفور ترك القرية والتوجه مباشرة إلى مدينة عمان الكبيرة والصاخبة والنائمة على بحر من الأسرار.
يذكر أيضا، كيف توفيت والدته بمرض السرطان، وبعدها انتحار والده بالصورة التي ما لبثثت تلازم ذاكرة هذا النجل المتروك لغربته ووحدته، وتقضّ مضجعه وتنغص عليه المتبقّي من عمر.
أوجاع بثقل جبل شامخ ما انفك إبراهيم يكابدها، متجرعا مرارة الاغتراب والفقد واللاانتماء، ومما غذى امتعاضه أكثر، تحويل كشك وراقته إلى محل تجاري لبيع الأجهزة الإلكترونية من طرف رجل متنفذ يُدعى إياد نبيل.
شخصية إبراهيم المنشطرة بين عالمين: الكشك والفضاء الأزرق المُرقمن، بما يمسخ الكائن ويغرّبه روحيا ويجور على إنسانيته.
ومن مقولة أن من يصمت طويلا يحزن كثيرا، بادرت هذه الذات المنكسرة وانطلقت في رسم ملامح تجربة استثنائية مدغدغة ببساطة وصفاء المعجم، والتخفف إلى أقصى حدّ من إيقاعات الشعري في المنجز برمته، وإن سلكت البعد الغرائبي في كثير من المحطات، ودشنت انبثاقها من سيكولوجية التحكم بالشخوص ممن دارت حولهم سائر تلك المكاشفات، مركزة على انفصام شخصية بطل الرواية الأول.
إنها رواية المحاكمة السوسيوثقافية لمجتمع نخره جسده الفاسدون من ساسته.. مجتمع فوضوي مضطرب راحت تتناسل أوبئته بشكل مقلق.
ينعطف خط هذه السردية باتجاه ما يُمسرح المعطى العجائبي المتجسد في أبجديات استنطاق واقع” حمْل” الرجل، كما لو أنه امرأة.
في الحقيقة ما ذاك الجنين المتوهم ولو ان سياق السردية منحه طابع العقلانية، تبعا لإيقاعات ممهورة بمحاولات فضح ملامح الكينونة المنقمعة والضائعة والمفتقرة إلى هوية واضحة المعالم، ودائما ما بين، معنيين لمفهومين سيكولوجيين متضاربين: اللاوعي الفردي في قاموس فرويد، وكمقابل له، اللاوعي الجمعي لدى يونغ.
يحصل أن يعاني إبراهيم عذابات نفسية، تفيدها لحظات متقطعة من انتفاخات وآلام في البطن، حتى ليبدو كما المرأة الحبلى، ما اضطره إلى تأمم طبيب نفسي أطلعه على مثل هذا السر الغريب والخطير في آن، طلبا للتعافي والاستشفاء.
وبذلك تأخذ السردية معناها الفلسفي العميق، الذي تتراكم عند حدوده اشتراطات الهوية، في تجليات رمزية للقرين، أو صوت الشر النابع من داخل الذات الساردة، والحاقد على هذا العالم الضَّاج بأضرب السلبية والاضطهاد والنقصان فهلم جرا من مثالب ذميمة أخرى.
الجنين المتوهّم الذي تحاول الرواية إقناعنا بحقيقته، كصفحة بيضاء نقية يتوقف مصيرها على ما قد تتلون به لحظة ما بعد الميلاد.
هذا الكائن الذي يسكن أعماق إبراهيم، وقد تقمّصه بالكامل، إذ يحاول الخلاص منه بشتى الطرق، باعتباره تهديدا وخطرا على العالم بأكمله، ما يجبر الراوي على اتباع الأنساق السياسية لتمرير خطاب التمرد ذاك، فيترعه بجملة من المواقف الكوميدية الدمثة والجريئة.
تقول الرواية:
{ــ عليك أن تصحو، أنت لست فريديريك هنري يتجهز للذهاب على الجبهة، أنت إبراهيم الوراق ابن الخسارات المتتالية.
