‏آخر المستجداتالمجتمع

قبل انتخابات 2026.. المجتمع المدني البيئي يطالب الأحزاب بتحويل الوعود إلى التزامات قابلة للمساءلة

كش بريس/التحرير ـ

وضعت هيئات من المجتمع المدني البيئي الأحزاب السياسية والمرشحات والمرشحين للانتخابات التشريعية المقبلة أمام اختبار يتجاوز منطق الوعود الانتخابية، داعية إلى الانتقال من الخطاب السياسي العام إلى التزامات واضحة وقابلة للقياس والتقييم والمراجعة، بما يجعل قضايا البيئة والرأسمال الطبيعي جزءاً أصيلاً من الخيارات التنموية والاستراتيجية للمغرب.

وجاءت هذه الدعوة ضمن مذكرة أعدتها جمعية مدرسي علوم الحياة والأرض بالمغرب (AESVT Maroc) بشراكة وتعاون مع الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة (AMCDD) والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة – لجنة المغرب (UICN Maroc)، في سياق الاستعداد للانتخابات التشريعية لسنة 2026.

وترى الهيئات الموقعة أن الاستحقاق الانتخابي يأتي في لحظة تتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والبيئية مع التحولات الجيوسياسية العالمية، واضطراب سلاسل الإمداد، والتغيرات المناخية، وتزايد ندرة المياه، وارتفاع كلفة الطاقة والغذاء، واستمرار التضخم وبطالة الشباب والفوارق الاجتماعية والمجالية.

وتعتبر المذكرة أن هذه التحولات تفرض إعادة النظر في مفهوم التنمية نفسه، عبر بناء نموذج يعزز السيادة والقدرة على الصمود، ويخلق الثروة وفرص الشغل، ويحمي الرأسمال الطبيعي ويثمنه.

البيئة تدخل صلب المعركة الانتخابية

بالنسبة إلى الهيئات البيئية والعلمية، لم تعد حماية الموارد الطبيعية قضية قطاعية يمكن تأجيلها أو التعامل معها باعتبارها ملفاً موازياً للسياسات الاقتصادية والاجتماعية. فالماء والغذاء والطاقة والغابات والثروة البحرية والأنظمة البيئية أصبحت، وفق تصورها، عناصر مرتبطة مباشرة بالأمن الوطني وبقدرة الاقتصاد والمجتمع على مواجهة الأزمات.

ومن هذا المنطلق، تسعى المبادرة إلى فتح نقاش عمومي حول فلسفة البرامج الانتخابية للأحزاب واختياراتها التنموية والاستراتيجية، ومدى قدرتها على الإجابة عن أسئلة السيادة المائية والغذائية والطاقية، وتعزيز القدرة على الصمود، وحماية الرأسمال الطبيعي، وخلق القيمة وفرص الشغل.

وتطرح المذكرة سؤالاً مركزياً أمام الفاعلين السياسيين: أي نموذج تنموي يريد المغرب بناءه في عالم أصبحت فيه حماية الموارد وتأمينها شرطاً للاستقرار والسيادة والتنمية؟

من البرامج الانتخابية إلى «عقود» قابلة للقياس

تقترح الهيئات البيئية مساراً يمتد من مرحلة ما قبل الانتخابات إلى ما بعدها، بهدف إخراج النقاش البيئي من دائرة التصريحات الموسمية وربطه بمؤشرات واضحة تسمح للمواطن بتقييم ما تم الالتزام به وما جرى تنفيذه فعلياً.

وتقوم المبادرة على خمس مراحل مترابطة، تبدأ بتقاسم أوراق التشخيص والتحليل والمقترحات، ثم فتح حوار مع الأحزاب السياسية والبرلمانيين ومختلف الفاعلين، وصولاً إلى تحليل البرامج الانتخابية وإصدار تقييم مستقل بشأن مدى استجابتها للتحديات الكبرى التي تواجه البلاد.

كما تقترح الهيئات إطلاق عملية لتقاسم أربع أوراق استراتيجية ووثائق تقنية وتأطيرية مع الأحزاب والبرلمانيين والفاعلين المعنيين، بما يتيح مناقشة الاختيارات ومقارنتها وإغناءها قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.

حوار وطني يمتد إلى الجهات

وتتضمن المرحلة الثانية تنظيم لقاء وطني أول مع الأحزاب السياسية، بصيغة حضورية وعن بعد، يخصص لعرض المقترحات والاستماع إلى مواقف مختلف التنظيمات السياسية وتصوراتها.

وتلي ذلك تناظرات جهوية في الجهات الاثنتي عشرة للمملكة، تجمع المرشحات والمرشحين بالباحثين والأكاديميين وممثلي المجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، بهدف ربط الخيارات الوطنية بالخصوصيات الترابية والحاجات الفعلية لكل جهة.

وترى الهيئات أن هذا البعد الجهوي ضروري حتى لا تبقى قضايا التنمية المستدامة حبيسة التصورات المركزية، خصوصاً أن التحديات المرتبطة بالماء والفلاحة والغابات والساحل والموارد الطبيعية تختلف من مجال ترابي إلى آخر.

