
كش بريس/التحرير ـ
تدخل الساحة السياسية المغربية مرحلة انتخابية تتزايد فيها أهمية الإعلام في تشكيل مواقف الناخبين والتأثير في اختياراتهم، فيما تستعيد استطلاعات الرأي حضورها كواحدة من أدوات قياس المزاج العام وصناعة التوقعات الانتخابية. وبينما تتسع مساحة النقاش السياسي على القنوات العمومية والمنصات الرقمية، يضع القانون المغربي حدوداً واضحة أمام بعض الممارسات خلال الفترة الانتخابية، خصوصاً ما يتعلق بإجراء استطلاعات الرأي ونشر نتائجها، إلى جانب قواعد حضور الأحزاب السياسية في وسائل الاتصال السمعي البصري العمومي.
وتكتسب هذه الضوابط أهمية خاصة في ظل التحول الذي عرفته الحملة الانتخابية نفسها، بعدما أصبحت المعلومة السياسية تنتقل بسرعة بين التلفزيون والإذاعة والصحافة والمنصات الرقمية، بما يجعل التأثير في الناخبين مرتبطاً أيضاً بطريقة تقديم المعلومة وتوقيتها ومصدرها. وفي هذا الإطار، يحدد القانون رقم 57.11 مجموعة من القواعد التي تضبط المجال الإعلامي خلال الانتخابات، من منع استطلاعات الرأي في فترة محددة تسبق الاقتراع، إلى تنظيم حصص الأحزاب في الإعلام العمومي، ووضع قيود على طبيعة المضامين التي يمكن بثها خلال الحملات الانتخابية.
منع استطلاعات الرأي قبل الاقتراع
وتكتسي المادة 115 أهمية خاصة في هذا السياق، إذ تحظر إجراء أي استطلاع للرأي تكون له علاقة مباشرة أو غير مباشرة باستفتاء أو بانتخابات تشريعية أو انتخابية، ابتداء من اليوم الخامس عشر الذي يسبق التاريخ المحدد لانطلاق الحملة الانتخابية أو الاستفتائية، وإلى غاية انتهاء عمليات التصويت.
ولا يقف المنع عند إجراء الاستطلاع، إذ يشمل أيضاً نشر نتائجه أو التعليق عليها خلال الفترة نفسها، بما يعني أن القانون يضع فترة زمنية فاصلة أمام تداول المعطيات التي يمكن أن تؤثر في اتجاهات الناخبين قبيل الاقتراع وأثناءه.
وتتخذ هذه المقتضيات طابعاً زجرياً واضحاً، إذ يعاقب القانون كل من طلب إجراء استطلاع مخالف، أو أنجزه، أو نشر نتائجه، أو علق عليها، بالحبس من شهر إلى سنة، وبغرامة تتراوح بين 50 ألفاً و100 ألف درهم.
وفي حال ارتكاب المخالفة من طرف شخص معنوي، تطبق عقوبة الحبس على الشخص الطبيعي المكلف قانوناً بتمثيله، بينما يمكن أن يصل الحد الأقصى للغرامة المفروضة على الشخص المعنوي إلى 200 ألف درهم.
الإعلام العمومي وسؤال تكافؤ الفرص
ولا تتوقف المقتضيات القانونية عند استطلاعات الرأي، وإنما تمتد إلى تنظيم حضور الأحزاب السياسية في وسائل الاتصال السمعي البصري العمومي خلال الحملات الانتخابية.
وتنص المادة 116 على استفادة الأحزاب المشاركة في الانتخابات التشريعية والجهوية والجماعية من وسائل الإعلام العمومي وفق قواعد محددة، فيما تؤكد المادة 117 مبدأ المساواة في الولوج إلى هذه الوسائل، باعتباره أحد الشروط الأساسية لضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين.
غير أن المساواة في الولوج لا تعني بالضرورة حصصاً متطابقة، إذ يربط القانون توزيع وترتيب الحصص الزمنية المخصصة للأحزاب السياسية بتمثيليتها داخل مجلسي البرلمان، وفق الكيفيات والضوابط المحددة قانوناً.
كما يحيل القانون على مرسوم يحدد، باقتراح من القطاعات الحكومية المكلفة بالداخلية والعدل والاتصال، المدد الزمنية المخصصة للأحزاب، إلى جانب شروط وكيفيات ترتيبها، سواء تعلق الأمر بالتدخلات والتصريحات، أو بالبرامج الخاصة، أو بتغطية التجمعات والأنشطة الانتخابية.
ماذا يسمح القانون ببثه؟
وتضع المادة 118 بدورها مجموعة من الحدود التي يتعين على البرامج الانتخابية احترامها، بما يجعل حرية الخطاب الانتخابي مرتبطة بجملة من الضوابط القانونية.
وتمنع هذه المقتضيات المضامين التي يمكن أن تمس بشؤون الأمة كما يحددها الدستور، أو بالنظام العام، أو بالكرامة الإنسانية والحياة الخاصة واحترام الغير، كما تحظر المساس بالثوابت والبيانات المحمية قانوناً، والتحريض على العنصرية أو الكراهية أو العنف.
كما تشمل القيود الدعوة إلى جمع الأموال في سياقات محظورة قانوناً، فضلاً عن مجموعة من الممارسات المرتبطة بالرموز والأماكن ذات الحساسية الخاصة خلال الحملات الانتخابية.
وفي هذا الإطار، يمنع القانون استخدام الرموز الوطنية في البرامج الانتخابية، إلى جانب الاستخدام الكلي أو الجزئي للنشيد الوطني، كما يحظر الظهور في أماكن العبادة أو استخدامها، كلياً أو جزئياً، في المواد الانتخابية.
الهيئة العليا تراقب الالتزام
وتضع هذه المقتضيات الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أمام مسؤولية أساسية في مواكبة العملية الانتخابية، إذ تنص المادة نفسها على سهرها على احترام القواعد المنظمة للبث الانتخابي، في حدود الاختصاصات المخولة لها بموجب القوانين الجاري بها العمل.
وهكذا، فإن الإطار القانوني للانتخابات لا ينظم فقط من يترشح ومن يصوت، وإنما يمتد أيضاً إلى المجال الذي تتشكل داخله اختيارات الناخبين: الإعلام، والاستطلاعات، والخطاب السياسي، وتوزيع فرص الظهور على وسائل الإعلام العمومي.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تكتسب هذه القواعد أهمية أكبر في ظل التحول الكبير الذي عرفه المجال الإعلامي، حيث لم تعد الرسائل الانتخابية تمر حصراً عبر التلفزيون والإذاعة والصحافة، وإنما أصبحت تنتشر أيضاً عبر المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، بما يطرح تحديات جديدة أمام مراقبة المضامين الانتخابية، ولا سيما تلك المرتبطة باستطلاعات الرأي والمعلومات المضللة والتأثير في اتجاهات الناخبين.



