
كش بريس/التحرير ـ في خطوة تحمل أبعادا قانونية وسياسية متشابكة، اختارت مكونات من المعارضة البرلمانية نقل الجدل حول مشروع القانون رقم 16.22 المنظم لمهنة العدول من قبة البرلمان إلى فضاء الرقابة الدستورية، بعدما تقدمت، اليوم الجمعة، بإحالة رسمية إلى المحكمة الدستورية من أجل الحسم في مدى مطابقة عدد من مقتضياته لأحكام الدستور، استنادا إلى الفصل 132 منه.
وجاءت هذه المبادرة بتنسيق بين الفريق الاشتراكي ـ المعارضة الاتحادية، والفريق الحركي، وفريق التقدم والاشتراكية، والمجموعة النيابية للعدالة والتنمية، مدعومة أيضا بتوقيع أربع نائبات غير منتسبات، في خطوة تعكس اتساع دائرة التحفظات المثارة حول النص القانوني الجديد وما يطرحه من أسئلة مرتبطة بضمانات العدالة والمساواة والأمن القانوني.
وطالبت المعارضة المحكمة الدستورية بفحص مدى دستورية عدد من المواد، من بينها المواد 37 و50 و51 و53 و55 و63 و67 و77، إضافة إلى مقتضيات أخرى ضمن القانون ذاته، معتبرة أن بعض بنوده تتضمن اختلالات تمس مبادئ دستورية مؤطرة لدولة القانون والمؤسسات.
ووفق مضمون رسالة الإحالة، فإن الاعتراضات المثارة تنقسم إلى شقين أساسيين؛ أولهما يرتبط بما وصفته المعارضة بخرق مبادئ دستورية كبرى، وثانيهما يتعلق بملاحظات دقيقة مرتبطة بصياغة بعض المواد ومضمونها القانوني.
وفي هذا السياق، سجلت المعارضة أن بعض مقتضيات القانون تمنح سلطات تقديرية واسعة دون ضبط تشريعي دقيق، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تأويلات متباينة تمس بمبدأ الشرعية القانونية وتدرج القواعد القانونية، في تعارض مع مقتضيات الفصل السادس من الدستور الذي يكرس سمو الدستور وخضوع الجميع لأحكامه.
كما أثارت المعارضة شبهة المساس بمبدأ المساواة أمام القانون، معتبرة أن بعض شروط ولوج مهنة العدول وممارستها قد تفضي إلى تمييز غير مبرر بين فئات مهنية مختلفة أو بين المواطنين أنفسهم، بما يتعارض مع مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص المنصوص عليهما دستوريا.
ومن بين النقاط التي استأثرت باهتمام المعارضة كذلك، مسألة حصر إمكانية التعامل مع صندوق الإيداع والتدبير أو تدبير حسابات الودائع في فئة الموثقين دون العدول، رغم أن المهنتين تمارسان وظيفة توثيقية ذات طبيعة عمومية، وهو ما اعتبرته المعارضة تكريسا لتمييز مهني غير مؤسس على مبررات موضوعية واضحة.
وفي جانب آخر، حذرت المعارضة من أن بعض المقتضيات قد تؤثر على حجية الوثائق العدلية وآليات الطعن فيها دون توفير ضمانات كافية للتقاضي العادل، بما قد يمس بحقوق المتقاضين وبالضمانات الدستورية المرتبطة بالمحاكمة العادلة وحق الولوج إلى القضاء.
كما سجلت رسالة الإحالة أن عددا من المواد تحيل بشكل مفرط على نصوص تنظيمية، أو تدخل في مجالات يفترض أن يحددها القانون نفسه، وهو ما اعتبرته إخلالا بمبدأ توزيع الاختصاص بين السلطة التشريعية والسلطة التنظيمية كما يحدده الدستور.
وعلى مستوى الملاحظات التفصيلية، انتقدت المعارضة استعمال عبارة “بدون سبب مشروع” في المادة 37، معتبرة أنها صياغة فضفاضة تمس بمبدأ الأمن القانوني، بالنظر إلى حق المخاطبين بالقانون في وضوح القاعدة القانونية وإمكانية توقع آثارها.
أما المادة 50، فقد أثارت بدورها جدلا واسعا بسبب الإبقاء على نظام “التلقي الثنائي” في بعض المعاملات العقارية والتجارية، إذ اعتبرت المعارضة أن فرض هذا الشرط على العدول دون غيرهم من المهن التوثيقية يشكل عبئا إجرائيا غير مبرر، ويمس بمبدأ المساواة في الولوج إلى الخدمات التوثيقية.
وامتدت الملاحظات أيضا إلى المادة 67 المتعلقة بشهود اللفيف، حيث اعتبرت المعارضة أن صياغتها تتضمن غموضا قانونيا وتكرس تمييزا غير منسجم مع المقتضيات الدستورية المؤطرة للمساواة وعدم التمييز بين الجنسين.
وقد أرفقت مذكرة الإحالة بتوقيعات 32 نائبا عن الفريق الاشتراكي ـ المعارضة الاتحادية، و25 نائبا عن الفريق الحركي، و20 نائبا عن فريق التقدم والاشتراكية، و12 نائبا عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، إضافة إلى توقيعات النواب غير المنتسبين نبيلة منيب وفاطمة الزهراء التامني وريم شباط وشفيقة لشرف.
وبهذه الخطوة، ينتقل النقاش حول مشروع تنظيم مهنة العدول من دائرة التجاذب السياسي والتشريعي إلى فضاء التأويل الدستوري، في انتظار ما ستقرره المحكمة الدستورية بشأن نص قانوني يلامس توازنات دقيقة بين تحديث منظومة التوثيق وضمان احترام المبادئ الدستورية المؤطرة للحقوق والحريات والمساواة القانونية.





