
تطرح الهوية الحزبية في المغرب سؤالا مركزيا يتعلق بشروط تشكل الانتماء السياسي ووظيفة الحزب داخل المجتمع. ويمكن النظر إلى الحزب، ضمن تقدير تحليلي يظل نسبيا وقابلا للتأويل، بوصفه فاعلا مؤسساتيا يتشكل داخل حقل سياسي واجتماعي تتفاعل فيه الدولة والنخب والقيم والانتظارات الجماعية، وتتحدد هويته من خلال قدرته على تنظيم التعدد الاجتماعي وصياغته في مواقف ومشاريع سياسية قابلة للتمثيل والتداول داخل المجال العمومي. وتتأسس هذه الهوية عبر تراكم المرجعيات والذاكرة التنظيمية والقواعد الاجتماعية والموارد الرمزية وأنماط إنتاج النخب وآليات الوساطة، مما يجعلها ظاهرة متحركة تتأثر بتحولات المجتمع وبنية المجال السياسي ومصادر الشرعية. ويطرح ذلك سؤالا أساسيا: إلى أي حد ما تزال الأحزاب المغربية قادرة على إنتاج هويات سياسية واضحة وقابلة للتمييز الاجتماعي في ظل التحولات التي عرفها الحقل السياسي، وما أثر ذلك في علاقة المواطن بالحزب، وفي طبيعة الاختيار الانتخابي؟ ويتفرع عن هذا السؤال البحث في قدرة التصنيفات التقليدية لليمين واليسار والوسط على قراءة الخريطة الحزبية المغربية، وفي أثر التجزؤ الحزبي والشخصنة الانتخابية وتحول النخب والفضاء العمومي الرقمي في إعادة تشكيل الانتماء السياسي.
تكونت الهويات الحزبية المغربية داخل مسار تاريخي ارتبط بالحركة الوطنية وبناء الدولة والصراعات السياسية التي أعقبت الاستقلال. وقد راكمت الأحزاب خلال هذا المسار ذاكرة سياسية ورموزا ومرجعيات ومواقع داخل المجال العام، فأصبحت هويتها متصلة بتاريخ التنظيم وموقعه في التحولات السياسية والاجتماعية. ومع تغير الأجيال وتبدل أنماط المشاركة واتساع فضاءات التعبير، أعيد تشكيل قيمة هذا الرصيد، وصارت استمرارية الهوية مرتبطة بقدرتها على إنتاج دلالة سياسية تستجيب لتحولات الحاضر. وتتحرك الهوية الحزبية اليوم ضمن شبكة من الموارد السياسية والاجتماعية والرمزية. فالتاريخ التنظيمي يمنح الحزب رصيدا من الشرعية، والشبكات الاجتماعية توفر امتدادا داخل المجتمع، والخبرة المؤسساتية تمنحه قدرة على ممارسة الفعل السياسي، والمكانة المحلية تتيح الوصول إلى موارد انتخابية واجتماعية متنوعة. وتكتسب هذه الموارد فعاليتها من قدرتها على التحول إلى نفوذ سياسي وحضور مؤسساتي، لذلك يرتبط تغير الهوية بتحول مصادر القوة وآليات اكتساب الشرعية ومواقع الفاعلين داخل المجال السياسي. وتظهر هذه التحولات في مسألة الموقع الإيديولوجي للأحزاب. فقد شكلت مفاهيم اليمين واليسار والوسط أدوات أساسية لتحديد المواقع السياسية، وتحتاج قراءة الخريطة الحزبية المغربية إلى مؤشرات أكثر تركيبا تشمل الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمؤسساتية، ومواقف الأحزاب من السياسات العمومية والحريات والتنمية ودور الدولة. كما تؤثر التحالفات وإعادة توزيع المواقع الحكومية، وتقارب بعض الخطابات الانتخابية في درجة وضوح الحدود الإيديولوجية. وتصبح هوية الحزب قابلة للتحديد من خلال انتظام مواقفه وبرامجه وممارساته وقاعدته الاجتماعية وذاكرته السياسية. وتتجسد المسألة الانتخابية في علاقة مركبة تجمع الحزب بالمرشح والناخب، مع احتفاظ كل طرف بموقع ووظيفة محددين. فالحزب يحمل هوية سياسية جماعية تتأسس على المرجعية والبرنامج والتنظيم والذاكرة والموقع المؤسساتي، ويمنح العملية الانتخابية إطارها السياسي والاستمرارية التي تتجاوز الأفراد. أما المرشح فيدخل المجال الانتخابي بصفته فاعلا شخصيا يجسد الحزب داخل دائرة اجتماعية ومجالية محددة، ويحمل معه رأسمالا اجتماعيا يتكون من شبكة العلاقات والمعرفة بالمجال والمكانة والخبرة والقدرة على الوساطة. ومن خلال هذه الموارد يستطيع المرشح تحويل حضوره الاجتماعي إلى رأسمال انتخابي، فيما يوفر له الحزب الشرعية التنظيمية والإطار المؤسساتي الذي يمنح ترشحه معنى سياسيا. ويكتسب التمييز بين الحزب والمرشح أهمية خاصة في فهم السلوك الانتخابي.
