
كش بريس/التحرير ـ
عاد ملف تدبير مياه السقي بزمران الشرقية بإقليم قلعة السراغنة إلى الواجهة، في ظل استمرار شكايات الفلاحين بشأن توزيع الحصص المائية وبرمجة ساعات السقي، وسط ما يصفه متضررون بتجاهل متواصل من بعض الجهات المسؤولة وعدم تفاعل جدي مع مطالبهم وشكاياتهم.
وتأتي هذه التطورات في سياق سبق أن أثير فيه الملف إعلاميا، بعدما وجه فلاحون شكايات إلى الجهات المختصة، تضمنت معطيات واتهامات بشأن طريقة تدبير مياه السقي، من بينها تقليص مدد الاستفادة، واختلالات مرتبطة بقنوات التوزيع، فضلا عن مزاعم بشأن تفويت ساعات من السقي مقابل مبالغ مالية.
وبحسب المعطيات الواردة في الشكايات، فإن المستفيدين من نظام الري بالتنقيط يفترض أن يخضعوا لبرمجة محددة لدورات السقي، مع احتساب الاستهلاك وأداء المستحقات وفق المساطر المعمول بها. غير أن المشتكين يتحدثون عن تغييرات في مدد الاستفادة، وصلت، وفق إفاداتهم، إلى تحديد 24 ساعة فقط لبعض الحصص، مع تخوف من تقليصها في الدورات المقبلة إلى خمس ساعات.
وتطرح هذه المعطيات، في حال ثبوتها، أسئلة حول المعايير المعتمدة في توزيع المياه، والجهة المخولة بتحديد مدد الاستفادة، ومدى مطابقة البرمجة الفعلية للقواعد المعتمدة، خصوصا في منطقة أصبحت فيها كل ساعة سقي ذات أثر مباشر على استمرار النشاط الزراعي.
اتهامات خطيرة تنتظر التحقيق
الأكثر حساسية في الملف يتمثل في ما ورد من مزاعم بشأن تفويت ساعات من مياه السقي مقابل 100 درهم للساعة، مع اتهامات موجهة إلى مسؤولين عن التدبير وأعضاء جمعيات وموزعين.
وهذه المعطيات، كما وردت في الشكايات، تبقى ادعاءات تحتاج إلى تحقيق رسمي ولا يمكن التعامل معها كوقائع ثابتة قبل التحقق منها. غير أن خطورتها تفرض، على الأقل، إخضاع منظومة توزيع المياه لافتحاص دقيق، يشمل سجلات الاستفادة، وبرامج السقي، وساعات التشغيل، والمبالغ المستخلصة، ومطابقتها مع الوثائق والمقتضيات المعمول بها.
من شكاية فردية إلى أزمة حكامة
وما يجعل الملف أكثر إلحاحا أن هذه الشكاية ليست معزولة عن شكايات سابقة، سبق أن أثارتها «كش بريس» بشأن صعوبات واجهها فلاحون في الوصول إلى حصصهم المائية، بسبب أعطاب مرتبطة بالقنوات ومواقع التفريغ.
وكان أحد الفلاحين من دوار أولاد معزوز قد تحدث، في شكاية سابقة، عن عراقيل تقنية تسببت في ضياع جزء من المدة المقررة للسقي، واضطرته إلى استعمال أنبوب بلاستيكي لتجاوز الخلل وضمان وصول المياه إلى ضيعته، في وقت لم تكن حصته الزمنية تتجاوز 19 دقيقة.
وتكشف هذه الوقائع، في مجموعها، أن المشكلة قد تتجاوز حدود عطب تقني أو خلاف حول حصة فردية، لتلامس سؤالا أوسع يتعلق بحكامة المورد المائي وعدالة توزيعه وشفافية تدبيره.
الفلاحون بين العطش وصمت المسؤولين
في منطقة ترزح تحت ضغط الجفاف وتراجع الموارد المائية، أصبحت مياه السقي بالنسبة إلى الفلاحين أكثر من مجرد خدمة عمومية؛ إنها شرط لاستمرار الضيعات وحماية الأشجار والمحاصيل ومصدر رزق آلاف الأسر.
ولهذا، فإن تجاهل شكايات الفلاحين أو تركها تتراكم دون أجوبة واضحة لا يؤدي سوى إلى توسيع فجوة الثقة بين المستفيدين والجهات المشرفة على تدبير المياه.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل توجد اختلالات في توزيع مياه السقي؟ وإنما أيضا: من يراقب عملية التوزيع؟ ومن يحدد الحصص والساعات؟ وكيف تحتسب المستحقات؟ وهل تتطابق الساعات المبرمجة مع ما يحصل عليه الفلاحون فعليا؟ ومن يتحمل مسؤولية أي هدر أو تفويت خارج القنوات القانونية؟
المطلوب افتحاص لا مزيد من الصمت
أمام استمرار الشكايات، يبدو أن معالجة الملف لم تعد تحتمل الاكتفاء بالتدبير الإداري للحالات الفردية، وإنما تستدعي افتحاصا ميدانيا ومؤسساتيا شاملا لمنظومة مياه السقي بالمركز الفلاحي 406، مع الاستماع إلى مختلف الأطراف والاطلاع على السجلات والوثائق المرتبطة بالتوزيع.
فالفلاحون لا يطلبون امتيازا خارج القانون، وإنما يطالبون، في جوهر شكاياتهم، بمعرفة حقوقهم المائية وكيفية احتسابها وضمان استفادتهم منها بعدالة وشفافية.
وبينما تتكرر الشكايات وتبقى الأسئلة معلقة، يظل صمت المسؤولين ــ إن استمر ــ جزءا من الأزمة نفسها. أما حسم الاتهامات، فلا ينبغي أن يكون بالإنكار أو التجاهل، وإنما بالتحقيق والوثيقة والمعاينة والمساءلة.
وفي منطقة أنهكها الجفاف، يصبح الدفاع عن عدالة توزيع الماء دفاعا عن الفلاحة نفسها؛ وأي تأخير في معالجة الاختلالات المحتملة قد يعني، بالنسبة إلى الفلاح، خسارة موسم أو شجرة أو مورد رزق لا يمكن استعادته بسهولة.




