
كش بريس/التحرير ـ في الوقت الذي تُقدَّم فيه الدولة الحديثة باعتبارها فضاءً لحماية الحقوق والحريات، تكشف ملفات حراك “جيل زد” عن مفارقة مقلقة: اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي حول دولة القانون، وبين واقع أمني وقضائي يزداد تشدداً تجاه جيل كامل اختار أن يرفع صوته في الشارع والفضاء الرقمي احتجاجاً على التهميش والفساد وانسداد الأفق الاجتماعي. فبدل أن تتحول مطالب الشباب المتعلقة بالصحة والتعليم والكرامة إلى موضوع نقاش عمومي جدي، جرى التعامل معها بمنطق أمني أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول حدود الحرية، واستعمال الاعتقال كأداة لإخماد الاحتجاج لا لمعالجة أسبابه العميقة.
وفي هذا السياق، كشفت اللجنة الوطنية لمساندة عائلات ضحايا قمع حراك “جيل زد” عن استمرار اعتقال عدد كبير من القاصرين، أغلبهم في إطار الاعتقال الاحتياطي، معتبرة أن ما يجري يمثل انتهاكاً مباشراً لمبدأ قرينة البراءة وللضمانات الدستورية المرتبطة بحماية الأطفال وحقوقهم الأساسية. وأكدت اللجنة أن الحراك لم يكن سوى تعبير اجتماعي وسياسي عن غضب جيل يشعر بأن مؤسسات الوساطة التقليدية لم تعد قادرة على تمثيله أو الإنصات لمطالبه.
البيان الصادر عن اللجنة رسم صورة قاتمة لحجم المقاربة الأمنية التي رافقت الاحتجاجات، متحدثاً عن توقيف آلاف المواطنين في مدن متعددة، ومتابعة المئات منهم في حالة اعتقال، ضمن حملة وصفت بأنها غير مسبوقة من حيث اتساعها وحدتها. غير أن الأرقام، على قسوتها، ليست سوى الوجه الظاهر لأزمة أعمق تتعلق بطريقة تدبير الدولة للاحتجاجات الاجتماعية الجديدة، خاصة تلك التي يقودها جيل رقمي لا يتحرك عبر الأطر السياسية التقليدية، بل عبر شبكات التواصل والفضاءات الافتراضية التي باتت تُنظر إليها increasingly باعتبارها تهديداً محتملاً للاستقرار بدل كونها امتداداً لحرية التعبير.
كما عبرت اللجنة عن قلقها من استمرار ما وصفته بمحاكمات تفتقد لشروط العدالة، مشيرة إلى أن مئات القاصرين خضعوا للاستنطاق والمتابعة في ظروف تثير الكثير من علامات الاستفهام بشأن احترام المساطر القانونية وحقوق الطفل، وعلى رأسها الحق في التمدرس والاستقرار النفسي والاجتماعي. وفي هذا السياق، بدا الاعتقال الاحتياطي وكأنه تحول من إجراء استثنائي إلى عقوبة مسبقة، تُمارس قبل صدور الأحكام، بما يحمله ذلك من آثار نفسية وعائلية وتعليمية يصعب تداركها لاحقاً.
ولم يتوقف البيان عند حدود الاعتقالات، بل تطرق أيضاً إلى ما اعتبره استعمالاً مفرطاً للعنف خلال تفريق الاحتجاجات، خصوصاً في مدينة القليعة، حيث سقط قتلى برصاص الدرك الملكي، من بينهم شاب خريج لمعهد السينما كان يوثق الأحداث بعدسته. وهي معطيات تعيد طرح سؤال العلاقة المتوترة بين السلطة والصورة؛ فحين يصبح توثيق الواقع فعلاً محفوفاً بالخطر، يتحول المجال العمومي إلى فضاء مراقَب تُخشى فيه الكاميرا أكثر مما يُخشى الفساد ذاته.
وانتقدت اللجنة ما وصفته بالأحكام “القاسية” الصادرة في حق عدد من المعتقلين في عدة مدن، معتبرة أن مجموع سنوات السجن المحكوم بها يعكس توجهاً نحو الردع الجماعي أكثر من كونه سعياً لتحقيق العدالة. كما سجلت ما اعتبرته خروقات متكررة شابت سير المحاكمات، من قبيل غياب محاضر معاينة مستقلة، وطول أمد التأجيلات، وغياب حالات التلبس في العديد من الملفات، إلى جانب شكاوى تتعلق بسوء المعاملة وانتزاع اعترافات تحت الضغط، وفق روايات الأسر والدفاع.
وفي بعد آخر من القضية، حذرت اللجنة من تصاعد المتابعات المرتبطة بحرية التعبير الرقمي، معتبرة أن عدداً من الشباب باتوا يواجهون الملاحقة بسبب تدوينات أو مواقف منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي. وهو ما يطرح إشكالاً متنامياً حول الحدود الفاصلة بين الأمن الرقمي وحرية الرأي، خاصة في ظل التحول المتسارع للفضاء الافتراضي إلى ساحة سياسية بديلة، يعبر فيها الشباب عن غضبهم خارج القنوات التقليدية المؤطرة.
كما أثارت اللجنة الوضع الصحي للمعتقل محمد خليف، المعتقل بسجن “عكاشة”، متحدثة عن تدهور حالته الصحية وحرمانه من الرعاية الطبية اللازمة، في مؤشر آخر على ما تعتبره الجمعيات الحقوقية خللاً بنيوياً في التعامل مع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي داخل المؤسسات السجنية.
وفي ختام بيانها، طالبت اللجنة بالإفراج عن كافة المعتقلين على خلفية الحراك، وفتح تحقيقات مستقلة في مزاعم العنف والتعذيب، داعية وسائل الإعلام إلى كسر ما وصفته بحالة الصمت والتجاهل تجاه ما يتعرض له الأطفال والشباب من انتهاكات. كما وجهت نداءً إلى القوى الحقوقية والديمقراطية من أجل توسيع دائرة التضامن مع المعتقلين والدفاع عن الحق في الاحتجاج والتعبير.
لكن خلف هذه المطالب الحقوقية، يبرز سؤال أكثر عمقاً وإزعاجاً: ماذا يعني أن يتحول جيل كامل إلى موضوع أمني؟ وما الذي تكشفه هذه المواجهة المفتوحة بين الدولة والشباب عن أزمة الثقة في المؤسسات، وعن حدود النموذج السياسي والاجتماعي القائم؟ فحين يصبح الاحتجاج جريمة، والتعبير الرقمي تهمة، والشارع فضاءً للخوف بدل المشاركة، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمحاكمات أو اعتقالات، بل بأزمة معنى تطال العلاقة نفسها بين السلطة والمجتمع، وبين المستقبل وجيل يشعر بأنه يُدفع إلى الهامش كلما حاول أن يتكلم.