فالتصويت للحزب يحيل إلى اختيار هوية وبرنامج ومرجعية وتنظيم، بينما يرتبط التصويت للمرشح بخصائص شخصية ومجالية وشبكات اجتماعية وتجارب محلية. ويجتمع هذان المستويان داخل العملية الانتخابية بدرجات متفاوتة، فتتأثر قوة الحزب بقدرته على جعل المرشح حاملا لهويته السياسية، كما تتأثر قوة المرشح بقدرته على ترجمة تلك الهوية إلى علاقة اجتماعية داخل المجال المحلي. ويكشف هذا التفاعل عن انتقال جزء من الرأسمال السياسي من المستوى التنظيمي إلى المستوى الشخصي، مع استمرار حاجة المرشح إلى الإطار الحزبي لتحويل حضوره الاجتماعي إلى تمثيل سياسي. وترتبط هذه الفاعلية بتحول أنماط المشاركة السياسية. فقد تعددت مصادر المعلومات واتسعت إمكانات التعبير والتعبئة، وأصبح الفضاء الرقمي جزءا من المجال العمومي الذي تتشكل داخله المواقف والانتظارات. وأعادت هذه البيئة توزيع وظائف التأطير والتواصل وإنتاج النقاش السياسي، إذ بات المواطن يتلقى الخطاب السياسي عبر وسائط متعددة ويشارك في تشكيله وتداوله وتقييمه خارج الأطر التنظيمية التقليدية. وتفرض هذه التحولات على الحزب تطوير حضوره السياسي، وعلى المرشح تطوير قدرته على التواصل المباشر مع المجال الاجتماعي الذي يتحرك داخله. ويكتسب التجزؤ الحزبي دلالته الاجتماعية من علاقته بقدرة الناخب على تمييز العرض السياسي. فالتعدد التنظيمي يحتاج إلى مؤشرات واضحة تسمح بتحديد المواقع والمشاريع والاختيارات. وعندما تتقارب الخطابات حول مفردات التنمية والحكامة والإصلاح والاستثمار والعدالة الاجتماعية، تزداد أهمية الشخصية السياسية والتاريخ الانتخابي والشبكات المحلية والرموز الحزبية في بناء التمييز. وتتصل الهوية الحزبية أيضا بآليات إنتاج النخب وإعادة توزيع المواقع داخل التنظيمات. فاختيار القيادات والمرشحين يعكس طبيعة الموارد التي تمنح الفاعلين إمكانية الوصول إلى المجال السياسي، ويكشف عن درجة انفتاح التنظيم على التحولات الاجتماعية والأجيال الجديدة. كما تؤثر آليات الانتقاء الداخلي في قدرة الحزب على تجديد موارده البشرية والرمزية، وفي طبيعة العلاقة التي تنشأ بين القيادة والقواعد والمرشحين والمجالات المحلية. وتشكل الوساطة السياسية موقعاً مركزيا في هذه العملية، لأن الحزب يحول المطالب الاجتماعية إلى قضايا سياسية قابلة للصياغة والتداول داخل المؤسسات. بينما يقوم المرشح بترجمة هذه القضايا داخل المجال المحلي من خلال الاحتكاك المباشر بالسكان ومعرفة انتظاراتهم وشبكاتهم ومشكلاتهم اليومية. ومن ثم تتوزع وظيفة الوساطة على مستويين متكاملين: مستوى تنظيمي ينتج المشروع السياسي ويؤطره، ومستوى شخصي ومجالي يجسده داخل الحياة الاجتماعية. وتكتسب الهوية الحزبية قوتها حين يظل هذا التوزيع منسجماً مع طبيعة التمثيل الذي يقدمه الحزب.
وتتحدد الهوية الحزبية، في هذا السياق. ومن هذه الزاوية يكتسب السؤال حول التصويت للشخص أو للحزب أو للبرنامج دلالته، فاختيار الحزب يتصل بالمرجعية والبرنامج والهوية التنظيمية، واختيار المرشح يتصل بالرأسمال الاجتماعي والشخصي والمجالي. وتظهر طبيعة الاختيار الانتخابي من خلال الوزن الذي يمنحه الناخب لكل مستوى. وكلما امتلك الحزب هوية سياسية واضحة، امتلك المرشح إطارا أكثر تحديدا لتقديم نفسه وتمثيل مشروعه، وكلما امتلك المرشح رأسمالا اجتماعيا مؤثرا، ازدادت قدرة الحزب على تحويل المشروع السياسي إلى حضور انتخابي داخل المجال المحلي. وتكشف الهوية الحزبية، عن طبيعة المجتمع السياسي نفسه. فهي مرآة لتحولات الانتماء، وتوزيع الرأسمال السياسي، وأشكال التمثيل، وعلاقة المواطن بالمؤسسات. وكلما امتلك الحزب قدرة أكبر على إنتاج معنى واضح لموقعه ومشروعه، ازدادت قدرته على بناء رابطة سياسية أكثر استقرارا، وغدا التصويت فعلا من أفعال المشاركة في إنتاج القرار العمومي، داخل ديمقراطية تمثيلية تستمد حيويتها من وضوح الاختلاف السياسي وقابلية الفاعلين للمساءلة.




