
ـ 10 نساء تحت الاستهداف ومرصد حقوقي يحذر من «ردع انتخابي» ممنهج ـ
كش بريس/التحرير ـ
في الوقت الذي تستعد فيه الساحة السياسية المغربية للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، بدأ الفضاء الرقمي يكشف وجهاً آخر من التنافس الانتخابي، عنوانه استهداف النساء المرشحات بحملات إساءة وتشويه تمس صورتهن الشخصية والسياسية، وتثير مخاوف من تحول العنف الرقمي إلى أداة لإقصاء النساء من المجال العام.
وقال المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي إنه رصد، خلال شهر يوليوز ومطلع غشت الجاري، تصاعداً في ممارسات تستهدف عدداً من النساء المرشحات، تراوحت بين السب والقذف والتشهير والمس بالحياة الخاصة والكرامة، وصولاً إلى تداول ادعاءات ومضامين مسيئة عبر المنصات الرقمية.
وكشفت بشرى عبدو، رئيسة المرصد، في تصريح لجريدة هسبريس، أن عمليات الرصد شملت 10 مرشحات ينتمين إلى أحزاب سياسية مختلفة، معتبرة أن بعض أشكال الاستهداف التي تعرضن لها كانت «دون المستوى»، فيما شكل السب والشتم، بحسبها، أكثر الممارسات حضوراً في الحالات التي جرى توثيقها.
وأوضحت عبدو أن بعض المرشحات واجهن أوصافاً وقدحاً مباشراً، من قبيل عبارة «ما فيدهاش»، محذرة من أن استمرار هذا النمط من الاعتداءات الرقمية قد تكون له كلفة سياسية تتجاوز الإساءة إلى الضحية، إذ قد يدفع نساء أخريات إلى العزوف عن الترشح أو الانسحاب من المجال السياسي.
من الإساءة الفردية إلى العنف السياسي
وفي بلاغ اطلعت عليه الجريدة، قال المرصد إنه يتابع «بقلق بالغ» تنامي مظاهر العنف السياسي الرقمي الموجه ضد مرشحات للانتخابات التشريعية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب، معتبراً أن الاستحقاق الانتخابي يفترض أن يوفر شروطاً متكافئة للمشاركة، وأن يكرس المساواة وتكافؤ الفرص ويحمي الكرامة الإنسانية.
ولا يرى المرصد في الوقائع المرصودة مجرد حالات متفرقة من الإساءة على شبكات التواصل الاجتماعي، إذ يؤكد أن بعض أشكال الاستهداف أخذت طابعاً «منظماً أو متكرراً»، واستُخدمت فيها المنصات الرقمية للنيل من السمعة السياسية والشخصية للمرشحات والتأثير في حضورهن داخل المجال العام.
وبحسب المصدر ذاته، فقد جرى التواصل مع عدد من النساء المعنيات بهذه الوقائع؛ حيث أبدت بعضهن استعدادهن لتقديم شكايات بشأن ما تعرضن له، بينما فضلت أخريات عدم اللجوء إلى القضاء، خشية أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التشويش على مسارهن الانتخابي.
وتكتسب هذه المعطيات دلالة إضافية، وفق المرصد، بالنظر إلى أنها تظهر في مرحلة لم تستكمل فيها بعد الصورة النهائية للترشيحات النسائية، في وقت ما تزال فيه مشاركة النساء في الترشح والوصول إلى مواقع التمثيل السياسي دون مستوى الطموحات المرتبطة بالمناصفة والمساواة.
حين يتحول الفضاء الرقمي إلى أداة للإقصاء
ويحذر المرصد من أن العنف السياسي ضد النساء لا يتوقف عند حدود الضرر الذي يلحق بالمرأة المستهدفة، وإنما ينتج أثراً أوسع داخل المجال السياسي. فالتهديد والتشهير والإهانة والمس بالحياة الخاصة يمكن أن تضرب شعور النساء بالأمان، وتضعف قدرتهن على التعبير والمنافسة، وتدفع بعضهن إلى إعادة التفكير في الاستمرار في العمل السياسي.
ويحمل هذا العنف، وفق المقاربة التي قدمها المرصد، رسالة ردع تتجاوز الضحية المباشرة؛ إذ قد تتحول واقعة استهداف امرأة واحدة إلى إشارة موجهة إلى نساء أخريات مفادها أن دخول المجال العام ستكون له كلفة شخصية ورقمية مرتفعة.
ويعتبر المرصد أن هذه الدينامية تمثل أحد العوائق المباشرة أمام المشاركة السياسية الكاملة والمتساوية للنساء، خصوصاً عندما يصبح تقييم المرشحة مرتبطاً بحياتها الخاصة وصورتها الشخصية بدل أدائها السياسي وبرنامجها ومواقفها.
انتخابات 2026 أمام اختبار تشريعي جديد
ويكتسي الاستحقاق التشريعي المقبل أهمية خاصة أيضاً من الناحية القانونية، إذ سيكون، بحسب المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي، أول اختبار فعلي للمقتضيات الزجرية الجديدة التي أقرها القانون التنظيمي رقم 53.25، ولا سيما المادة 51 المكررة منه.
وتجرم هذه المقتضيات، وفق البلاغ، مجموعة من الأفعال المرتكبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية والأنظمة المعلوماتية وأدوات الذكاء الاصطناعي، من بينها نشر الأخبار أو الادعاءات أو الوقائع الكاذبة، وتداول المستندات المختلقة أو المدلس فيها، متى كان الغرض منها المساس بالحياة الخاصة للناخبين أو المترشحين أو التشهير بهم.
كما تشمل المقتضيات صناعة أو نشر محتويات كاذبة أو مزيفة من شأنها المساس بنزاهة العمليات الانتخابية وصدقها، مع ترتيب عقوبات حبسية ومالية على الأفعال التي تستوفي شروط التجريم المنصوص عليها قانوناً.
وفي هذا السياق، يميز المرصد بين النقد السياسي المشروع وبين الممارسات التي تتخذ من حرية التعبير ستاراً للتشهير أو التهديد أو انتهاك الحياة الخاصة أو إنتاج المحتويات الكاذبة والمزيفة بقصد الإضرار بالمرشحات أو التأثير بصورة غير مشروعة في الاختيار الانتخابي.
دعوة إلى الأحزاب والنيابة العامة والمؤسسات
ودعا المرصد مختلف الفاعلين السياسيين والحزبيين والمؤسساتيين والإعلاميين والمدنيين إلى تحمل مسؤولياتهم في توفير بيئة انتخابية تحترم كرامة النساء المرشحات وحقوقهن، وتضمن لهن شروطاً عادلة للمنافسة.
كما حمّل الأحزاب السياسية مسؤولية توفير الحماية والدعم لمرشحاتها، والتصدي لأشكال العنف والتمييز التي قد تستهدفهن، في وقت طالب فيه رئاسة النيابة العامة والسلطات والمؤسسات المختصة بضمان التطبيق الفعلي للمقتضيات القانونية ذات الصلة، والتعامل بالسرعة والجدية اللازمتين مع الأفعال التي قد ترقى إلى جرائم انتخابية أو اعتداءات رقمية.
وتضع هذه المعطيات الانتخابات التشريعية المقبلة أمام سؤال يتجاوز عدد المرشحات أو حجم حضورهن في اللوائح الانتخابية: هل يستطيع المجال السياسي المغربي أن يضمن للنساء حق المنافسة من دون أن تتحول المنصات الرقمية إلى فضاء لمعاقبتهن على مجرد دخولهن إلى المجال العام؟