أقعيت على الأرض أنضر كيف يتحرك كل شيء حولي، كدت أراه، إذ إن له وجها ضبابيا وهيئة غير ثابتة، فصرخت به وهو يتنقل من جهة إلى أخرى كشبح لا فكاك منه:
ــ ما هي إلا ساعات قليلة وأتخلص من ملازمتك لي.
جاءت ضحكته ماجنة ومستهزئة:
ــ الذين كونوا هذه الدائرة يصفقون للمهرج الفاشل فيك، ويحتفون بتسلية عابرة تكسّر رتابتهم، توقف عما تفعله، تبدو مثل قرد يتقافز في حفرة مليئة بالجمر قبالة أناس ينفقون ما تحتاج من سنين لتجمعه.
تناقص عدد الأيدي التي كانت تصفق لي، فنهضت ورحت أرقص مدفوعا بعناد كبير بعد أن صرخت به:
ـــ فكرتك مشوهة عن كل شيء، هؤلاء أناس يعيشون الحياة كما ينبغي لها أن تعاش.
ـــ أتعرف من هؤلاء؟ انظر إليهم، ليسوا من طينتك ولن يبدوا أي تعاطف مع من هم على شاكلتك أيها الأبله.}(2).
في الفصل الثاني من الرواية، يتم الاسترسال بذات الخطاب، بحيث نشهد استغراق الذات الساردة بالحوارية التي تتوازى عند حدودها، اللغة بلسانين مترجمين لسيرتين بذات الحمولة النفسية والثقافية تقريبا، والمنشدّة إلى بؤرة دوال الفقد والتحول والانتماء.
سيرة صاحب الدور البطولي الأول في الرواية، إبراهيم، في افق استرجاع ذاكراتي، يراهن على التنويعات الزمكانية، ويستنطق رواسب الطفولة البعيدة جدا، بما تعكسه مرايا الحرمان والفقر وجنائزية المشاهد، على النحو الذي يوحي بجفاف ومأزومية الحضور العربي المقيّد بالتابوهات حدّ التقديس، لدرجة باتت معها الحياة العربية عصية ومنغلقة ومحافظة أكثر مما يجب، على حد تعبير المعالج النفسي يوسف السماك.
لعل الازمة التي اختبر بها إبراهيم، وما خاضه من حروب صغيرة ضد حياة هزمته طويلا، هو ما بلور نظير تلك الشخصية، علاوة على عما صبّ فيها الأب، من عصارة وخبرة مختمرة ومتكاملة، متجذرة في سيكولوجيات الانعزال والحيطة المبالغ فيها، ما أعطى بالتالي صور انفصام الشخصية، والانشطارية الراعية لمعاني صوتين متباينين يسكنان إبراهيم: الأول ممثل للتطرف وذائد عنه كقناعة وسلاح لتغيير العالم، عكس الثاني الميال إلى التصالح ومهادنة الراهن السوسيو اقتصادي المأزوم.
إن طبقية إبراهيم لم تك حاقدة، وإنما حصل إفرازها لتصحيح واقع مختل، وتقويم اعوجاجه، على الرغم من الاكراهات والخسارات والتحديات والأوجاع.
أما الطرف الثاني المطايف ضمن أفلاك هذه الحوارية، نلفي سيرة ليلى مجهولة النسب والمنقطعة إلاّ مما تشكلت له شخصيتها المهزوزة إبان عيشها في ملجا تركته بعد سنوات عديدة، كي تخرج لما اعتقدته رؤية للنور في عالم ذكوري الصوت متوحش السوط متشبّع بنزعات الشهواني وسلعنة الأنوثة.
تحاول ليلى انتشال عفتها من ذلكم المستنقع وبالكاد تفلح خلاف صويحباتها ممن قهرهن الزمن فأجبرهن على المتاجرة في أجسادهن، فتحولن مرغمات على بائعات هوى في أوكار عمان وعوالمها السفلية، نذكر من بينهن على سبيل المثال لا الحصر، أسماء وماجدة.
