‏آخر المستجدات‏أخبار وطنية

المغرب يعزز حماية المعطيات الفلاحية في ظل التحول الرقمي

كش بريس/التحرير ـ لم تعد الأرض وحدها مصدر الثروة في العالم القروي، بل أضحت المعطيات التي تُنتج فوقها، من تفاصيل الإنتاج إلى نبض المياه وحركة التمويل، رأسمالاً استراتيجياً لا يقل قيمة عن المحاصيل نفسها. في هذا السياق، يتجه المغرب إلى إعادة ضبط علاقته بهذا “الذهب الرقمي” الفلاحي، عبر تعزيز آليات حمايته وتأطير تداوله في ظل التحول المتسارع نحو الرقمنة.

وخلال فعاليات الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب، التي تحتضنها مدينة مكناس إلى غاية 28 أبريل، شدد فاعلون مؤسساتيون ومهنيون على أن الرقمنة لم تعد خياراً تقنياً، بل واقعاً أعاد تشكيل أنماط الإنتاج والتدبير لدى نحو 1.6 مليون مستغل فلاحي، مع انتشار التطبيقات المهنية وتقنيات الزراعة الدقيقة.

غير أن هذا التحول أفرز، في المقابل، تحديات جديدة تتعلق بكيفية جمع المعطيات الفلاحية واستعمالها، بل وحتى إعادة تسويقها. وهو ما دفع اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، بتنسيق مع وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، إلى إطلاق مبادرات تهدف إلى تأطير هذا المجال ووضع قواعد واضحة لحماية هذا الرصيد الرقمي.

وفي هذا الإطار، تم تقديم برنامج “داتا ثقة” (Data TIKA)، كآلية لمواكبة الفاعلين من أجل الامتثال للمقتضيات القانونية، وتأمين تدفق المعطيات داخل سلاسل الإنتاج، بما يحفظ مصالح المنتجين ويعزز الثقة في المعاملات. ويكتسي هذا الورش أهمية خاصة بالنسبة لـالقرض الفلاحي للمغرب، الذي تمر عبره أكثر من 80 في المائة من تمويلات القطاع، ما يجعل أمن الأنظمة المعلوماتية شرطاً حاسماً لاستمرارية التمويل واستقرار العلاقة بين الفاعلين.

كما أن توسع الخدمات المالية الرقمية في الوسط القروي يفرض بدوره رفع مستوى الحماية السيبرانية، سواء عبر اعتماد بروتوكولات متقدمة أو تأهيل المستخدمين، للحد من مخاطر الاحتيال وضمان موثوقية المعاملات. وفي هذا السياق، شهد الملتقى توقيع اتفاقيات انضمام إلى البرنامج شملت، إلى جانب الوزارة والبنك، كلاً من الكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية وفيدرالية الغرف الفلاحية، في خطوة تروم توحيد معايير حماية البيانات داخل المنظومة الفلاحية.

ولم تعد الحماية مقتصرة على الأنظمة الرقمية فقط، إذ تؤكد اللجنة أن نطاقها يشمل أيضاً الوثائق الورقية، والصور، والتسجيلات الصوتية، وحتى العينات البيولوجية، ضمن تصور موسع لما تسميه “الكرامة الرقمية”. ويبرز هذا البعد بشكل خاص في مجالات تربية الماشية والبحث الزراعي، حيث يتم توظيف معطيات دقيقة، مثل عينات الدم وتسلسلات الحمض النووي، لأغراض تحسين الإنتاج، ما يستدعي ضوابط صارمة لتدبيرها.

بالموازاة مع ذلك، يجري العمل على إعداد دراسة استراتيجية حول حكامة المعلومات الفلاحية، بهدف مواءمة الممارسات الوطنية مع المعايير الدولية، وبناء منظومة رقمية أكثر أماناً وشفافية.

في المحصلة، لم يعد التحكم في الأرض وحده كافياً لضمان السيادة الغذائية، بل بات التحكم في معطياتها شرطاً موازياً لا يقل أهمية. فبين حماية البيانات وتعزيز الإنتاج، يرسم المغرب ملامح معادلة جديدة: فلاحة ذكية لا تُدار فقط بالموارد، بل أيضاً بالمعرفة المؤمّنة.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button