كما تقترح المبادرة عقد لقاء وطني ثانٍ مع البرلمانيين والمرشحين والفاعلين في المجال التشريعي، لمناقشة الأولويات المرتبطة بالتشريع والرقابة والحكامة وآليات تقييم السياسات العمومية.

وستشمل النقاشات، على وجه الخصوص، الحكامة الوطنية والترابية، والسيادة المائية والغذائية والطاقية، والثروة البحرية، والفلاحة والغابات، والأنظمة البيئية الهشة، فضلاً عن الرأسمال الطبيعي باعتباره مورداً استراتيجياً للتنمية.

المواطن أمام اختبار البرامج لا البلاغة السياسية

وفي المرحلة الثالثة، تنتقل المبادرة إلى تحليل البرامج الانتخابية وإعداد تقرير نهائي يقارن بين الاختيارات التي تقدمها الأحزاب ومدى استجابتها للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والمجالية.

وسيتركز التقييم على سؤال أساسي: هل تتضمن البرامج التزامات محددة يمكن قياسها ومراقبة تنفيذها ومراجعتها؟

وتقول الهيئات إن الهدف هو توفير قراءة موضوعية تساعد الناخب على التمييز بين الخطاب السياسي العام والاختيارات التنموية الفعلية، وبين الوعود التي تظل معلقة في فضاء الحملات الانتخابية وتلك التي يمكن تحويلها إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ والتقييم.

الانتخابات لا تنهي المساءلة

وتؤكد المذكرة أن المبادرة لن تتوقف عند إعلان نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026، إذ تقترح الانتقال، بعد تشكيل الحكومة، إلى مرحلة جديدة من الترافع المؤسساتي.

وفي هذا الإطار، سيتم إعداد مذكرة ترافعية موجهة إلى الحكومة والبرلمان بمجلسيه، تتضمن خلاصات الحوار والتوصيات ذات الأولوية، مع الدعوة إلى إدماجها في التصريح الحكومي والسياسات والاستراتيجيات القطاعية والتشريعات وبرامج الاستثمار وآليات التخطيط والتقييم.

وتريد الهيئات من خلال ذلك أن ينتقل الرأسمال الطبيعي من موقعه كموضوع للنقاش الانتخابي إلى موقع أكثر مركزية داخل السياسات العمومية، بحيث تصبح حماية الموارد الطبيعية وتثمينها جزءاً من أولويات الحكومة منذ بداية الولاية التشريعية.

من مراقبة الإنفاق إلى قياس أثر السياسات

وتذهب المبادرة أبعد من مجرد الدعوة إلى زيادة الإنفاق العمومي على البيئة، إذ تشدد على ضرورة تقييم الأثر الحقيقي للسياسات العمومية على الاقتصاد والمجتمع والبيئة والمالية والرأسمال الطبيعي.

فعدد المشاريع المنجزة أو حجم الأموال المرصودة، وفق هذا التصور، لا يكفيان وحدهما للحكم على نجاح سياسة عمومية؛ إذ ينبغي معرفة ما إذا كانت تلك السياسات قد أحدثت تغييراً ملموساً في حياة المواطنين، وحسنت تدبير الموارد، وقلصت الفوارق، وعززت القدرة على الصمود.

ومن هنا، تدعو الهيئات إلى تعزيز دور البرلمان في مراقبة تنفيذ الالتزامات وتقييم نتائج السياسات العمومية، وتحويل المؤسسة التشريعية إلى طرف فاعل في صياغة التشريعات وآليات الرقابة والتقييم والمساءلة.

المجتمع المدني يريد «ما بعد الانتخابات»

وتؤكد الشبكات والهيئات البيئية والعلمية أنها ستواصل هذا المسار بعد الانتخابات، مستفيدة من أدوات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، ومن الخبرات والشراكات والمشاريع القائمة والمستقبلية، لتطوير آليات الرصد والتحليل والتتبع والتقييم.

وتراهن المبادرة بذلك على الانتقال من حملة انتخابية ظرفية إلى آلية مدنية مستمرة لمراقبة الالتزامات السياسية وقياس مستويات الإنجاز.

ولهذا تدعو الأحزاب والمرشحات والمرشحين إلى الإجابة بوضوح عن أسئلة تتجاوز ما سيقال في المنصات الانتخابية: ماذا ستستثمرون فيه؟ ماذا ستغيرون؟ ماذا ستوقفون؟ ما البدائل التي ستقترحونها؟ ما الأولويات التي ستمنحونها الموارد؟ وكيف سيتم تمويلها وتنفيذها وقياس نتائجها؟

فالناخب، وفق الرسالة التي تحملها المذكرة، لا يحتاج إلى معرفة ماذا سيُقال قبل 23 شتنبر فقط، وإنما ماذا سيُفعل بعده، وبأي وسائل، ووفق أي مؤشرات، وتحت أي آليات للمساءلة.

وفي هذا المعنى، تسعى المبادرة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الانتخابات والسياسات العمومية: الانتخابات تمنح الشرعية، لكن المؤشرات والنتائج والمساءلة هي التي تمنح الالتزام السياسي معناه الفعلي.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button