ما أن تضيق دنيا الله الواسعة بإبراهيم المفخخ بكامل هذه الأوجاع، حتى تعشش في عقله فكرة الانتحار، وكانفلات هنا بأسلوبية الرواية والهروب بسياقاتها إلى أبلغ نقاط التشويق وشدّ القارئ، على الطراز الذي يمنح لتجربة الروائي والكاتب الأردني المتعدد جلال برجس الفرادة والتميز عن كثيرين من بني جيله، نجد هذه الكتابة المتورطة بمضامين النصانية المفتوحة والممانعة والمتجاوزة لاعتبارات الحساسيات والأجيال، عبر تمطيط زمن فكرة الانتحار، ههنا، لأجل بث رزمة من الرسائل المجتمعية والقومية والعروبية والسياسية والانسانية، غداة كان هناك أمل في تحرير ارض فلسطين من العصابات اليهودية، وقبل أن تشهد الأحوال، كما اليوم، مثيل هذا الخراب والإبادة والتطهير العرقي.
إنّا لنستشف إلى أي مدى، حافظت الرواية على المسافة ما بين فنيتها ومعرفيتها، اطرادا مع الدفق المحقق لنظم تشاكل سرديات الفقد والتحول والانتماء.
في انزياح ما، أدمت بذاكرة نكبة فلسطين عام 48، مستحضرة نخبة من أبطال ملاحم مقاومة المحتل، حد استحضار بعض رموز الانتساب على قضية العروبة والإنسانية الأولى، القضية الفلسطينية العادلة والحق المشروع، فأتت على سيرة (خازر) شهيد القضية.
قلت يتم تجميد فكرة انتحار إبراهيم الذي ما انفكّ يستسلم لحلم إيجاد قبر في الماء، الانتحار غرقا، جراء ما لاقاه من عذابات نفسية رهيبة، تسبب له بها قرين الشر، او الصوت المجهول الحاقد على كل شيء.
فكرة تجمّد لحين ولوج هذه الشخصية المنفصمة والمعذبة، تدريجيا، في الحياة بمعناها الرسمي، حياة البذخ والرفاه، الحياة المنبغي عيشها كما يجدر.
وما أن يوشك على تنفيذ فكرته، حتّى يخلّصه حب امرأة تصادفه، فيرفرف لها خافقه من كلمة ومن نظرة، فما أعجب قصص الحب.
إنها السيدة نون، وقد أحدثت في شخصيته كامل هذا الانقلاب والتحول الملفت، من كائن يجالد الانتحار النفسي سعيا إلى آخر فعلي، لتسمو به إلى مراتب الانتصار لألوان الحياة والانغماس في ملذاتها.
نقتبس من الرواية، أيضا:
{ألقت بي السيارة في وسط البلد، ومن ذاكرتي تجيء قصيدة بورخيس:(لو عشت حياتي من جديد). أمضيت معظم سنيني في كشك الكتب صامتا، حتى إن كثيرا منهم اعتقدوا أنني أخرس، قرأت معظم ما يأتي للكشك من كتب خلت أن شجرة شجت راسي وباتت تظلله، كنت أحس بها تكبر بعد الانتهاء من كل قراءة.
في أي بيت أنت وأي سرير تخلدين للنوم، نحن متشابهان في ما ذهبنا إليه، أنت تركت عمان وذهبت إلى البحر لتنهي حياتك غير آسف على كل ما مضى، وأنا فعلت ذلك لأجنب عمان ما يمكن أن يفعله ذلك الذي يختبئ بي كجنين شرير، عمان بحر كبير نغرق فيه لكننا لا نموت.
