
كش بريس/التحرير ـ
أعادت قضية تتعلق بوضع قنينات للغاز أمام محل تجاري بمدينة الجديدة النقاش حول حدود استعمال الملك العمومي ومسؤولية أصحاب الأنشطة التجارية عن المخاطر التي قد تلحق الجوار، بعدما انتقل النزاع بين الجارين عبر مختلف درجات التقاضي وانتهى إلى تأييد الحكم القاضي بإزالة القنينات وأداء تعويض مدني.
وتعود تفاصيل القضية إلى لجوء أحد السكان إلى القضاء للمطالبة بإلزام جاره، صاحب محل تجاري، بإزالة قنينات الغاز التي كان يعرضها أمام محله، معتبراً أن وجودها في المكان يشكل خطراً على سلامة الأشخاص والممتلكات، ولا سيما بسبب تركها دون حراسة خلال الفترة الليلية.
في المقابل، تمسك صاحب المحل برفض الطلب، نافياً وجود أي ضرر، ومحتجاً بأن استغلال المساحة التي توضع فيها القنينات يتم بناء على ترخيص باحتلال الملك العمومي، بما اعتبره سنداً قانونياً لاستعمال المكان.
الخبرة ترجّح كفة المتضرر
المحكمة الابتدائية بالجديدة استجابت لطلبات المدعي، مستندة، ضمن عناصر أخرى، إلى نتائج الخبرة القضائية التي أُنجزت في الملف، والتي خلصت إلى وجود ضرر وخطورة مرتبطة بوضع قنينات الغاز في المكان.
وقضت المحكمة بإلزام صاحب المحل بإزالة القنينات، تحت طائلة غرامة تهديدية قدرها 100 درهم عن كل يوم تأخير في التنفيذ، إلى جانب الحكم عليه بأداء تعويض مدني قدره 2500 درهم لفائدة جاره.
غير أن الحكم لم يصمد أمام محكمة الاستئناف بالجديدة، التي ألغته وقضت من جديد برفض الطلب، معتبرة أن المدعي لم يثبت بصورة كافية قيام الضرر، وأن القنينات موضوع النزاع لا تشكل، وفق ما انتهت إليه، خطراً محدقاً يبرر الاستجابة لطلب الإزالة.
محكمة النقض تعيد الاعتبار للخبرة القضائية
لم يتوقف النزاع عند هذا الحد، إذ طعن الجار في القرار الاستئنافي أمام محكمة النقض، التي قضت بنقض القرار وإحالة القضية على محكمة الاستئناف بالجديدة من أجل البت فيها من جديد.
واستند قرار النقض، بحسب معطيات الملف، إلى كون القرار الاستئنافي لم يعط الاعتبار الكافي لما أثبتته الخبرة القضائية من معطيات تقنية، خصوصاً ما يتعلق بوجود ضرر مادي محقق أصاب ملك المدعي، تمثل في تصدع أو ثقب، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بوجود قنينات الغاز في الموقع.
وبذلك، اعتبرت محكمة النقض أن تقدير عناصر الضرر والخطورة لا يمكن أن يتجاهل النتائج التقنية التي خلصت إليها الخبرة القضائية المنجزة في الملف.
محكمة الاستئناف تؤيد الإزالة والتعويض
وبعد إحالة القضية من جديد، عادت محكمة الاستئناف بالجديدة إلى النظر فيها، وانتهت بتاريخ 26 يونيو 2023 إلى تأييد الحكم الابتدائي.
وبموجب هذا القرار، جرى تثبيت إلزام صاحب المحل بإزالة قنينات الغاز، مع الإبقاء على الغرامة التهديدية المحددة في 100 درهم عن كل يوم تأخير، فضلاً عن التعويض المدني البالغ 2500 درهم لفائدة الجار.
وتكشف هذه القضية، في جانبها القانوني، عن مفارقة لافتة بين الترخيص باستغلال الملك العمومي وبين الالتزام بعدم إلحاق الضرر بالغير؛ إذ إن حيازة ترخيص إداري لاستعمال مساحة معينة لا تحسم، في حد ذاتها، مسألة المسؤولية عن الأضرار أو المخاطر التي قد تنشأ عن طريقة استعمالها، وهي مسألة ظلت خاضعة لتقدير القضاء في ضوء الوقائع والخبرة والمعطيات التقنية المثبتة في الملف.