وقفت عند الرصيف الذي يصعد منه(درج الكحلة) إلى جبل اللويبدة، أنظر إلى متجر وقد أقيم مكان كشك الوراق الذي كان له خشب عتيق، ونافذة وباب قديمان لهما رائحة الكتب، رائحة لا يعرفها إلا من كتب تلك الصفحات، وان الحبر الذي انفقه أصحابها، جاء من أرواح تسعى إلى الحياة بعناد عمال المناجم وهم يحفرون الأنفاق. أما المتجر الجديد فقد بني من معدن طلي بألوان زاهية لا رائحة له، ولا ذاكرة غير ذاكرات هواتف نقالة تهزم امام أي عطب. من اين كانت السيدة نون تهبط إلى مشيا إلى وسط البلد؟ واي الأدراج تسلك؟ صعدت درج الكحلة، وتجولت بين البيوت، أنظر إلى النوافذ، والأبواب، انتظر معجزة فيطل على وجهها باسما، حينها سأصرخ بما لم أقله في ذلك الصباح، كما كان يصرخ العاشق الإغريقي أمام حبيبته، متوسلا أن تقبل بحبه (الأغابي)، غير المشروط، والقدم من أعمق منطقة في الروح. أمضيت سنين عمري بلا امرأة حتى متخيلة، وها هي امرأة خاطفة في مجيئها وذهابها تعيدني إلى لهفة الرجل لامرأة يخلع أمامها ملابس روحه، ليتضح بكل ضعفه، وأحلامه، وحزنه، ويبكي على ركبتيها كما ينشج المزراب على حجر أملس.}(3).
في الفصلين الثالث والرابع من هذه السردية المندورة لطوباوية تفجير أسئلة الموت والشك، ومنظومة ما يمكن أن تختنق به أحلام الكائن الهش، في عالم تحكمه الرّقمنة، لا روح له، يتعملق بساديته وإسمنتية وتحجّر زمكانيته.. قلت، في غمرة كامل هذا يستأنف إبراهيم مغامرته في البحث عن السيدة نون، بعد خسرانه بيته وبيعه لكل ما يملك، باستثناء رصيد الوراقة من كتب شمتت بها سوق الكساد، على نحو مخز ومذل، في زمن الهيمنة الرقمية وتطاوس الثورة التقنية، تلك الكتب التي حرّضه القرين اللعين على إحراقها، في مشهد يفطر القلوب.
بحيث لم يعد إبراهيم يملك سوى شهادة الراحل والده جاد الله نجل الشموسي، أي ذاك الشيوعي الأخير، الذي درس بالخارج، وكان منشغلا حتى النخاع بقضايا أمته، حتى انه دفع ضريبة ذلك، حال سماعه نبأ هزيمة68 ما دفع به إلى تخوين البلد الذي استضافه، فعذب إثر ذلك في السجون السوفياتية، إلى ان أثبت جهاز كشف الكذب براءة هذا المناضل المثقف، فأسقطت سائر التهم المنسوبة إليه.
هذا ما أقرّت به دفاتر الصحفية كشخصية تم إقحامها في النسق، لإضفاء مزيد من الإثارة والتشويق، وأسر للقراء، بحنكة ودربة روائي مبتكر ومجدد، فتعمّدت الرواية إخفاء ملامح هذه الشخصية، لتعرّي عنها في الوقت المناسب فقط، بعد ان تك قد بلغت بالمتلقي إلى أبعد سماوات الجذب السردي.
إضافة إلى شهاد جاد الله، كل ما تبقى بحوزة النجل، دفاتر السيدة نون، وحاسوبه الشخصي، وبطاقة هويته.
بهذا النزر، يباشر الرجل صعلكته وبقناع ديوجين، ليتقاطع مصيره بمصير ليلى، في سرب المتشردين الذي تنتمي إليه.
تلك المسترجلة المتقنِّعة بشخصية رجل، درءا لقطيع ذئاب الشهوة الجائعة، عساها تنجو، إلاّ أنها كادت تقتل وحشا همّ باغتصابها، لما اكتشف حيلتها وتبين له أنها أنثى عشرينية، ففرت مذعورة على الجسر الذي سيجمعها بإبراهيم، أخيرا.
بعدها، سيذكي الصوت المجهول الذي ما انصبّ ديوجين زمانه يغالبه، غير يائس من محاولات التنصل منه بعدم الاصغاء إلى وصاياه الشيطانية، إلى أن يقع في فخ غوايته بالنهاية، وكان دلّه على ضرورة السطو على بنكين في مقامرتين تنكّريتين متعاقبتين، اما الغاية في نفس يعقوب من تنفيذهما، فقد كانت بناء وطن لجماعة الصعاليك تلك، ومنحهم هوية.
ظل إبراهيم يمني نفسه بانتصار وجودي وحضاري كبير ليس يثمره سوى هزم المارد القابع في عقله، تتبل هذا الهدف بالطبع، هواجس الظفر بالمرأة التي أعادته إلى الحياة، وهو في أوج حالته المرَضية الأقرب إلى الإكلينيكية، مغازلا ضفة الانتحار الفعلي، وأيضا، وهذا هو الأهم، إشباع ذلكم الغبن الوجودي الكامن في الغائية التي قد تجود بها حيازة وطن بديل، الذي يجعل لحياة إبراهيم معنى، ويحقق له بمعية زملائه المتشردين، الانتماء المنشود.
ختاما وفي الفصلين الأخيرين من الرواية، تتعرى العديد من الحقائق، فنكتشف أن السيدة نون هي الصحفية راندا التي سبق لها الزواج من جاد الله والد إبراهيم، وأن إميلي التي تشتغل ليلى خادمة في بيتها هي أم الطبيب النفسي يوسف السماك الذي يعجز عن التحرر من ثقل ذاكرة قوية ما تنفك تلح عليه بكونه ابن حرام.
ليلى التي ستفضح اللص المقنع الذي يسرق لأجل المعدومين والمشردين، كما روجت له راندا في المشهد الإعلامي، وطالما توهمته ديوجين.
إبراهيم أو اللص المقنع بعد سرقة بنكين وعدة بيوت نبيلة، يفضح على يد ليلي التي أجبرتها الشرطة على الاعتراف بالمنسوب إليه متمثلا في سطوه الأخير على بيت إيملي، كي يصدم باشتغال ليلى عند هذه السيدة الثرية.
من أمام ساحة البيت المهجور المقبورة في ترابه الأموال المسروقة، وفي لحظة هدم البيت، يُقتاد إبراهيم إلى مركز الشرطة، ليعترف بأنه هو اللص المقنع النبيل، بينما تلصق به تهم كثيرة أخرى، يستغرب أو ينكر تدوينها في دفتر” كوابيس” الشيء الذي يعرضه إلى نوبة عصبية يفتح بعدها عينيه ليجد نفس يتلقى حقنة في مستشفى للأمراض العصبية كحالة إكلينيكية فيجبر على المكوث بين جدرانه مدة شهر، تزوره فيه بين الفينة والأخرى راندا.
بهذا إذن، يوضع القارئ في دوامة سردية، يتلقف احداثها كما لو كانت جملة واحدة، لا فصولا تتواتر، ويعيش بقلوب وعقول شخصياتها، حدّ تلاشي الحدود ما بين الحقيقة والخيال.
إنها رواية زئبقية خُطّت تفاصيلها المحبوكة، بقلب شاعر يخطف حضوره، عنوة، كي يُتيح للذوات الساردة، الانتشار الفجائعي المركّب والمُربك، عبر بناء سيكولوجي معقّد، تنبض له روح المحمول على دوال الفقد والتحول والانتماء.
شاعر وناقد من المغرب
هامش:
(1)مقتطف من فصل الرواية الرابع، الصفحة203.
(2)مقتطف من فصل الرواية الثاني، الصفحة81.
(3)مقتطف من فصل الرواية الثاني، الصفحة132/133.






